تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ} (128)

128- { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون }

كانت الحرب سجالا بين المؤمنين والكافرين وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سبعين قارئا لتعليم القرآن لبعض القبائل فقتلهم المشركون وقد اشتد حزن الرسول صلى الله عليه وسلم لموت القراء ودعا على المشركين79 .

وقد حدث مثل ذلك في غزوة أحد عندما لحقت الهزيمة بالمسلمين وأصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بجراح في وجهه الشريف وسال الدم منه فقال : " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل " فأنزل الله { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون }80 .

وتفيذ الأحاديث الصحيحة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في صلاة الصبح بعد الركوع إذا قال سمع الله لمن حمده : " ربنا ولك الحمد " فيدعو بنجاة المستضعفين في مكة وربما دعا على المشركين الذين يقتلون المسلمون ويعذبونهم روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان ر سول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم حتى انزل الله تعالى : { ليس لك من الأمر شيئا أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون } .

والآية تشير إلى حكمة إلهية عليا يريد الله تحقيقها في هذا الكون وهي أن يدفع المؤمنون ضريبة الإيمان بالجهاد والكفاح واحتمال الابتلاء قال تعالى : { ولو يشاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ( هود 118-119 ) .

وقال عز شأنه : { أحسب الناس ان يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ( العنكبوت 2-3 ) .

أو تشير الآية إلى ان وظيفة الرسول البلاغ قال { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } ( القصص 56 ) وقال سبحانه { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ( الرعد 40 ) .

روى ابن كثير عن محمد بن إسحاق في قوله ليس لك من الأمر شيء أي : لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم .

والمعنى : أن مالك أمرهم على الإطلاق هو الله عز وجل وله حكمة يريد تحقيقها وليس لك يا محمد من التصرف في أمر عبادي شيء بل الأمر أمر لله فإما أن يتوب عليهم بالإيمان أو بتوجيههم للاعتبار فإن انتصار المسلمين قد يكون فيه للكافرين عظة وعبرة فيقودهم إلى الإيمان والتسليم فيتوب الله عليهم من كفرهم ويختم لهم بالإسلام والهداية .

{ او يعذبهم فإنهم ظالمين }

أو يعذبهم بنصرة المسلمين عليهم بأسرهم او يعذبهم بالقتل والخزي والعذاب يوم القيامة لانهم ظلموا أنفسهم حين حرموها من النظر والاعتبار والهداية وأصروا على الكفر واستحبوا العمى على الهدى { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ( النحل 33 ) .

/خ129

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ} (128)

قوله تعالى : { ليس لك من الأمر شيء } . الآية ، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فقال قوم : نزلت في أهل بئر معونة ، وهم سبعون رجلاً من القراء ، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم ، أميرهم المنذر بن عمرو ، فقتلهم عامر بن الطفيل ، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً ، وقنت شهراً في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين ، فنزلت : ( ليس لك من الأمر شيء ) .

أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي ، أنا احمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أنا محمد ابن إسماعيل ، أخبرنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله ، يعني ابن المبارك ، أخبرنا معمر عن الزهري قال : حدثني سالم عن أبيه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول : " اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ، فأنزل الله تعالى ( ليس لك من الأمر شيء ) .

قوله تعالى : { أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون } . وقال قوم نزلت يوم أحد .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أخبرنا مسلم بن الحجاج ، أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه ، فجعل يسلت الدم عنه ويقول :كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله عز وجل ، فأنزل الله تعالى( ليس لك من الأمر شيء ) . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ( اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحارث بن هشام ، اللهم العن صفوان بن أمية ، فنزلت : ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ) فأسلموا وحسن إسلامهم . وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوم أحد ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف ، وقطع المذاكير قالوا : لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا ، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وذلك لعلمه فيهم بأن كثيراً منهم يسلمون . فقوله تعالى ( ليس لك من الأمر شيء ) أي ليس إليك ، فاللام بمعنى إلى ، كقوله تعالى ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أي إلى الإيمان قوله تعالى ( أو يتوب عليهم ) قال بعضهم : معناه حتى يتوب عليهم ، أو إلا أن يتوب عليهم ، وقيل : هو نسق على قوله ( ليقطع طرفاً ) ، وقوله ( ليس لك من الأمر شيء ) اعتراض بين الكلامين ونظم الآية ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء بل الأمر أمري في ذلك كله .