تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} (12)

المفردات :

ما منعك ألا تسجد : ما ألزمك واضطرك إلى ألا تسجد ، فالمنع مجاز عن الإلجاء والاضطرار ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع .

التفسير :

قال ما منعك ألا تسجد . . . الآية .

أي : قال الله تعالى لإبليس : ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد ؟ !

والسؤال لإقامة الحجة ، وللتقريع والتوبيخ ، وإلا فهو سبحانه عالم بذلك .

قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . أي : قال إبليس أنا خير من آدم ؛ لأني مخلوق من عنصر النار الذي هو أشرف من عنصر الطين والأشراف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه ، والأعلى لا يليق به السجود للأدنى .

ولقد أورد المفسرون هنا كلاما لطيفا يفيد أن عدو الله قد أخطأ في زعمه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين .

فإن الطين من شأنه الرزانة والأناة والتثبت ، وهو محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح ، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة .

ولهذا خان إبليس عنصره ، ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله .

جاء في تفسير أبي السعود :

ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر ، وزل عنه ما من جهة الفاعل كما أنبأ عنه قوله تعالى : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي . أي : بغير واسطة على وجه الاعتناء به .

وما من جهة الصورة كما نبه عليه بقوله تعالى : ونفخت فيه من روحي .

وما من جهة الغاية وهو ملاك الأمر فهو مؤهل للخلافة في الأرض ، وله خواص ليست لغيره ( 31 ) .

وجاء في تفسير ابن كثير :

وقول إبليس : أنا خير منه . . . إلخ من العذر الذي هو أكبر من الذنب ؛ إذ بين بأنه خير من آدم ؛ لأنه خلق من النار وآدم خلق من الطين فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم ، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه .

وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص ، وهو قوله تعالى : فقعوا له ساجدين .

فشذ من بين الملائكة ؛ لترك السجود فأبعده الله عن رحمته .

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم )( 32 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} (12)

ولما كان مخالف{[31997]} الملك في محل العقاب ، تشوف السامع إلى خبره فأجيب بقوله : { قال } أي لإبليس إنكاراً عليه وتوبيخاً له{[31998]} استخراجاً لكفره الذي كان يخفيه بما يبدي من جوابه ليعلم الخلق سبب طرده { ما منعك } ولما كانت هذه العبارة قد صرحت بعدم سجوده ، فكان المعنى لا يلبس بإدخال " لا " في قوله : { ألا تسجد } أتى بها لتفيد{[31999]} التأكيد بالدلالة على اللوم على الامتناع من الفعل والإقدام على الترك ، فيكون كأنه قيل : ما منعك من السجود وحملك على تركه { إذ } أي حين { أمرتك } أي حين حضر الوقت الذي يكون فيه أداء المأمور به { قال } أي إبليس ناسباً ربه سبحانه إلى الجور أو عدم العلم بالحق { أنا خير منه } أي فلا يليق لي السجود لمن هو دوني ولا أمري بذلك لأنه مناف للحكمة ؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها بسوء فهمه أو بما قاده إليه سوء طبعه بقوله : { خلقتني من نار } أي فهي أغلب أجزائي وهي مشرفة مضيئة عالية غالبة{[32000]} { وخلقته من طين* } أي هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب ، وقد{[32001]} غلط غلطاً فاحشاً فإن الإيجاد خير من الإعدام بلا نزاع ، والنار سبب الإعدام والمحق لما خالطته ، والطين سبب النماء والتربية لما خالطه ، هذا لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر والمبادىء وليس كذلك ، بل هو باعتبار الغايات .


[31997]:- من ظ، وفي الأصل: مخالفا.
[31998]:- في ظ "و".
[31999]:- من ظ، وفي الأصل: ليفيد.
[32000]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32001]:- في ظ: هو.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ} (12)

قوله تعالى : { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ما استفهامية في موضع رفع مبتدأ .

والجملة الفعلية من { منعك } في محل رفع خبر المبتدأ . وألا ، في موضع نصب مفعول منعك . ولا زائدة . والتقدير : ما منعك أن تسجد . وإذ ، ظرف زمان{[1345]} وهذه الآية مما استدل به كثير من الأصوليين على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب على الفور ؛ لأن الله ذم إبليس على ترك المبادرة . ولو لم يكن الأمر للفور لما استحق إبليس الذم على التأخير ، ولكان له أن يقول : إنك لمن تأمرني بمبادرة السجود على الفور . وقد خاطب الله هذا المخلوق الشقي محتقرا إياه ، وتقدير ذلك أنه : أي شيء منعك من السجود لآدم إذ أمرتك بالسجود له ؟ وذلك أن إبليس كائن غريب يختلف اختلافا أساسيا عن سائر الكائنات الأخرى ، فغنه هو وجنوده من شياطين الجن ذوو جبلة مستعصية ، فطرت على الخبث والنزوع للشر والفسق .

ذلك هو إبليس وجنوده من شياطين الجن . إنهم لا أمل ف هدايتهم البتة ؛ لأنهم أولو طبائع خاوية شريرة ، محفلة بالعتو والجحود ، غاية في الالتواء والشذوذ .

وهم إنما يجنحون بطبيعتهم في كل آن للإفساد والتضليل والإغواء .

ومما يدل على هذه الحقيقة الراسخة ، ما أجاب به إبليس اللعين ؛ ربه إذا قال { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ومثل هذا الجواب لا يصدر إلا عن كائن لئيم مقبوح ، جبل على الشر والباطل . ومن يجترئ على مثل هذا الجواب اللئيم المتوقح العاتي لرب العالمين إلا كائن لعين أثيم كإبليس ينطق بهذه المقولة في وقاحة لا تبلغها وقاحة الأشرار والعتاة إلا في مثل إبليس الرجيم .

قوله : { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ذلك اجتراء فاضح من إبليس على ربه ، إذ يقول في اغترار جهول أحمق إنه أفضل من آدم ؛ لأنه مخلوق من نار لكن آدم خلق من طين . والنار أشرف من الطين وهو قياس فاسد وسخيف يتعلل به هذا الكائن الشقي أمام حضرة الإلهية . والله جل وعلا حقيق بامتثال لأمره دون تردد ، وخليق أن تخر له الجباه والنواصي وتخشع لجلاله وجبروته القلوب الأشر{[1346]} من إبليس بتفضيل النار على الطين مع أنهما كليهما مخلوق لله . بل إنهما معا من جملة المخاليق التي تسبح بحمد الله على الدوام فلا تفتر .


[1345]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 355، 356.
[1346]:الأشر: المستكبر، البطر. انظر المعجم الوسيط جـ 1ص 19.