{ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } .
الشفاعة : الشفع ضد الوتر ، لأن الشفيع ينضم إلى الطالب في تحصيل ما يطلب فيصير معه شفعا بعد أن كان وترا .
العدل : الفدية ، أصل العدل( بالفتح ) ما يساوي الشيء قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه ( وبالكسر )المساوي في الجنس والحجم .
لما ذكرهم بنعم الله أولا ، عطف على ذلك التحذير من حلول نقمته بهم يوم القيامة .
في ذلك اليوم لا يغنى أحد عن أحد شيئا ، فالمسؤولية فردية ولكل إنسان جزاء عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
ولا يقبل من إنسان قضاء حق من الحقوق عن إنسان آخر قال تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى . ( فاطر 18 ) . أي تحمل نفس ذنب نفس أخرى .
ولو استأذن الكافر في شفاعة شفيع فإنه لا يجاب إلى رغبته قال تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين . ( المدثر 48 ) وقال سبحانه في وصف يوم القيامة : لا بيع ولا خلة ولا شفاعة ( 129 ) .
ولا يؤخذ منها عدل : أي ولا يؤخذ منها فداء إن هي استطاعت أن تأتي بذلك .
ولا هم ينصرون : أي يمنعون من العذاب .
والخلاصة أن ذلك يوم تنقطع فيه الأسباب وتبطل منفعة الأنساب ، وتتحول فيه سنة الحياة الدنيا من دفع المكروه عن النفس بالفداء أو بشفاعة الشافعين ، عند الأمراء والسلاطين ، أو بأنصار ينصرونها بالحق والباطل على سواها ، وتضمحل فيه جميع الوسائل إلا ما كان من إخلاص في العمل قبل حلول الأجل ، ولا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الله .
( وقد كان اليهود كغيرهم من الأمم الوثنية يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا . فيتوهمون أنه يمكن تخليص المجرمين من العذاب بفداء يدفع ، أو بشفاعة بعض المقربين ، فيغير رأيه وينقض ما عزم عليه .
فجاء الإسلام ومحا هذه العقيدة ليعلم المؤمنون أنه لا ينفع في ذلك اليوم إلا مرضاة الله في العمل الصالح والإيمان الذي يبلغ قرارة النفس ، ويتجلى في أعمال الجوارح ) ( 130 ) .
قال ابن جرير : وتأويل قوله : و لا هم ينصرون يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ، بطلت هنالك المحاباة ، واضمحلت الرشا والشفاعات ، وارتفع من القوم التعاون والتناصر ، وصار الحكم إلى عدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء .
فيجزى بالسيئة مثلها ، وبالحسنة أضعافها ( البقرة 254 ) ، وذلك نظير قوله تعالى : { وقفوهم إنهم مسئولون( 24 ) ما لكم لا تناصرون( 25 ) بل هم اليوم مستسلمون } ( الصافات24-26 ) .
جاءت في القرآن الكريم آيات تثبت الشفاعة ، وآيات تنفيها ( ولا شك أن في القيامة مواطن ويومها معدود بخمسين ألف سنة ، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة ، وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد وردت آيات كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها منها قوله تعالى : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ( المؤمنون 101 ) .
{ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ( الصافات 27 ، والطور25 ) فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلا له ( 131 ) .
قال الإمام محمد عبده في تفسير المنار «فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات فيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم وأنها مزية يختص الله بها من يشاء يوم القيامة عبر عنها بهذه العبارات ( الشفاعة ) ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه الله جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي » .
( وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى ( 132 ) والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا ، ففي رواية الصحيحين وغيرهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوم القيامة ويثنى على الله عز وجل بثناء يلهمه يومئذ فيقال له : «ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع » وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع ، وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه ، وليس فيها إظهار ما يقوى غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين ، بل فيه أن الأمر كله لله ، وأنه لا ينفع أحد في الآخرة إلا طاعته ورضاه ) ( 133 ) ، «فما تنفعهم شفاعة الشافعين ، فما لهم عن التذكرة معرضين ؟ » ( المدثر48-49 ) . ولا يشفعون إلا لمن ارتضى . ( الأنبياء28 ) .
{ واتقوا }{[2279]} . {[2280]}ولما كان المتقى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة حذفه وأقام اليوم مقامه تفخيماً له وتنبيهاً على أن عقابه لا يدفع كما يدفع ما في غيره بأنواع الحيل فقال : { يوماً } هو من العظمة بحيث { لا تجزي } {[2281]}أي {[2282]}تقضي وتغني{[2283]} فيه { نفس } {[2284]}أي نفس كانت{[2285]} { عن نفس } كذلك{[2286]} { شيئاً } من الجزاء .
قال الحرالي : والنفس لكل امرىء لزمته نفاسة على غيره ، فهؤلاء الذين لا يغني بعضهم عن بعض بخلاف{[2287]} من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه ، فإنه يغني عمن دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة ، وفيه إعلام بأن ضعة النفس مبدأ التوفيق ونفاستها مبدأ الخذلان
{ أذلة على المؤمنين{[2288]} }[ المائدة : 54 ] فذل العبد - بالضم - لله ، وذِله - بالكسر - لعباد الله بشرى فوزه ، وإعراضه عن ذكر الله وصعر خده للناس{[2289]} نذارة{[2290]} هلاكه - انتهى .
{[2291]}ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزىء موجوداً وهو بحيث يخشى أن يسعى في الفكاك بنوع حيلة فتحرك القلوب لإجابته وفك أسيره فيحمل ذلك من أسره على إطلاقه ، وقد يحتال بالفعل في التوصل إلى فكه في خفية بسرقته أو فتح سجنه أو نحو ذلك ، وكانت وجوه الإجزاء المشهورة ثلاثة{[2292]} عطفها على الإجزاء الأعم منها فقال : { ولا يقبل منها } {[2293]}أي النفس الأولى أو{[2294]} الثانية{[2295]} { شفاعة } أي لم يؤذن فيها وهي من الشفع وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له فيما رغب فيه ليصير كالإمام له في {[2296]}وجهة حاجته{[2297]} - قاله الحرالي { ولا يؤخذ منها عدل } تبذله غير الأعمال الصالحة ، وهو ما يعدل الشيء ويكون معه كالعدلين المتكافئ القدر على الحمولة ، فكأنّ العدل - بالكسر - في الشيء المحسوس ، والعدل - بالفتح - في الشيء المعقول ، وكذلك عادة العرب تفرق بين ما في الحس وما في المعنى بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة لا في آخرها - قاله الحرالي .
{[2298]}ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عدمها للمفرد بطريق الأولى جمع فقال : { ولا هم ينصرون*{[2299]} } أي يتجدد لهم نصر يوماً ما بمن ينقذهم قهراً{[2300]} كائناً من كان{[2301]} ، والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوى من مقاومة وهما طرفان{[2302]} ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور{[2303]} فيه - قاله الحرالي . فانتفى{[2304]} بذلك جميع وجوه الخلاص التي يطمع فيها الظالم في الدنيا .
قال الحرالي : ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث{[2305]} : إما شفاعة من فوقه{[2306]} في العلم{[2307]} و{[2308]}الفضل ، وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة ، وإما فكاك من يده لنفسه إذ من هو مثله لا يغني وأحرى من هو دونه ، استوفى الخطاب جميع الوجوه الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع الوجوه الثلاثة من الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى .
ولما تقدم أنه فضلهم وعاهدهم و{[2309]}أن وفاءه {[2310]}بعهدهم مشروط بوفائهم بعهده ناسب تقديم الشفاعة{[2311]} ويأتي إن شاء الله تعالى في الآية الثانية ما يتم به البيان ،