عشيرتك : العشيرة : القبيلة ، والجمع : عشيرات و عشائر ، والمراد بها : قريش ، وقيل : عبد مناف .
{ فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين( 213 ) وأنذر عشيرتك الأقربين( 214 ) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين( 215 ) فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون( 216 ) وتوكل على العزيز الرحيم( 217 ) الذي يراك حين تقوم ( 218 ) وتقلبك في الساجدين( 219 ) إنه هو السميع العليم( 220 ) }
213 ، 214 ، 215 ، 216-{ فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين*وأنذر عشيرتك الأقربين*واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين* فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون }
أي : أخلص العبادة لله وحده ، وتوجه إليه بعبادتك وصلاتك ودعائك ؛ فإنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك ، ومن عمل عملا يريد به الناس ، لم يلق عليه الثواب يوم القيامة ، والخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، فهو من باب خطاب الأمة في شخص زعيمها ورئيسها ، أو الخطاب لكل من يتأتى منه الخطاب سواء أكان رسولا أم مرسلا إليه .
أي : إذا كان الرسول الأمين إذا دعا مع الله إلها آخر ؛ عذّب وعوقب ، فمن باب أولى من عداه من الناس ، وليعلم الجميع أن الله سبحانه لا يقبل الشرك من أحد ؛ قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } [ البينة : 5 ]
أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم بشير ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فوظيفته البلاغ وإعلام الناس بالرسالة ، { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته . . } [ المائدة : 67 ] .
وفي هذه الآية يكلفه الله تعالى أن يبلغ أسرته القريبة النسب منه : فهم أولى بأن يخصهم بدعوته ، وأن يدعوهم إلى توحيد الله تعالى ، وأن يرشدهم إلى عدالة السماء : فالخلق كلهم عباد الله ، الله ربهم وهم عباده ، يتفاضلون عنده بالتقوى ويدركون ثوابه بالعمل الصالح ، وقد وردت أحاديث صحيحة متعددة تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عشيرته دعوة للعام والخاص ، وأعلن هذه الدعوة لكل العشيرة ، وخصص أقرب الناس إليه ، حتى لا يتكل أي إنسان على الحسب أو قرابة النسب ، بل عليه أن يقوم بالواجب نحو ربه ودينه ، وذلك بالإخلاص والعمل الصالح .
روى البخاري ، ومسلم وغيرهما ، عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا وعمّ وخص ، فقال : ( يا معشر قريش ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني كعب بن لؤى ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني قصّي ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني عبد مناف ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا معشر بني عبد المطلب ، أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ، يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا ، ألا إن لكم رحما وسأبلها ببلالها ) يريد : أصلكم في الدنيا ، ولا أغني عنكم من الله شيئاxv .
إن هذا هو الإسلام في نصاعته ووضوحه ، ونفي الوساطة بين الله وعباده ، حتى عن رسوله الكريم ، وقريب من ذلك قصة نوح مع ابنه حين غرق مع الكافرين ، وحاول الشفاعة له ، فبين الله أنه لا قرابة ولا نسب بالنسبة للعدالة الإلهية ، التي تكافئ الصالح وتعاقب الطالح .
وقد وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ، وكذلك زوجة نوح وزوجة لوط ، خانتا الأمانة ، فقيل لهما : ادخلا النار مع الداخلين ، وزوجة فرعون آمنت بالله ، وأخلصت له وتبرأت من فرعون وعمله ، فجعلها الله مثلا أعلى للمؤمنين .
وهذه أمثلة توضح عدالة السماء ، التي جعلت الجزاء من جنس العمل .
{ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد } [ فصلت : 46 ] .
{ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين }
ألن جانبك ، وأرفق بأتباعك الذين آمنوا به وصدقوك ، فذلك أطيب لقلوبهم ، وأدعى إلى قبول الدعوة ، واستمرار تأثيرها ، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم ، سهلا مألفا محببا متعه الله بمكارم الأخلاق ، حيث قال له الله تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } [ القلم : 4 ] .
وقال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } [ آل عمران : 159 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن أحبكم إليّ وأقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون )xvi .
وسئلت عائشة رضي الله عنها ، عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآنxvii .
أي : كان تطبيقا عمليا لآداب القرآن الكريم ، وسلوكه وأخلاقه ، فهو صاحب الصفح الجميل والعفو الجميل ، والحلم الجميل صلى الله عليه وسلم .
{ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون }
أي : إن عصاك أحد ممن أنذرتهم من العشيرة فلا ضير عليك ، وقد أديت ما أمرت به ، وما عليك إثم مما يعملون ، وقل لهم : إني بريء منكم ، ومن عبادتكم الأصنام والأوثان ، وإنكم ستجزون بجرمكم يوم الجزاء .
{ يوم لا ينفع مال ولا بنون*إلا من أتى الله بقلب سليم } [ الشعراء : 88 ، 89 ] .
قوله : { وأنذر } أي بهذا القرآن { عشيرتك } أي قبيلتك { الأقربين* } أي الأدنين في النسب ، ولا تحاب أحداً ، فإن المقصود الأعظم به النذارة لكف الخلائق عما يثمر الهلاك من اتباع الشياطين الذين اجتالوهم عن دينهم بعد أن كانوا حنفاء كلهم ، وإنذار الأقربين يفهم الإنذار لغيرهم من باب الأولى ، ويكسر من أنفة الأبعد للمواجهة بما يكره ، لأنه سلك به مسلك الأقرب ، ولقد قام صلى الله عليه وسلم بهذه الآية حق القيام ؛ روى البخاري " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي : يا بني فهر يا بني عدي لبطون - قريش حتى اجتمعوا ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش ، فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيََّ ؟ قالوا : نعم ! ما جربنا عليك إلا صدقاً ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت { تبت يدا أبي لهب وتب } " وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال : " يا معشر قريش ! اشتروا أنفسكم ، لا أغني عنكم من الله شيئاً ، يابني عبد مناف ! لا أغني عنكم من الله شيئاً ! يا عباس بن عبد المطلب ! لا أغني عنك من الله شيئاً ، ويا صفية عمة رسول الله ! لا أغني عنك من الله شيئاً ، ويا فاطمة بنت محمد ! سليني ما شئت من مالي ، لا أغني عنك من الله شيئاً " وروى القصة أبو يعلى عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن قريشاً جاءته فحذرهم وأنذرهم ، فسألوه آيات سليمان في الريح وداود في الجبال وموسى في البحر وعيسى في إحياء الموت ، وأن يسير الجبال ، ويفجر الأنهار ، ويجعل الصخر ذهباً ، فأوحى الله إليه وهم عنده ، فلما سُرِّيَ عنه أخبرهم أنه أعطي ما سألوه ، ولكنه إن أراهم فكفروا عجلوا . فاختار صلى الله عليه وسلم الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.