بورك من في النار : جعلت البركة لمن في البقعة التي فيها النار .
ومن حولها : ولمن في الأماكن التي حولها .
8-{ فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين }
تقدم موسى إلى النار فرأى عجبا ، شجرة خضراء تتوقد منها النار ، لا تزداد الشجرة إلا اخضرارا ، ولا تزداد النار إلا نورانية وارتفاعا إلى السماء ، وتعجب موسى مما رأى ، وسمع نداء الحق سبحانه وتعالى : { أن بورك من في النار ومن حولها . . }
ومن في النار : الملائكة مستجيبة لأمر الله تعالى بإيقاد النار .
ومن حولها : كل من حولها من الأرض والناس ، ومنهم موسى عليه السلام .
والآية تسجل بركات الله وعنايته ورحمته وهدايته ، ينزلها على ملائكته ورسوله ، موسى عليه السلام ، والله منزه عن الكم والكيف ، والطول والعرض ، لا يحده مكان ولا يحويه زمان ، فهو سبحانه خالق الكون ، وخالق الزمان والمكان .
تنزه الله الذي يفعل ما يشاء ، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته ، وهو العلي العظيم ، الواحد الأحد الفرد الصمد ، المنزه عن مماثلة المحدثات .
أخرج الإمام مسلم في صحيحه ، وابن ماجه في سننه ، والبيهقي ، عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات [ أنوار ] وجهه كل شيء أدركه بصره )2 . ثم قرأ أبو عبيدة : { أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين } .
وآذن بقرب وصوله فقال : { فلما جاءها } أي تلك التي ظنها ناراً .
ولما كان البيان بعد الإبهام أعظم ، لما فيه من التشويق والتهيئة للفهم ، بني للمفعول قوله : { نودي } أي من قبل الله تعالى .
ولما أبهم المنادى فتشوقت النفوس إلى بيانه ، وكان البيان بالإشارة أعظم . لما فيه من توجه النفس إلى الاستدلال ، نبه سبحانه عليه بجعل الكلام على طريقة كلام القادرين ، إعلاماً بأنه الملك الأعلى فقال بانياً للمفعول ، آتياً بأداة التفسير ، لأن النداء بمعنى القول : { أن بورك } أي ثبت تثبيتاً يحصل منه من النماء والطهارة وجميع الخيرات ما لا يوصف { من في النار } أي بقعتها ، أو طلبها وهو طلب بمعنى الدعاء ، والعبارة تدل على أن الشجرة كانت كبيرة وأنها لما دنا منها بعدت منه النار إلى بعض جوانبها فتبعها ، فلما توسط الردحة أحاط به النور ، وسمي النور ناراً على ما كان في ظن موسى عليه الصلاة والسلام ، وقال سعيد بن جبير : بل كانت ناراً كما رأى موسى عليه السلام ، والنار من حجب الله كما في الحديث :
" حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " { ومن حولها } من جميع الملائكة عليهم السلام وتلك الأراضي المقدسة على ما أراد الله في ذلك الوقت وفي غيره وحق لتلك الأراضي أن تكون كذلك لأنها مبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومهبط الوحي عليهم وكفاتهم أحياء وأمواتاً .
ولما أتاه النداء - كما ورد - من جميع الجهات ، فسمعه بجميع الحواس ، أمر بالتنزيه ، تحقيقاً لأمر من أمره سبحانه ، وتثبيتاً له ، فقال عاطفاً على ما أرشد السياق إلى تقديره من مثل : فأبشر بهذه البشرى العظيمة : { وسبحان الله } أي ونزه الملك الذي له الكمال المطلق تنزيهاً يليق بجلاله ، ويجوز أن يكون خبراً معطوفاً على { بورك } أي وتنزه الله سبحانه تنزهاً يليق بجلاله عن أن يكون في موضع النداء أو غيره من الأماكن .
ولما كان تعليق ذلك بالاسم العلم دالاً على أنه يستحق ذلك لمجرد ذاته المستجمع لجميع صفات الكمال ، من الجلال والجمال ، وصفه بما يعرف أنه يستحقه أيضاً لأفعاله بكل مخلوق التي منها ما يريد أن يربي به موسى عليه الصلاة والسلام كبيراً بعد ما رباه به صغيراً ، فقال : { رب العالمين* } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.