تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

{ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ، وإذا أخذ الله ميثاق الذين أتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون }

المفردات :

لتبلون في أموالكم وأنفسكم : لتختبرن فيها ببعض الإصابة ببعض البلايا .

من عزم الأمور : من الجد في الأمور ، مأخوذ من عزم الأمر ، أي جد فيه .

التفسير :

186- { لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتستمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } .

أي والله لتختبرن وتمتحنن في أموالكم بالفقر والمصائب وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض والجراح والآلام ولتسمعن من اليهود والنصارى وكفار العرب والمشركين أعدائكم الأذى الكثير كالطعن في دينكم والاستهزاء بعقيدتكم والتفنن فيما يضركم .

وإن تصبروا على تلك الشدائد ، وتقابلها بضبط النفس وقوة الاحتمال : وتتقوا الله في الأقوال والأعمال ، فإن الصبر والتقوى منكم من عزم الأمور والجد فيها ، وهو فضيلة يتنافس فيها المتنافسون ، وأنتم بها أحق وأولى .

وقد ورد في القرآن والسنة ما يوضح حقيقة الحياة ويبين أن الله يمتحن المؤمن بالبلاء والاختبار رفعا لدرجته وتكفيرا لسيئاته وتمييزا للمؤمن من المنافق قال تعالى : { ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } . ( البقرة 155-157 ) .

وقال سبحانه : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } ( محمد 61 ) .

وروى الترمذي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : ( قلت : يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، فيبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه ، فما يبرح البلاء حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) 147 .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ، ويصبرون على الأذى ، فهي سنة الدعوات تحتاج إلى بلاء وصبر ومقامة وصمود ، قال تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير } ( البقرة 109 ) .

وفي تفسير ابن كثير حديث طويل رواه البخاري عن عروة بن الزبير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يعود سعد بن عبادة ببني الخزرج قبل وقعة بدر ، فمر على مجلس فيه ( عبد الله بن أبي ابن سلول ) فدعاهم إلى الله عز وجل وقرأ عليهم القرآن . فقال عبد الله بن أبي : أيها المرء ، إنه لا أحسن مما تقول ، إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه .

فقال عبد الله بن رواحة : بل ى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا ، فإنا نحب ذلك ، فاستب المسلمون والمشركون واليهود ، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم بخفضهم حتى سكتوا ، ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل سعد بن عبادة فأخبره بما فعل عبد الله بن أبي ابن سلول ، فقال سعد : يا رسول الله اعف عنه واصفح ، فوالذي انزل عليك الكتاب ، لقد جاءك الله بالحق الذي نزل عليك ، ولقد اصطلح أهل المدينة على أن يتوجوه ملكا ، فلما ظهر الإسلام غض به ، فذلك الذي فعل به ما رأيت ، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم 148 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} (186)

ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم له بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه ، فيفوز من كان من أهل حزبه ، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه ؛ أعاد التسلية على وجه يشمل المؤمنين ، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر{[20076]} الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكداً لأن الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء ، هذا طبع البشر وإن تطبّع{[20077]} بخلافه ، وأفاد ذكره{[20078]} قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه{[20079]} ، وأفاد بناؤه للمفعول أن المنكى البلاء ، لا كونه من جهة معينة - : { لتبلون } أي تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق { في أموالكم } {[20080]}أي بأنواع الإنفاق { وأنفسكم } أي بالإصابة في الجهاد وغيره ، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي ، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل الفوز مناسباً من حيث الترغيب في كل ما يكون سبباً لذلك من الصبر على ما يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر به من التكاليف ، أو يأذن فيه من المصائب ، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح ، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر{[20081]} عنه يده بفقده من أفعال المكارم ، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال ، وكان ذكرها{[20082]} تعليلاً لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار .

ولما كان يومها{[20083]} يوم بلاء وتمحيص ، وكان ربما أطمع في العافية بعده ، فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله{[20084]} ، وليس ذلك من أخلاق المشمرين{[20085]} أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت {[20086]}عليه الدار{[20087]} من الأثقال والآصار{[20088]} ، فأخبر أن البلاء لم ينقص به ، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار ، ورغب{[20089]} في شعار{[20090]} المتقين : الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد ، وبناها عليه معلماً أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال : { ولتسمعن } أي بعد هذا اليوم { من الذين } ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه{[20091]} المعلم عن الذكر فبنى للمفعول قوله : { أوتوا الكتاب } ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال : { من قبلكم } أي من اليهود والنصارى { ومن الذين أشركوا } أي من الأميين { أذى كثيراً } أي{[20092]} من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو{[20093]} غيرها { وإن تصبروا } أي تتخلقوا{[20094]} بالصبر على ذلك وغيره { وتتقوا } أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتماداً على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف { فإن ذلك } أي الأمر{[20095]} العالي الرتبة { من عزم الأمور * } أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها ، ولا يتردد فيه ، ولا يعوق عنه عائق ، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلاً عليه من قوله :قد بدت البغضاء من أفواههم }[ آل عمران : 118 ] إلى أن ختم بقوله :{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً }[ آل عمران : 120 ] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور .


[20076]:من ظ ومد، وفي الأصل: شعار.
[20077]:في ظ: يطمع ـ كذا.
[20078]:سقط من ظ.
[20079]:زيد بعده في الأصل: إد ـ كذا، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20080]:زيد من ظ: وأنفسكم.
[20081]:في ظ: يقصر.
[20082]:في ظ: ذكر، وزيد بعده فيه: هذه الآية.
[20083]:في ظ: يومنا.
[20084]:في ظ: أمثالها.
[20085]:في ظ: الشمون.
[20086]:من ظ ومد، وفي الأصل: الدارين.
[20087]:من ظ ومد، وفي الأصل: الدارين.
[20088]:في ظ: الأخبار.
[20089]:من ظ ومد، وفي الأصل: رهب.
[20090]:في ظ ومد: شعائر.
[20091]:في مد: نر ـ كذا.
[20092]:سقط من ظ.
[20093]:من مد، وفي الأصل وظ "و".
[20094]:من ظ ومد، وفي الأصل: يتخلقوا.
[20095]:سقط من ظ.