يتامى النساء : اللائي لا حول لهن .
وترغبون أن تنكحوهن : تطمعون في مالهن من الميراث والصداق ، فتتزوجونهن لذلك ، أو تمنعونهن من الزواج ، وتعضلونهن لذلك .
والمستضعفين من الوالدان : الأطفال اليتامى .
127- وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء . . . الآية .
الربط : في هذه الآية- وما تلاها- رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء واليتامى . وكان المسلمون قد بقيت لهم أحكام ، سبق لهم السؤال عنها ، فلم يجبهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- انتظارا للوحي .
روى أشهب عن مالك رضي الله عنهما ، قال : كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يسأل فلا يجيب ، حتى ينزل عليه الوحي ، وذلك في كتاب الله : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ، ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير . ( البقرة : 220 ) ويسألونك عن الخمر والميسر . ( البقرة119 ) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ . ( طه : 105 ) .
أخرج ابن جرير ، وابن منذر ، عن ابن جبير ، قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئا ، فلما نزلت المواريث في سورة النساء ؛ شق ذلك على الناس ، وقالوا : أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال ، والمرأة التي هي كذلك ، فيرثان كما يرث الرجل ؟ ! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء . فانتظروا ، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا : لئن ثم هذا ، إنه لواجب ما عنه بد ثم قالوا : سلوا . . . فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وروى غير ذلك في سبب النزول ورجح هذا شيخ الإسلام : أبو السعود ، كما قاله الألوسي .
ونحن نقول : إن شبب النزول لا يقتضي أنهم لم يسألوا إلا عما جاء فيه ، بل سألوا عن غيره أيضا ، ولهذا تضمنت الفتوى جواب سؤالهم الوارد في سبب النزول ، كما تضمنت عدة أحكام ، ستأتي في الآيات التالية ، تتعلق بأمر النساء .
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء .
المعنى : ويستفتيك المسلمون- يا محمد- في أحكام الإناث ، فيطلبون منك بيان ما يشكل عليهم من أحكامهن ، مما يجب لهن أو عليهن .
قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ .
المعنى : قل الله يفتيكم في حكمهن ويبينه لكم . وكذا ما يتلى في أمرهن ، مما سبق نزوله قبل هذه الآية ، فهو أيضا يفتيكم . و يبين لكم الحكم الشرعي الذي تسألون عنه .
والمقصود من الآية الكريمة : أن الله سيفتيكم- مستقبلا- فيما لم ينزل حكمه من شأن النساء ، وأن ما سبق نزوله فيهن ويتلى عليكم . تظل الفتيا أيضا في أمرهن ، فيكتمل بالفتاوى- السابقة واللاحقة المشروعة .
وقد أشار المولى سبحانه بقوله :
وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء . . . الآية . إلى ما سبق في صدر هذه السورة عنهن وعن المستضعفين من الوالدان ابتداء من قوله : وءاتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب . . . إلى آخر آيتي المواريث .
فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنّ . . . أي : ويفتيكم أيضا فيما يتلى عليكم في شأن يتامى الإناث اللاتي لا تؤتونهن- أيها الأولياء- ما كتب لهن من الميراث والصداق ، وقد رغبتم في الزواج بهن ؛ طمعا في الميراث والصداق فقد اوجب عليكم فيما نزل بشأنهن أول السورة- أن تسقطوا في شأنهن ، بألا تطمعوا في أموالهن الموروثة ، وأن تعطوهن من الصداق أعلى سنتهن ، وتعدلوا بينهن وبين ضراتهن : في القسم والنفقة وحسن العشرة . .
أو يكون المعنى : وإن أنتم رغبتم عن الزواج بهن ، فلا تعضلونهن عن الزواج بغيركم ؛ طمعا في أموالهن .
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ . أي : ويفتكم فيما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد والصغار اليتامى : ذكورا وإناثا . فقد أوجب عليكم- فيما سبق- أن تحافظوا على أموالهم ، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ، وأفهمكم أن أكل أموالهم ذنب كبير ، وأوجب عليكم أن تؤدوا أموالهم إليهم عند بلوغهم رشدهم دون مماطلة .
وبالجملة : فقد أوجب عليكم- هنا وفيما مر في صدر هذه السورة- أن تقوموا لليتامى بالقسط والعدل ، في أمرهم كله . فلا تحاولوا أن تعودوا لما كنتم عليه في الجاهلية ، من توريث الرجال الذين يدافعون عن القبيلة وحرمان الصغار والنساء ، فذلك جور لا يوافق عليه الإسلام ولا يقره .
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيما . . . أي : وما تفعلوا- أيها الأولياء- من خير في حقوق من تقدم ذكرهم ، فإن الله كان به عليما قبل أن يخلقكم ، كما هو عليم به عند فعلكم له فيجزيكم عليه خير الجزاء .
وإنما اقتصرت الآية على ما يفعلونه من الخير ، مع انه يعلم ما يفعلونه من شر أيضا ، ويجازي عليه بمثله ؛ للإيذان بأن الشر لا ينبغي أن يقع منهم وتحريضا على فعل الخير والاستدامة عليه .
وتكرار هذه الوصية باليتامى والنساء الضعاف- مع ما سبق في أول السورة- لا جتثاث ما عسى أن يكون عالقا بالرجال من أطماع في أموال الضعاف من اليتامى النساء والوالدان .
ولما كان سبحانه وتعالى قد رتب هذا الكتاب على أنه يذكر أحكاماً من الأصول والفروع ، ثم يفصلها بوعد ووعيد وترغيب وترهيب ، وينظمها{[22835]} بدلائل كبريائه وجلاله وعظيم بره وكماله ، ثم يعود إلى بيان الأحكام على أبدع نظام{[22836]} لأن إلقاء المراد في ذلك القالب أقرب إلى القبول ، والنظم كذلك أجدر{[22837]} بالتأثير{[22838]} في القلوب ، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا تنقاد له النفوس إلا إذا كان مقروناً ببشارة ونذارة ، وذلك لا يؤثر إلا عند القطع بغاية الكمال لمن صدر عنه ذلك المقال ، ولا ينتقل مع ذلك من أسلوب إلى آخر إلا على غاية ما يكون من المناسبة بين آخر كل نوع وأول ما بعده بكمال التعلق لفظاً ومعنى ، وفعل سبحانه وتعالى في هذه السورة في أحكام العدل الذي بدأ السورة به في المواصلة التي مبناها النكاح والإرث وغير ذلك مما اتصل به - كما بين - إلى أن ختم هنا بالإسلام المثمر لقبول ذلك كله وعظمة الملك الموجبة لتمام الإسلام ، وقامت {[22839]}البراهين وسطعت الحجج ، وكان من أعظم مقاصد السورة العدل في الضعفاء من الأيتام وغيرهم في{[22840]} الميراث {[22841]}وغيره{[22842]} ، وكان توريث النساء والأطفال - ذكوراً كانوا أو إناثاً - مما أبته نفوسهم ، وأشربت بغضه قلوبهم ، وكان التفريق في إثبات ما هذا سبيله أنجع ، وإلقاؤه شيئاً فشيئاً في قوالب البلاغة أنفع ؛ وصل بذلك قوله تعالى : { ويستفتونك } في {[22843]}جملة حالية{[22844]} من اسم الجلالة{[22845]} التي قبلها ، أي له ما ذكر فلا مساغ{[22846]} للاعتراض عليه والحال أنهم يسألونك طلباً لأن تتفتى عليهم بالجواب في بعض ما أعطى من ملكه لبعض{[22847]} مخلوقاته { في النساء } طمعاً في الاستئثار{[22848]} عليهم بالمال وغيره محتجين بأنه لا ينبغي أن يكون المال إلا لمن يحمي الذمار والحال أنهم قد عبدوا من دونه إناثاً ، وجعلوا لهم مما خولهم فيه من الرزق الذي ملكهم له بضعف{[22849]} من الحرث والأنعام نصيباً ، فلا تعجب من حال من كرر الاستفتاء - الذي لا يكون في العرف غالباً إلا فيما فيه اعتراض - في إناث أحياء وأطفال ذكور وأعطاهم المِلك التام المُلك العظيم المِلك بعض{[22850]} ما يريد ، ولم يعترض على نفسه حيث أعطى إناثاً{[22851]} لا حياة لها ولا منفعة مما في يده ، وملكه في الحقيقة لغيره ، ولم يأذن فيه المالك ما لا ينتفع به المعطي .
ولما كان المقام بكثرة الاستفتاء محتاجاً إلى زيادة الاعتناء قال : { قل الله } آمراً معبراً بالاسم الأعظم منبهاً على استحضار ما ذكر أول السورة { يفتيكم } أي يبين لكم حكمه { فيهن } أي الآن لأن تقوموا لهن{[22852]} بالقسط { وما } أي مع ما { يتلى عليكم } أي تجدد فيكم تلاوته{[22853]} إلى آخر الدهر سيفاً قاطعاً وحكماً ماضياً جامعاً { في الكتاب } أي فيما سبق أول السورة في قوله : { وإن خفتم ألا تقسطوا في{[22854]} اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ، وغير ذلك{[22855]} { في يتامى النساء } أي في شأن التيامى من هذا الصنف { اللاّتي لا تؤتونهن } أي بسبب التوقف في ذلك و{[22856]}تكرير الاستفتاء{[22857]} عنه { ما كتب لهن } أي ما فرض من الميراث وسائر الحقوق فرضاً وهو في غاية اللزوم { وترغبون أن } أي في أن أو عن أن { تنكحوهن } لجمالهن أو لدمامتهن{[22858]} { و } يفتيكم في{[22859]} { المستضعفين } أي الموجود ضعفهم والمطلوب إضعافهم ، يمنعهم حقوقهم { من الولدان } .
ولما كان التقدير ؛ في أن تقوموا لهم بالقسط ، {[22860]}أي في{[22861]} ميراثهم وسائر حقوقهم ولا تحقروهم لصغرهم{[22862]} ؛ عطف عليه قوله : { وأن تقوموا } أي تفعلوا فيه من القوة والمبادرة فعل القائم المنشط { لليتامى } من الذكور والإناث { بالقسط } أي{[22863]} بالعدل من الميراث وغيره .
ولما كان التقدير : فما تفعلوا في ذلك من شر فإن الله كان به عليماً وعليكم قديراً ؛ عطف عليه قوله ترغيباً : { وما تفعلوا من خير } أي في ذلك أو{[22864]} في غيره { فإن الله } أي الذي له الكمال كله { كان به عليماً * } أي فهو جدير - وهو أكرم الأكرمين وأحكم الحاكمين - بأن يعطي فاعله على حسب كرمه وعلو قدره ، فطيبوا نفساً وتقروا عيناً ؛ روى البخاري في الشركة والنكاح ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود والنسائي في النكاح " عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن قول الله عز وجل : { فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } إلى { رباع } قالت : يا ابن أختي{[22865]} ! هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه{[22866]} في ماله ، فيعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط{[22867]} في{[22868]} صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن{[22869]} إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا{[22870]} بهن أعلى سنتهن{[22871]} من الصداق وأمروا{[22872]} أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ؛ قال عروة{[22873]} : قالت عائشة رضي الله عنها : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن{[22874]} فأنزل الله عز وجل{[22875]} ( {[22876]}ويستفتونك - إلى - وترغبون أن تنكحوهن ) "
والذي ذكر الله{[22877]} أنه يتلى {[22878]}عليكم في الكتاب{[22879]} : الآية الأولى{[22880]} التي قال{[22881]} فيها : { {[22882]}وإن{[22883]} خفتم ألا تقسطوا في اليتامى {[22884]}فانكحوا ما طاب لكم من النساء{[22885]} } قالت عائشة رضي الله عنها : وقول الله تعالى في الآية الأخرى : { وترغبون أن تنكحوهن } هي{[22886]} رغبة أحدكم{[22887]} يتيمته - وقال مسلم{[22888]} : عن يتيمته - التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن ، زاد مسلم : إذا كن قليلات المال والجمال ، وقال البخاري في النكاح : فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها{[22889]} حقها الأوفى في الصداق ؛ وفي البخاري ومسلم في التفسير عن عروة أيضاً { يستفتونك في النساء } الآية قالت{[22890]} : " هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته - وقال مسلم : لعلها أن تكون قد شركته ، في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها{[22891]} فنزلت هذه الآية ؛ وفي رواية مسلم{[22892]} : نزلت{[22893]} في الرجل تكون{[22894]} له اليتيمة و{[22895]}هو وليها ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينكحها{[22896]} لمالها فيضر بها ويسيء صحبتها فقال : { و{[22897]}إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء{[22898]} } يقول : ما حللت{[22899]} لكم ، ودع هذه التي تضر{[22900]} بها " وفي رواية له وللبخاري في النكاح " فيرغب عنها أن يتزوجها{[22901]} ويكره أن يزوجها{[22902]} غيره فيشركه في ماله - وقال البخاري : فيدخل عليه في ماله - فيعضلها ولا يتزوجها ولا يزوجها{[22903]} ، زاد البخاري : فنهاهم الله سبحانه وتعالى " عن ذلك ، وحاصل ذلك ما{[22904]} نقلها الأصبهاني أنه كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه ، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد{[22905]} أن يتزوجها أبداً ، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها{[22906]} وأكل مالها ، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت ، فإذا ماتت ورثها .
وما أنسب ذكر هذا الحكم الذي كثرت فيه المراجع على وجه يؤذن بعدم إذعان بعض النفوس له عقب آية الإسلام الذي معناه الانقياد والخضوع والإحسان الذي صار في العرف أكثر استعماله للاعطاء والتألف{[22907]} والعطف{[22908]} لا سيما للضعيف{[22909]} ، وذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أنه أتم ما ابتلاه الله تعالى به من الكلمات ووفي بها من غير مراجعة ولا تلعثم ، وأنه كان حنيفاً ميالاً مع الدليل ، تعنيفاً لمن قام عليه دليل العقل وأتاه{[22910]} صريح النقل وهو يراجع ! وإذا تأملت قوله تعالى :{ من يعمل سوءاً يجز به }[ النساء : 123 ] مع قوله فيما قبل{ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم }[ النساء : 9 ] لاحت{[22911]} لك أيضاً مناسبة بديعة .