نجواهم : النجوى : المسارة بالحديث بين اثنين فأكثر قاله الزجاج . وعرفها بعضهم : بالحديث الذي ينفرد به اثنان فأكثر ، سرا أو جهرا . وعلى كل فضمير نجواهم للناس عامة ؛ لأن الحكم عام .
أو معروف : هو ما عرف حسنه شرعا أو عرفا . فينتظم أصناف البر والخير .
ابتغاء مرضاة الله : طلبا لرضاه .
114- لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ . . . الآية
لما بين الله تعالى- قبل هذه الآية- أنه أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ، الكتاب والحكمة ، وعلمه ما لم يكن يعلم : أتبعه ذكر بعض ما أنزله عليه من الكتاب والحكمة مما يدعم أواصر المحبة بين الناس ، ويقضي على أسباب النزاع بينهم . كما أن فيه ردا على من كان يحرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أن يقضي لصالح من سرق الدرع وخبأها عند اليهودي ، فيبرئه ويقضي على اليهودي ! !
والمعنى : لا خير في أحاديث الناس فيما بينهم ، إلا في حديث من أمر بصدقه- واجبة كانت أومتطوعا بها ، أو أمر بما عرف حسنه شرعا أو عرفا ، ولم يعارض قاعدة شرعية ، تقبله العقول الخالصة من الهوى بالرضاء ، أو أمر بالإصلاح بين الناس ؛ حتى يحل الوئام محل الخصام .
فهذه الجهات الثلاث ، هي التي تكون النجوى- أي : الحديث الجانبي فيها- خيرا مشروعا مثابا عليه .
أما الأحاديث الجانبية التي يتآمر فيها المتآمرون على الإضرار بعباد الله ، أو يتناجى فيها المتناجون بالمعاصي والهذيان ؛ فلا خير فيها ولا ثواب عليها ، بل يعاقب عليها ؛ لأنها كانت في معصية الله تعالى .
فإنما يثاب الإنسان على المعروف ، إذا ترك الامتنان والإعجاب به ، ولا يتم المعروف- كما قال ابن عباس- رضي الله عنهما- " إلا بثلاث : تعجيله ، وتصغيره ، وستره . فإذا عجلته هنأته {[93]} وإذا صغرته عظمته ، وإذا سترته أتممته'' .
وقد دعت الآية الكريمة إلى فضيلة الإصلاح بين الناس ، وجعلتها خيرا مثابا عليه ؛ لما لها من الأثر العظيم فيهم ، حيث تحل الوئام محا الخصام ، والراحة النفسية محل القلق ، والتفكير في الخير مكان التفكير في الشر ؛ فيسود الأمن والسلام .
وقد أباح الإسلام الكذب الأبيض في سبيل الإصلاح ، مع أن الكذب_ بصفة عامة- حرام ؛ لأن هذا غير ضار بأحد . وهو مؤد إلى مصلحة مؤكدة ، كأن تقول لكلا الخصمين عن صاحبه : سمعته يثني عليك ويصفك بطيب النية ، وحسن الطوية والمروءة ، ونحو ذلك مما يلين قلب الخصم نحو أخيه في حين أنك لم تسمع ذلك منه .
وذلك يروي حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه- أم كلثوم بنت عقبة- أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ''ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، فينمي خيرا أو يقول خيرا'' وقالت : لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس ، إلا في ثلاث : في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها {[94]} .
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا . أي : ومن يتناج ويتحدث مع غيره- في خلوة- بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس ، ويرشده إليها وينصحه بها ؛ فسوف يعطيه الله على ذلك ثوابا جزيلا : يناسب عظمة المنعم .
وإذا كان ثواب التناجي بها ، والإرشاد إليها ، فثواب فعلها أعظم .
أما أن يأمر بها الإنسان ولا يفعلها ، فذلك جرمه عظيم ، ووعيده شديد ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ . ( الصف : 2-3 )
ولما كان قوم طعمة قد ناجوا النبي صلى الله عليه وسلم في الدفع عنه{[22716]} ، نبههم سبحانه وغيرهم على ما ينبغي{[22717]} أن يقع به التناجي ، ويحسن فيه التفاؤل والتجاذب على وجه ناه عن غيره أشد نهي بقوله سبحانه وتعالى : { لا خير في كثير من نجواهم } أي نجوى جميع المناجين { إلا من{[22718]} } أي نحوى من{[22719]} { أمر بصدقة } ولما خص الصدقة لعزة المال في ذلك الحال ، عمم{[22720]} بقوله : { أو معروف } أيّ معروف كان مما يبيحه الشرع من صدقة وغيرها .
ولما كان إصلاح ذات البين أمراً جليلاً ، نبه على عظمه بتخصيصه{[22721]} بقوله : { أو إصلاح بين الناس } أي عامة ، فقد بين سحانه وتعالى أن غير المستثنى من التناجي لا خير فيه ، وكل ما انتقى عنه الخير كان مجتنباً - كما روى أحمد والطبراني في الكبير بسند لا بأس به وهذا لفظه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال : إنما الأمور ثلاثة : أمر تبين لك رشده فاتبعه ، وأمر تبين لك غيّه فاجتنبه ، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه " .
ولما كان التقدير : فمن أمر بشي من ذلك فنجواه خير ، وله عليها أجر ؛ عطف عليه قوله : { من يفعل ذلك } أي الأمر العظيم الذي أمر به من هذه الأشياء { ابتغاء مرضاة الله } الذي له صفات الكمال ، لأن العمل لا يكون له روح إلا بالنية { فسوف نؤتيه } أي في الآخرة بوعد لا خلف فيه { أجراًَ عظيماً * } وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية ، وتصفية الداعية عن {[22722]}الالتفات إلى{[22723]} غرض دنيوي ، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.