تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} (128)

المفردات :

خافت : علمت أو توقعت .

بعلها : زوجها .

نشوزا : أي ترفعا {[119]}

أو إعراضا : أي : ميلا وعدم اهتمام .

فلا جناح : فلا حرج ولا إثم .

وأحضرت الأنفس الشح : أي : جعل الشح حاضرا في الأنفس ملازما لها ، والشح : البخل الشديد .

التفسير :

128- وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا . . . الآية .

رسم القرآن الكريم سبيل الحياة الزوجية ، وآداب العشرة بين الزوجين في الخلاف والوفاق .

وقد رعى القرآن فطرة الإنسان فالله خالق الإنسان وهو أعلم به ، وقد تكبر الزوجة ، أو يزهد الرجل فيها ، أو يعزم على طلاقها ، وترى الزوجة أنها في حاجة إلى بقائها في عصمة الزوج وجواره ؛ فتتنازل له عن شيء من مهرها أو عن بعض حقوقها في المبيت ، فإذا فعلت ذلك جاز للزوج أن يقبل ذلك . ويجب ألا يتمادى في الظلم بل يكون عادلا مع تنازل الزوج .

وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : قالت : لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة {[120]} .

وفي صحيح البخاري : عن هشام عن أبيه عروة قال : " لما أنزل الله في سودة وأشباهها : وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا . وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت ففرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وضنت بمكانها منه ، وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة و منزلتها منه ؛ فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم {[121]} وكذلك رواه داود ، والحاكم في مستدركه .

وقال البخاري : حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة :

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا . . . قالت : الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول : أجعلك من شأني في حل فنزلت هذه الآية .

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا {[122]}

معنى الآية : إذا رأت الزوجة من زوجها تغييرا في معاملته أو انصرافا عنها و إعراضا .

وأمارات النشوز : الغلظة والجفاء .

و أمارات الاعراض : أن يقلل من محادثتها و مؤانستها ، وأن يتساهل في تحقيق رغباتها ؛ إما لدمامتها ، أو لكبر سنها ، أو لغير ذلك .

فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا . . . أي : فلا إثم على الزوجة فيما تفعله ؛ لإصلاح ما بينها وبين زوجها ، من إعفائه من صداقها أو نفقتها أو بعضهما ، أو من مسكن أو كسوة ، أو فيما تعطيه من مالها ، أو فيما تنزل له عنه من نصيبها في القسم ، تستعطفه بذلك ، وتستديم المقام في عصمته والتمسك بالعقد الذي بينه وبينها من النكاح ، ولا إثم على الزوج في قبول ذلك منها ، فإن ذلك لا يعتبر رشوة حتى يتحرجا منها ، بل يعتبر سبيلا إلى عودة المودة واستمرار الزوجية بينهما ، وذلك أسمى في نظر الدين من تلك الماديات اليسيرة التي تعينت لعودة المودة بينهما .

روى أبو داود والطيالسى عن ابن عباس :

" فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز " .

وَالصُّلْحُ خَيْر . . .

قال الطبري : يعني : والصلح يترك بعض الحق استدامة للحرمة وتمسكا بعقد النكاح ، خير من طلب الفرقة والطلاق {[123]} .

وروى أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " {[124]}

سأل رجل الإمام عليا عن قول الله عز وجل .

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا . . . فقال : يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها . من دمامتها ، أو كبرها ، أو سوء خلقها ، أو قذرها ، فتكره فراقه ، فإن وضعت له شيئا من مهرها حل له وإن جعلت له من أيامها فلا حرج {[125]} .

وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّح . . .

قال الطبري : أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من من أزواجهن في الأيام والنفقة ، فتاويل الكلام : وأحضرت أنفس النساء أهواءهن ؛ من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن والشح بذلك على ضرائرهن .

من المفسرين من قال : عني بذلك .

" وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشح " .

المعنى :

وجعل البخل والحرص على النفع الذاتي ، حاضرا في الأنفس ملازما لها ، لا يغيب عنها ؛ لأنه من طبعها ، فلذا لا تكاد الزوجة تفرط في حقوقها عند الزوج ، ولا يكاد الزوج يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة لمن لا يريدها .

وإذا كان ذلك هو ما فطرت عليه النفوس ، فينبغي- لكل من الزوجين- أن يقدر حرص الآخر على مصلحته ، فلا يهدرها تماما ، فترضى الزوجة حرص الزوج بالبذل والتضحية ، ويرضى الزوج حرص الزوجة فلا يقسو عليها في مطالبه {[126]} .

وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا . . . وإن تحسنوا- أيها الرجال- في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهن دمامة أو خلقا ، أو بعض ما تكرهون منهن بالصبر عليهن ، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف {[127]} .

وتتقوا . الله فيهن بترك الجور منكم عليهن وعدم إكراههن على ترك شيء من حقوقهن .

قال ابن كثير : وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن ، وتقسموا لهن أسوة بأمثالهن فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء .


[119]:وفعله: نشز ينشز: بوزن: يمكر، ويعرف.
[120]:لما كبرت سودة: رواه البخاري في الهبة (2594) وفي الشهادات (2688) وفي النكاح (5212) وأبو داود في النكاح (2138) وابن ماجه في النكاح (2138) وابن ماجه في النكاح (1972) وأحمد في مسنده (24338،23874) عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول اله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير سودة بن زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه النسائي في النكاح (3197) ابن عباس قال توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده تسع نسوة يصيبهن إلا سودة فإنها وهبت يومها وليلتها لعائشة.
[121]:لما أنزل الله في سودة: رواه أبو داود في النكاح (2135) من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت عائشة: يا ابن أختي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي لعائشة فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قالت: نقول: في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها أراه قال: {وإن خافت امرأة من بعلها نشوزا}. لم أره في البخاري بهذا اللفظ، وانظر ما قبله، وما بعده.
[122]:الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها: رواه البخاري في المظالم (2450) وفي الصلح (2694) وفي تفسير القرآن (4601) وفي النكاح (5206) ومسلم في التفسير (3021) من حديث عائشة رضي الله عنها في هذه الآية {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل فنزلت هذه الآية في ذلك.
[123]:تفسير الطبري 9/268.
[124]:أبغض الحلال إلى الله الطلاق: رواه داود في الطلاق (2178،2177)وابن ماجه في الطلاق (2018) من حديث ابن عمر رضي الله عنه. ورواه أبو داود في الطلاق (2177) مرسلا قال الحافظ في التلخيص: ورجح أبو حاتم والدارقطني في العلل والبيهقي المرسل.
[125]:تفسير ابن كثير 1/563.
[126]:( التفسير الوسيط مجمع البحوث الإسلامية- الأزهر الحزب العاشر ص 930.
[127]:تفسير الطبري 9/283
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} (128)

ولما صاروا يعطفون اليتامى أموالهم ، وصاروا يتزوجون ذوات الأموال منهن ويضاجرون بعضهن ؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج فقال : { وإن امرأة } أي{[22912]} واحدة أو على ضرائر .

ولما كان ظن المكروه مخوفاً قال{[22913]} : { خافت } أي توقعت وظنت بما يظهر لها من القرائن { من بعلها نشوزاً } أي ترفعاً بما ترى من استهانته لها بمنع حقوقها أو إساءة صحبتها { أو إعراضاً } عنها بقلبه بأن لا ترى من محادثته ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك ، تخشى أن يجر إلى الفراق وإن كان متكلفاً لملاطفتها{[22914]} بقوله وفعله { فلا جناح } أي حرج وميل { عليهما أن يصلحا }{[22915]} أي يوقع الزوجان { بينهما } تصالحاً ومصالحة ، هذا على قراءة الجماعة{[22916]} ، وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام التقدير : إصلاحاً ، لكنه لما كان المأمور به يحصل بأقل ما يقع عليه اسم الصلح بنى{[22917]} المصدر على غير هذين الفعلين فقال مجرداً له : { صلحاً } بأن تلين هي بترك بعض المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك ، وأن يلين لها{[22918]} هو بإحسان العشرة في مقابلة ذلك .

ولما كان التقدير : ولا حناح عليهما أن يتفارقا على وجه العدل ، عطف عليه قوله : { والصلح } أي بترك كل منهما حقه أو بعض حقه { خير } أي المفارقة التي أشارت إليها الجملة المطوية لأن الصلح مبناه الإحسان الكامل بالرضى من الجانبين ، والمفارقة مبناها العدل الذي يلزمه في الأغلب غيظ أحدهما وإن كانت مشاركة للصلح في الخير ، لكنها مفضولة{[22919]} ، وتخصيصُ المفارقة بالطي{[22920]} لأن مبنى السورة على المواصلة .

ولما كان منشأ التشاجر المانع من الصلح شكاسة{[22921]} في الطباع ، صوَّر سبحانه وتعالى ذلك{[22922]} تنفيراً عنه ، فقال اعتراضاً بين هذه الجمل للحث على{[22923]} الجود بانياً الفعل للمجهول إشارة إلى أن هذا المُحِضر لا يرضى أحد نسبته إليه : { وأحضرت الأنفس } أي الناظرة{[22924]} إلى نفاستها عجباً{[22925]} { الشح } أي الحرص وسوء الخلق وقلة الخير والنكد والبخل بالموجود ، وكله يرجع إلى سوء الخلق والطبع الرديء واعوجاج الفطرة الأولى الذي كني عنه بالإحضار الملازم الذي لا انفكاك له إلا بجهاد كبير يناله به الأجر الكثير .

ولما كان هذا خلقاً رديئاً لم يذكر فاعله ، والمعنى : أحضرها إياه مُحضر{[22926]} . فصار ملازماً لها ، لا تنفك{[22927]} عنه إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى في قهرها عليه بتذكير ما عنده سبحانه وتعالى من حسن الجزاء ، ولما كان التقدير : فإن شححتم فإنه أعلم بها في الشح من موجبات الذم ، عطف عليه قوله : { وإن تحسنوا } أي توقعوا الإحسان بالإقامة على نكاحكم وما ندبتم إليه من حسن العشرة وإن كنتم كارهين { وتتقوا } أي توقعوا التقوى بمجانبة كل ما يؤذي نوع أذى إشارة إلى أن الشحيح لا محسن ولا متق { فإن الله } أي وهو{[22928]} الجامع لصفات الكمال { كان } أزلاً وأبداً { بما تعملون } أي في كل شح وإحسان { خبيراً * } أي بالغ العلم به وأنتم تعلمون أنه أكرم الأكرمين ، فهو مجازيكم عليه أحسن جزاء .


[22912]:سقط من ظ.
[22913]:من مد، وفي الأصل: قالت، وفي ظ: قاله ـ كذا.
[22914]:من ظ ومد، وفي الأصل: لملاطفته.
[22915]:من ظ ومد، وفي الأصل: يصلحها ـ كذا، وفي مصاحفنا: يصلحا.
[22916]:أي بفتح الياء وتشديد الصاد.
[22917]:من ظ ومد، وفي الأصل: بين.
[22918]:من ظ ومد، وفي الأصل: له.
[22919]:في ظ: مفصوله.
[22920]:في ظ: بالظن ـ كذا.
[22921]:في ظ: سكافنه ـ كذا.
[22922]:تقدم في الأصل على "سبحانه وتعالى"، والترتيب من ظ ومد.
[22923]:زيد من ظ.
[22924]:من مد، وفي الأصل وظ: الناضرة.
[22925]:في ظ: عجب.
[22926]:من مد، وفي الأصل وظ: محضرا.
[22927]:في ظ: لا يفك.
[22928]:زيد من ظ ومد.