بحيرة : البحيرة ؛ هي الناقة التي يبحرون أذنها . أي يشقونها إذا أنتجت خمسة أبطن ، خامسها أنثى .
سائبة : السائبة ؛ هي الناقة التي تسيب بنذرها لآلهتهم فترعى حيث شاءت ولا يحمل عليها شيء ، ولا يجوز وبرها ، ولا يحلب لبنها إلا لضيف .
وصيلة : الوصيلة هي الشاة التي تصل أخاها . فقد كانوا إذا ولدت الشاة ذكرا : كان لآلهتهم .
وإذا ولدت أنثى : كانت لهم ، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت اخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم .
حام : الحامى : هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن ، فيقولون : حمى ظهره فلا يحمل عليه ، ولا يمنع من ماء ولا مرعى .
103- ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام .
1- البحيرة : الناقة كان أهل الجاهلية يبحرون أذنها ، أي يشقونها ، ويجعلون لبنها للطواغيت فلا يحتلبها أحد من الناس ، وجعل شق أذنها علامة لذلك .
2- السائبة : الناقة تسيب . أو البعير يسيب بنذر على الرجل : يقول إن شفيت من مرضى أو بلغت منزلي فناقتي سائبة أي لا تحلب ولا تركب ، ولا تحبس عن رعى ولا ماء .
3- الوصيلة : هي الشاة التي تصل أخاها ، فقد كانوا إذا ولدت الشاة ذكرا كان لآلهتهم ، وإذا ولدت أنثى كانت لهم وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم .
4- الحامى : هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة ، قال : قد حمى ظهره ، فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء .
والمعنى : ما شرع الله تعالى شيئا مما حرمه أهل الجاهلية على أنفسهم في البحيرة والوصيلة والسائبة والحام وهذه الحيوانات إنما حرم أهل الجاهلية أكلها والانتفاع بها من عند أنفسهم بدون علم أو برهان .
ولكن الذين يفترون على الله الكذب . حيث حرموا هذه الأشياء تدينا وتعبدا ولم يحرمها الله عليهم ، ثم نسبوا هذا التحريم إلى الله كذبا وزورا والمراد بالذين كفروا هنا هم الرؤساء والزعماء الذين يأتون للعوام بالأحكام الفاسدة . والمزاعم الباطلة وينسبونها إلى دين الله كذبا وزورا .
وأكثرهم لا يعقلون . أن ذلك افتراء ، لأنه قلدوا فيه آباءهم .
والمراد هنا العوام والدهماء الذين يقلدون الرؤساء والكهان بدون تدبر أو تبصر .
وقد عبر سبحانه بقوله : وأكثرهم لا يعقلون : إنصافا للقلة العاقلة التي خالفت هذه الأوهام الباطلة واستجابت للحق عند ظهوره .
وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن لحى وإني رأيته يجر أمعاءه في النار ) ( 32 ) .
ولما فرغ من زجرهم عن أن يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن يسألوا مَنْ رحمهم بابتدائهم بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتماداً على أنه ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير مخف عنهم شيئاً{[27836]} ينفعهم ولا{[27837]} مبد لهم شيئاً{[27838]} يضرهم لأنه بكل شيء عليم - كما تقدم التنبيه على ذلك ، قال معللاً بختام{[27839]} الآية التي قبلها : { ما جعل الله } أي الذي له صفات الكمال فلا يشرع شيئاً إلا وهو على{[27840]} غاية الحكمة ، وأغرق{[27841]} في النفي بقوله : { من بحيرة } وأكد النفي بإعادة النافي فقال : { ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام{[27842]} } دالاً بذلك على أن{[27843]} الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه{[27844]} على الخبيث{[27845]} دون الطيب ، وذلك لأن الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن الأعمال ، فإذا هو مما{[27846]} لا يعبأ{[27847]} الله به بل ومما يعذب عليه ، لكونه أوقعهم فيما كانوا معترفين بأنه أقبح القبائح وهو الكذب ، بل في أقبح أنواعه وهو الكذب على ملك الملوك ، ثم{[27848]} صار لهم ديناً{[27849]} ، وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين الكفر ، وهم معترفون بأنه ما شرعه إلا عمرو بن لحي{[27850]} وهو{[27851]} أول من غير دين إبراهيم - كما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن عمْراً أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي " ورواه عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفي آخره : " وكان عمرو بن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام{[27852]} "
ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ومسلم في صفة النار{[27853]} عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه{[27854]} في النار ، وكان أول من سيّب السوائب " قال ابن هشام في السيرة : والبحيرة عندهم الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو{[27855]} يتصدق به وتهمل{[27856]} لآلهتهم . وروى البخاري في المناقب ومسلم في صفة النار عن سعيد بن المسيب قال : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس ، والسائبة التي كانوا يسيّبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء . وكذا رواه البخاري أيضاً في التفسير وقال : والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنثى . وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما{[27857]} بالأخرى ليس بينهما ذكر وقال البرهان السفاقسي{[27858]} في إعرابه : قال أبو عبيد{[27859]} : وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، في الآخر{[27860]} . ذكر ، شقوا{[27861]} أذنها وخلو سبيلها لا تركب ولا تحلب - وقيل غير ذلك ، وقال أبو حيان في النهر : قال ابن عباس : السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق ، وكان الرجل يسيب من ماله شيئاً فيجيء به إلى{[27862]} السدنة وهم{[27863]} خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل ، والوصيلة قال ابن عباس - إنها الشاة تنتج سبعة أبطن ، فإن كان السابع أنثى لم تنتفع{[27864]} النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء ، وإن كان ذكراً{[27865]} ذبحوه وأكلوه جميعاً{[27866]} ، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا{[27867]} : وصلت أخاها{[27868]} ، فتترك مع أخيها فلا تذبح{[27869]} ، ومنافعها للرجال دون النساء ، فإذا {[27870]}ماتت اشترك{[27871]} الرجال والنساء فيها . وقال ابن هشام{[27872]} : والحامي الفحل إذا نتج له{[27873]} عشر إناث{[27874]} متتابعات ليس بينهن ذكر ، حمى ظهره فلم يركب ظهره{[27875]} ولم يجزّ وبره وخلى في إبله يضرب فيها لا ينتفع منه{[27876]} بغير ذلك . وقال السفاقسي : قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم - واختاره أبو عبيدة و الزجاج - : هو الفحل ينتج من صلبه{[27877]} عشرة أبطن{[27878]} فيقولون : قد{[27879]} حمى ظهره ، فيسيبونه لأصنامهم فلا يحمل عليه شيء .
ولما كانوا قد حرموا هذه الأشياء ، وكان التحريم والتحليل من خواص الإله ، وكان لا إله إلا الله ، كان حكمهم عليها بالحرمة نسبة لذلك إلى الله سبحانه كذباً ، فقال تعالى بعد أن نفى أن يكون جعل{[27880]} شيئاً من ذلك : { ولكن الذين كفروا } أي ستروا ما دل عليه{[27881]} عقلهم من أن الله ما جعل هذا ، لأنهم لا وصول لهم إليه سبحانه وعز شأنه ، فلذلك قال : { يفترون } أي يتعمدون بجعل هذه الأشياء من تحريم وتحليل { على الله } أي الملك الأعلى { الكذب } فيحرمون ما لم يحرمه{[27882]} ويحللون ما لم يحلله{[27883]} { وأكثرهم } أي هؤلاء الذين جعلوا هذه الأشياء { لا يعقلون * } أي لا يتجدد لهم عقل ، وهم الذين ماتوا على كفرهم .