تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

المفردات :

رحمة الله : إحسانه وإنعامه أو ثوابه .

التفسير :

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها . . . الآية .

( الإفساد في الأرض بعد إصلاحها أشد قبحا من الإفساد على الإفساد ، فإن وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذ هو لم يحفظه ويجري على سننه ، فكيف إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه ؟ ولذلك خص بالذكر وإلا فالإفساد مذموم ومنهي عنه في كل حال . . ) ( 61 ) .

وقال الشوكاني في فتح القدير :

ولا تفسدوا في الأرض . بقتل الناس ، وتخريب منازلهم ، وقطع أشجارهم ، وتغوير أنهارهم ، ومن الفساد في الأرض : الكفر بالله والوقوع في معاصيه ، وإلغاء العمل بالشرائع بعد تقررها وانتظامها . اه .

والجملة الكريمة نهي عن سائر أنواع الإفساد ، كإفساد النفوس والأموال ، والأنساب ، والعقول والأديان .

وادعوه خوفا وطمعا .

أي : وادعوه خائفين من عقابه ، طامعين في رحمته وإحسانه .

إن رحمة الله قريب من المحسنين .

أي : إن رحمته تعالى وإنعامه على عباده قريب من المتقين ؛ لأعمالهم المخلصين فيها ؛ لأن الجزاء من جنس العمل .

فمن أحسن في أمور عبادته ؛ نال عليها الثواب الجزيل .

ومن أحسن في أمور دنياه ؛ كان أهلا للنجاح في مسعاه .

ومن أحسن في دعائه ؛ كان جديرا بالقبول والاجابة ، وفي الآية تنبيه للمؤمن بأن يكون بين الخوف والرجاء ، يخاف من غضب الله وعقوبته ، ويرجو عفوه ورحمته ، وتشير الآية إلى تغليب جانب الرجاء على الخوف .

قال تعالى : وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين .

والخوف والرجاء جناحان يطير بهما المؤمن في ملكوت الرضا والأنس بالله ، وإذا غلب الخوف وزاد ؛ صار يأسا ، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .

و إذا غلب الرجاء بدون عمل ؛ صار طمعا بدون إحسان العمل وفي الأثر : ( ألا وإن أقواما غرتهم الأماني ، خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم ، وقالوا : نحسن الظن بالله وكذبوا على الله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (56)

ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضياًَ للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله : { ولا تفسدوا } أي لا تدفعوا فساداً { في الأرض } أي بالشرك والظلم ، فهو{[32397]} منع من إيقاع{[32398]} ماهية الإفساد في الوجود ، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل ، وهي الأديان{[32399]} والأبدان والعقول والأنساب والأموال{[32400]} { بعد إصلاحها } والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة في{[32401]} المفعول ، أي لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقاً بما سوى فيها من المنافع المشار إليها بقوله

{ يغشي الليل النهار }الآية{[32402]} ، الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان ، وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام إقامة للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول الإبقاء الأول .

ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام الخوف ، نفى ذلك بقوله { وادعوه خوفاً } أي من عدله ؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في الوصول إليه سبحانه ، عبر بالطمع فقال : { وطمعاً } أي في فضله ، فإن من جمع بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن ، ما زجره زاجر الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته ، ومن حاز مقام الإحسان كان أهلاً للرحمة { إن رحمت الله } أي إكرام ذي الجلال والإكرام لمن يدعوه على هذه الصفة ، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال سيبويه ، فقال : { قريب } وكان الأصل منكم ، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : { من المحسنين* } .


[32397]:- من ظ، وفي الأصل: وهو.
[32398]:- في ظ: انقطاع.
[32399]:- في ظ: فالأبدان فالعقول فالأنساب فالأموال.
[32400]:- في ظ: فالأبدان فالعقول فالأنساب فالأموال.
[32401]:- زيد من ظ.
[32402]:- سقط من ظ.