رحمة الله : إحسانه وإنعامه أو ثوابه .
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها . . . الآية .
( الإفساد في الأرض بعد إصلاحها أشد قبحا من الإفساد على الإفساد ، فإن وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذ هو لم يحفظه ويجري على سننه ، فكيف إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه ؟ ولذلك خص بالذكر وإلا فالإفساد مذموم ومنهي عنه في كل حال . . ) ( 61 ) .
ولا تفسدوا في الأرض . بقتل الناس ، وتخريب منازلهم ، وقطع أشجارهم ، وتغوير أنهارهم ، ومن الفساد في الأرض : الكفر بالله والوقوع في معاصيه ، وإلغاء العمل بالشرائع بعد تقررها وانتظامها . اه .
والجملة الكريمة نهي عن سائر أنواع الإفساد ، كإفساد النفوس والأموال ، والأنساب ، والعقول والأديان .
أي : وادعوه خائفين من عقابه ، طامعين في رحمته وإحسانه .
إن رحمة الله قريب من المحسنين .
أي : إن رحمته تعالى وإنعامه على عباده قريب من المتقين ؛ لأعمالهم المخلصين فيها ؛ لأن الجزاء من جنس العمل .
فمن أحسن في أمور عبادته ؛ نال عليها الثواب الجزيل .
ومن أحسن في أمور دنياه ؛ كان أهلا للنجاح في مسعاه .
ومن أحسن في دعائه ؛ كان جديرا بالقبول والاجابة ، وفي الآية تنبيه للمؤمن بأن يكون بين الخوف والرجاء ، يخاف من غضب الله وعقوبته ، ويرجو عفوه ورحمته ، وتشير الآية إلى تغليب جانب الرجاء على الخوف .
قال تعالى : وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين .
والخوف والرجاء جناحان يطير بهما المؤمن في ملكوت الرضا والأنس بالله ، وإذا غلب الخوف وزاد ؛ صار يأسا ، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .
و إذا غلب الرجاء بدون عمل ؛ صار طمعا بدون إحسان العمل وفي الأثر : ( ألا وإن أقواما غرتهم الأماني ، خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم ، وقالوا : نحسن الظن بالله وكذبوا على الله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ) .
ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضياًَ للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله : { ولا تفسدوا } أي لا تدفعوا فساداً { في الأرض } أي بالشرك والظلم ، فهو{[32397]} منع من إيقاع{[32398]} ماهية الإفساد في الوجود ، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل ، وهي الأديان{[32399]} والأبدان والعقول والأنساب والأموال{[32400]} { بعد إصلاحها } والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة في{[32401]} المفعول ، أي لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقاً بما سوى فيها من المنافع المشار إليها بقوله
{ يغشي الليل النهار }الآية{[32402]} ، الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان ، وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام إقامة للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول الإبقاء الأول .
ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام الخوف ، نفى ذلك بقوله { وادعوه خوفاً } أي من عدله ؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في الوصول إليه سبحانه ، عبر بالطمع فقال : { وطمعاً } أي في فضله ، فإن من جمع بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن ، ما زجره زاجر الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته ، ومن حاز مقام الإحسان كان أهلاً للرحمة { إن رحمت الله } أي إكرام ذي الجلال والإكرام لمن يدعوه على هذه الصفة ، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال سيبويه ، فقال : { قريب } وكان الأصل منكم ، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : { من المحسنين* } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.