تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} (6)

المفردات :

استجارك : أي : سأل جوارك ؛ ليكون في حماك وأمنك .

فأجره : أي : فأمنه .

التفسير :

6 – { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ . . . }

المعنى : وإن طلب أحد من المشركين أن يكون في جوارك ، وفي أمانك وحمايتك ، بعد انقضاء مدة الأمان المحددة له فأجره أي : فأمنه وأجبه إلى طلبه .

{ حتى يسمع كلام الله } . أي : لكي يسمع كلام الله ويتدبره ، ويطلع على حقيقة ما يدعو إليه ، من تعاليم مقنعة للعقول السليمة ، { ثم أبلغه مأمنه } . ثم أبلغه مكان أمنه إن لم يسلم ، أي : عليك يا محمد أن تجيره حتى يسمع كلام الله ويتدبره ، ولا يبقى له عذر في الإصرار على شركه ، فإن آمن صار من أتباعك ، وإن بقي على شركه ، وأراد الرجوع إلى جماعته ؛ فعليك أن تحافظ عليه ؛ حتى يصل إلى مكان أمنه واستقراره ، وهو ديار قومه ، ثم بعد ذلك يصبح حكمه كحكم المصرين على الشرك ، ويعامل بما يعاملون به .

{ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } .

أي : ذلك الذي أمرناك به من إجارة المستجير من المشركين ، وإبلاغه مأمنه إذا لم يسلم ، بسبب أنهم لا يعلمون الإسلام ، ولا حقيقة ما تدعوهم إليه ، فلا بد من تمكينهم من ذلك ، ببذل الأمان لهم ؛ حتى يزول عذرهم ، وتقوم لك الحجة عليهم .

ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من الآية ما يأتي : -

1 – أن المستأمن لا يؤذى ، بل يجب على المسلمين حمايته في نفسه وماله وعرضه ؛ ما دام في دار الإسلام ، وقد حذر الإسلام أتباعه من الغدر أشد تحذير ، ومن ذلك ؛ ما رواه البخاري والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أمن رجلا على دمه فقتله ؛ فأنا بريء من القاتل ، وإن كان المقتول كافرا " 12 .

وروى الشيخان وأحمد : عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل غادر لواء ، يعرف به يوم القيامة " 13 .

2 – يلحق بالمستجير الطالب لسماع كلام الله ، من كان طالبا لسماع الأدلة على كون الإسلام حقا ، ومن كان طالبا للجواب عن الشبهات ، التي أثارها أعداء الإسلام .

3 – على الإمام أو من يقوم مقامه أن يعطي المستأمن المهلة التي يراها كافية لفهمه حقائق الإسلام ، وأن يبلغه مأمنه بعد انقضاء حاجته ، وأن لا يمكنه من الإقامة في دار الإسلام ، إلا بمقدار قضاء حاجته .

4 – أخذ العلماء من هذه الآية وجوب التفقه في الدين ، وأنه لا بد من النظر والاستدلال وأنه لا بد من الحجة والدليل .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} (6)

ولما سد عليهم طريق مخالطتهم ما لم يتصفوا بالتوبة المدلول عليها بالشهيدين المذكورين{[35634]} سداً مطلقاً ، وفتحه عند الاتصاف بها فتحاً مطلقاً ، عطف على ذلك طريقاً آخر وسطاً مقيداً فقال : { وإن أحد من المشركين } أي الذين{[35635]} أمرناكم بقتالهم { استجارك } أي طلب أن تعامله في الإكرام معاملة الجار بعد انقضاء مدة السياحة { فأجره } أي فآمنه و{[35636]} دافع عنه من يقصده بسوء { حتى يسمع كلام الله } أي الملك الأعظم بسماع التلاوة الدالة عليه ، فيعلم بذلك ما يدعو إليه من المحاسن ويتحقق أنه ليس كلام الخلق . ولما ذكر إجارته ، وكان له بعدها توبة وإصرار . وكان حال التائب قد ذكر ، بين ما يفعل به إن أصر فقال : { ثم أبلغه } أي{[35637]} إن أراد الانصراف ولم يسلم { مأمنه } أي الموضع الذي يأمن فيه ثم قاتله بعد بلوغه المأمن{[35638]} إن شئت من غير غدر ولا خيانة ؛ قال الحسن : هي محكمة إلى يوم القيامة{[35639]} ؛ ثم{[35640]} علل ذلك بما يبين غدرهم بقوله : { ذلك بأنهم } أي الأمر بالإجارة{[35641]} للغرض المذكور بسبب أنهم { قوم لا يعلمون* } أي لا علم لهم لأنه لا عهد لهم بنبوة ولا رسالة ولا كتاب ، فإذا علموا أوشك أن ينفعهم العلم .


[35634]:في ظ: المذكورة
[35635]:من ظ، وفي الأصل: الذي.
[35636]:زيد من ظ.
[35637]:زيد من ظ.
[35638]:سقط من ظ.
[35639]:وقال الضحاك والسدي: هي منسوخة بآية الأمر قتل المشركين ـ راجع البحر المحيط 5/11.
[35640]:سقط من ظ.
[35641]:في ظ: الإجارة.