ضربتم في سبيل الله : سافرتم للغزو .
فتبينوا : فاطلبوا بيان الأمر والكشف عنه وتثبتوا .
ألقى إليكم السلام : حياكم بتحية الإسلام .
تبتغون عرض الحياة الدنيا : تطلبون متاعها الزائل ، ونعيمها الفاني : من مال وغيره .
94- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ . . . حرص الإسلام على حفظ الأعراض والأموال والدماء والعقول .
وقد ورد في كتب الصحيح وغيرها أسباب نزول هذه الآية وموجزها : أن أحد المسلمين كان في سرية للجهاد فتفرق الأعداء ، وبقي رجل في غنمه فلما أدركه المسلم ، قال الرجل : السلام عليكم إني مسلم ، فقتله المسلم ، واستاق ماله ؛ فنزلت هذه الآية ، تأمر بالتثبيت والتروي وعدم التسرع في قتل إنسان بعد إعلان إسلامه ؛ إذ ربما كان الدافع الرغبة في ماله وفي عرض الحياة الدنيا .
وقد ساق ابن جرير الطبري ثماني عشرة رواية في سبب نزول هذه الآية ، منها : ما يفيد أن القاتل هو أسامة بن زيد ، والقتيل هو مرادس بن نهيك ، ومنها : ما يفيد أن القاتل هو المقداد بن الأسود ، ومنها : ما يفيد أن القاتل غيرهما ويمكن الجمع بينهما بتعدد الأحداث ونزول الآية عقب منها .
وقد وردت روايات بهذا المعنى في البخاري والترمذي ، والحاكم ، وغيرهم .
وجاء في تفسير مقاتل بن سليمان ما يأتي :
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة ، فلقوا رجلا منهم يدعى مرادس ابن نهيك معه غنمه له وجمل أحمر ، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل ، واتبعه أسامة ، فلما بلغ مرادس الكهف ، وضع فيه غنمه ، ثم أقبل إليهم فقال : '' السلام عليكم ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله'' فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنمه ، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ قال لأسامة : ''كيف أنت ولا إله إلا الله ! '' قال : يا رسول الله ، إنما قالها متعوذا ، تعوذ بها .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ''هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه ؟ '' قال : يا رسول الله إنما قلبه بضعة من جسده {[65]} ؛ فأنزل الله خبر هذا ، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه فذلك حين يقول : تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . . .
فلما بلغ فمن الله عليكم : أي : فتاب الله عليكم ؛ حلف أسامة أن ألا يقاتل رجلا يقول : لا إله غلا الله بعد ذلك الرجل ، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه {[66]} .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ . . . يأيها الذين صدقوا الله وصدقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم ، إذا سيرتم مسيرة لله في جهاد أعدائكم .
فتبينوا . فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره ؛ وابحثوا عن الحقيقة ، وتثبتوا من حال من تقاتلونهم ، ولا تقدموا على قتل أحد ، إلا إذا علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله .
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ . . . ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم ، مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم .
لست مؤمنا . . . أي : إنك إنما أظهرت الإسلام ، طلبا للنجاة ، بنفسك ومالك ، ولست مخلصا في إسلامك . وفي الأثر : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد بن الأسود : ''كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه فقتلته ، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل ! '' {[67]} .
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . تريدون متاع الحياة الدنيا بالاستلاء على مال الرجل وهو متاع قليل زائل .
فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ . من رزقه وفواضل نعمه فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه .
كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْل . ُ كفارا مثلهم ، أو تستخفون بدينكم كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله .
فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ . أي : هداكم الله إلى الإسلام ، أو إعلان الإيمان ، أو التوبة على الذي قتل ذلك الرجل ، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم .
فَتَبَيَّنُواْ . تكرير للأمر بالتبيين ؛ ليؤكد عليهم .
إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا . فيعلم ما تخبئه النفوس ، وتضمره القلوب ، وبواعثها على العمل وغايتها التي لا تنكشف للناس .
{ إذا ضربتم } : خرجتم تضربون الأرض بأرجلكم غزاة ومسافرين .
{ فتبينوا } : فتثبتوا حتى لا تقتلوا مسلماً تحسبونه كافراً .
{ السلم } : الاستسلام والانقياد .
{ منّ الله عليكم } : بالهداية فاهتديتم وأصبحتم مسلمين .
روي أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا فلقوا رجلاً يسوق غنماً من بني سليم فلما رآهم سلم عليهم قائلاً السلام عليكم فقالوا له ما قلتها إلا تقيّة لتحفظ نفسك ومالك وقتلوه فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله } يريد خرجتم مسافرين للغزو والجهاد { فتبّينوا } ممن تلقونهم في طريقكم هل هم مسلمون فتكفوا عنهم أو كافرين فتقاتلوهم ، { ولا تقولوا لمن ألقى إليك السلام } أعلن إسلامه لكم بالشهادة أو بالسلام { لست مؤمناً } فتكذبونه في دعواه الإِسلام لتنالوا منه : { تبتغون } بذلك { عرض الحياة الدنيا } أي متاعها الزائل فإن كان قصدكم الغنيمة فإن عند الله مغانم كثيرة فأطيعوه وأخلصوا له النية والعمل يرزقكم ويغنمكم خير ما تأملون وترجون وقوله { كذلك كنتم من قبل } أي مثل هذا الرجل الذي قتلتموه رغبة في غنمه كنتم تستخفون بإيمانكم خوفاً من قومكم { فمن الله عليكم } بأن أظهر دينه ونصركم فلم تعودوا تخفون دينكم . وعليه فتبينوا مستقبلاً ، ولا تقتلوا أحداً حتى تتأكَّدوا من كفره وقوله : { إن الله كان بما تعملون خبيراً } تذييل يحمل الوعد والوعيد ، الوعد لمن أطاع والوعيد لمن عصى إذ لازم كونه تعالى خبيراً بالأعمال أنه يحاسب عليه ويجزي بها ، وهو على كلِّ شيء قدير .
- مشروعية السير في سبيل الله غزوا وجهاداً .
- وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.