تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ} (8)

7

المفردات :

الالتقاط : أخذ شيء فجأة من غير طلب له .

آل فرعون : المراد بآله : من ينسبون إليه ، ولو بالخدمة .

عدوا : فتكون عاقبة أمره أن يكون لهم معاديا .

وحزنا : مصدر حزن لهم .

خاطئين : مشركين عاصين لله ، متعمدين لارتكاب الخطأ .

التفسير :

8- { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } .

أفادت الآية السابقة أن الله أوحى إلى أم موسى أن أرضعيه ما دامت آمنة عليه من أتباع فرعون ، فإذا خفت عليهم منهم فألقيه في البحر .

ونفهم من السياق أن أم موسى أرضعته فترة ذكر بعض المفسرين أنها ثلاثة أشهر ، وقال بعضهم : أربعة أشهر ، فلما اشتد خوفها عليه من العسس والجواسيس الذين يذبحون الذكور بسكاكين حادة ، لم يتركونهم ذاهبين ، عندئذ صنعت تابوتا وضعت فيه موسى وألقته في نهر النيل ، فأخذته الأمواج قرب قصر فرعون ، وشاهدته آسية امرأة فرعون ، فأمرت الجنود بإحضاره : فأحضروه لها ، ففتحت الصندوق فأبصرت غلاما وضيئا يشع النور من جبينه ، فألقى الله محبته في قلبها ، فتمسكت به ورغبت في حضانته لحكمة أرادها الله ، هي أن يربى في بيت فرعون ، وبين سمعه وبصره ، وليكون موسى هو المخلص لبني إسرائيل من عنت فرعون .

{ ليكون لهم عدوا وحزنا . . . }

أي : التقط أهل فرعون وحاشيته الوليد من ماء النيل ، ليتحقق ما أراده الله ، في أن يكون هذا الوليد الذي التقطوه وأنقذوه وكفلوه ، هو الذي أوحى إليه برسالة سماوية عادلة ، أمرت بعبادة الله وحده ، لا بعبادة الفرعون ، وحررت الناس من العبودية ، وقاد موسى بني إسرائيل في ليلة معينة ، ونجاه الله من البحر ، وأغرق فرعون .

قال المفسرون ، واللام هنا لام العاقبة والصيرورة ؛ لأنهم التقطوه ليكون لهم قرة عين ، فكانت عاقبته أن كان مصدر عداوة وحزن ، كما في قول الشاعر :

وللمنايا تربي كل مرضعة *** ودورنا لخراب الدهر نبنيها

ويرى بعضهم أن اللام هنا يصح أن تكون لام التعليل ؛ بمعنى أن الله تعالى بمشيئته وحكمته يسرّ لموسى التقاط آل فرعون له ، وتربيته وكفالته ورعايته ؛ ليكون يد القدر في إهلاك فرعون وجنوده ، وليكون ذلك أبلغ في إبطال حذرهم منه ، فقد ربّوه رجاء نفعه أو أن يكون لهم ولدا ، وأراد الله أن يكون وسيلة الانتقام منهم .

{ إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } .

فقد ارتكبوا ذنوبا عظاما ، وقتلوا آلاف الأطفال الأبرياء ، وعذّبوا بني إسرائيل واستذلوهم ؛ فعاقب الله فرعون وقومه عقابا يستحقونه .

{ خاطئين } مرتكبين للخطأ أو مرتكبين للخطيئة والإثم ، ويطلق عليه الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء .

قال تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا } [ الإسراء : 31 ] .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ} (8)

{ فالتقطه آل فرعون } الالتقاط اللقاء من غير قصد ، روي : أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت في البحر وهو النيل فأمرت أن يساق لها ففتحته فوجدت فيه صبيا فأحبته ، وقالت لفرعون : هذا قرة عين لي ولك .

{ ليكون لهم عدوا } اللام لام العاقبة وتسمى أيضا لام الصيرورة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ} (8)

ولما كان الوحي إليها بهذا سبباً لإلقائه في البحر . وإلقاؤه سبباً لالتقاطه ، قال : { فالتقطه } أي فأرضعته فلما خافت عليه صنعت له صندوقاً وقيرته لئلا يدخل إليه الماء وأحكمته وأودعته فيه وألقته في بحر النيل ، وكأن بيتها كان فوق بيت فرعون ، فساقه الماء إلى قرب بيت فرعون ، فتعوق بشجر هناك ، فتكلف جماعة فرعون التقاطه ، قال البغوي : والالتقاط وجود الشيء من غير طلب . { آل فرعون } بأن أخذوا الصندوق ، فلما فتحوه وجدوا موسى عليه السلام فأحبوه لما ألقى الله تعالى عليهم من محبته فاتخذوه ولداً وسموه موسى ، لأنهم وجدوه في ماء وشجر ، ومو بلسانهم : الماء ، وسا : الشجر .

ولما كانت عاقبة أمره إهلاكهم ، وكان العاقل لا سيما المتحذلق ، لا ينبغي له أن يقدم على شيء حتى يعلم عاقبته فكيف إذا كان يدعي أنه إله ، عبر سبحانه بلام العاقبة التي معناها التعليل ، تهكماً بفرعون - كما مضى بيان مثله غير مرة - في قوله : { ليكون لهم عدواً } أي بطول خوفهم منه بمخالفته لهم في دينهم وحملهم على الحق { وحزناً } أي بزوال ملكهم ، لأنه يظهر فيهم الآيات التي يهلك الله بها من يشاء منهم ، ثم يهلك جميع أبكارهم فيخلص جميع بني إسرائيل منهم ، ثم يظفر بهم كلهم . فيهلكهم الله بالغرق على يده إهلاك نفس واحدة ، فيعم الحزن والنواح أهل ذلك الإقليم كله ، فهذه اللام للعلة استعيرت لما أنتجته العلة التي قصدوها - وهي التبني وقرة العين - من الهلاك ، كما استعير الأسد للشجاع فأطلق عليه ، فقيل : زيد أسد . لأن فعله كان فعله ، والمعنى على طريق التهكم أنهم ما أخذوه إلا لهذا الغرض ، لأنا نحاشيهم من الإقدام على ما يعلمون آخر أمره .

ولما كان لا يفعل هذا الفعل إلا أحمق مهتور أو مغفل مخذول لا يكاد يصيب على ذلك بالأمرين فقال : { إن فرعون وهامان وجنودهما } أي كلهم على طبع واحد { كانوا خاطئين* } أي دأبهم تعمد الذنوب ، والضلال عن المقاصد ، فلا بدع في خطائهم في أن يربّوا من لا يذبحون الأبناء إلاّ من أجله ، مع القرائن الظاهرة في أنه من بني إسرائيل الذين يذبحون أبناءهم ؛ قال في الجمع بين العباب والمحكم : قال أبو عبيد : أخطأ وخطأ - لغتان بمعنى واحد ، وقال ابن عرفة : يقال : خطأ في دينه وأخطأ - إذا سلك سبيل خطأ عامداً أو غير عامد .

وقال الأموي ، المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ، والخاطىء : من تعمد ما لا ينبغي ، وقال ابن ظريف في الأفعال : خطىء الشيء خطأ وأخطأه : لم يصبه .