{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( 60 ) } .
للفقراء : جمع فقير وهو من لا مال له ، أو له مال لا يقع موقعا من كفايته .
والمساكين : جمع مسكين ، وهو من لا مال له ، أو له مال يقع موقعا من كفايته ، فالفقير أسوأ حالا من المسكين وبالعكس .
60 – { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
جاءت هذه الآية وسط الحديث عن المنافقين ؛ ذلك أن المنافقين كانوا ينتظرون أن توزع عليهم الزكاة ، فإذا أعطاهم النبي منها ؛ رضوا وشكروا ، وإذ لم يعطهم ؛ غضبوا وسخطوا .
وفي الآية 58 من سورة التوبة : { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } .
قال الشوكاني في تفسيره : " لما لمز المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات ؛ بين الله لهم مصرفها ؛ دفعا لطعنهم وقطعا لشغبهم . عن زيادة بن الحرث قال : " أتى النبي رجل فقال : أعطني من الصدقة فقال له : " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات ، حتى حكم هو فيها ؛ فجزأها ثمانية أصناف ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك " . اه .
وكنت ألّفت كتابا في فقه العبادات ، أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1971 م ، وصدرت منه عدة طبعات بعد ذلك تحدثت فيه عن الزكاة وذكرت فقرة عن مصارف الزكاة ، رأيت أن أنقلها في هذا المكان .
لم يترك الإسلام أمر الزكاة إلى تقدير ولى الأمر بل بين المصارف وعينها بالنص القرآني الذي لا يقبل التأويل قال تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } . ( التوبة : 60 ) . هذا هو النص القرآني المحكم الذي عدد أصناف المستحقين للزكاة102 ولنبين كل صنف بكلمة موضحة :
أولا : الفقراء : وهم الذين لا يملكون أموالا يزكون عنها ، أي : أن أموالهم لا تبلغ النصاب وإنما لديهم قليل من المال لا يكفي لكل حاجاتهم ، وقيل : من لا يملكون قوت يوم وليلة .
ثانيا : المساكين : قيل في تفسير المسكين : السائل . وقيل : بأن المسكين أشد حاجة من الفقير ، وروى عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس : إن الفقراء فقراء المسلمين والمساكين فقراء أهل الكتاب ، ويزكى هذا الرأي أن عمر بن الخطاب فسر المساكين : بضعفاء أهل الكتاب ، فإنه يروى أنه رأى ذميا مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر رضي الله عنه : ملك ؟ قال : استكرهوني في هذه الجزية ، حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود على شيء ! فقال الفاروق : ما أنصفت إذن ! وأجرى له ما يقوته وما يصلحه ، وقال : هذا من الذين قال الله فيهم : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } . وهم زمني أهل الكتاب أي : ذوو العاهات المانعة من الكسب ، والمرضى بمرض لا يرجى البرء منه .
ونرى من هذا أن الزكاة على هذا التفسير تعطي لمساكين أهل الذمة العاجزين عن الكسب ؛ وهو غير ما عليه جمهور الفقهاء الذين يرون أن الزكاة لا تعطى لغير المسلمين .
ثالثا : { العاملين عليها } : وهم الذين يعملون في الزكاة في جمعها من أربابها وتوزيعها على مستحقيها وهم يعطون على قدر أعمالهم ، وكفاية أمثالهم ، ولأن العمل في الزكاة له أجر والأجير يأخذ سواء أكان غنيا أم فقيرا .
رابعا : { المؤلفة قلوبهم } : وهم قوم يعطون من الزكاة ؛ تأليفا لقلوبهم أو قلوب ذويهم ، أو تمكينا للإسلام في قلوبهم . أو قلوب ذويهم ، وقد قال أبو يعلى في الأحكام السلطانية : " والمؤلفة قلوبهم أربعة أصناف : صنف منهم تتألف قلوبهم ؛ لمعونة المسلمين ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ للكف عن المسلمين ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ لترغيبهم في الإسلام ، وصنف تتألف قلوبهم ؛ ترغيبا لقومهم وعشائرهم في الإسلام فيجوز أن يعطى كل واحد من هذه الأصناف من سهم المؤلفة قلوبهم مسلما كان أو مشركا " .
وعطاء هؤلاء من قبيل الدفاع عن الإسلام له ، فإعطاء المؤلفة قلوبهم هو من قبيل ما نسميه اليوم( الدعاية ) ، ولذلك كان حقا أن نجعل من مصارف الزكاة تمويل الدعاية للإسلام ، وبيان مزاياه ، وخواصه ؛ ليعلم حقيقته من لم يكن يعلم .
خامسا : { في الرقاب } : أي : في فك أسر الأرقاء ، فقد كان من عادة العرب أن يعين الواحد لرقيقه مالا إذا أداه له ؛ تحرر من أسره . فأمر الله الحكومة الإسلامية أن تمد هؤلاء الأسرى بأموال الزكاة ؛ ليتحرروا من رقهم ، وقد ذهب الرق تقريبا من العالم .
ونريد أن نسجل في هذا المقام أن الدولة الإسلامية هي أول دولة حاربت الرق في الوجود وحسبها أن جعلت جزءا من ميزانيتها لفك الرقاب ، ولم يذكر التاريخ أي نظام سياسي أو فلسفي سبق الإسلام في ذلك .
سادسا : { الغارمين } : وهم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم ، وهم ثلاثة أقسام :
1 – قسم يستدين في سفاهة وإسراف ؛ لينفق في المحلل والمحرم والأكثرون من الفقهاء يرون أن هذا يوفى عن دينه ، إلا إذا تاب وصار من أهل الصلاح والتقى والتدبير .
2 – من استدان لصالح نفسه كتاجر لزمته ديون في تجارته وهو يحسن تدبيرها ولكن اضطرب الميزان الاقتصادي ، وأحاط الدين بماله ولم يف ما عنده من المال بدينه فما بقي من ديون بعد ذلك عليه يسدد من الزكاة .
3 – من ركبه دين في مصلحة عامة لا لمصلحة نفسه ، كمن تحمل ديات للصلح بين الناس ، فقد قال الفقهاء : إنه يسدد عنه دينه ، ولو كان غنيا يبقى له بعد سداد الدين من ماله نصاب ، وهذا للتشجيع على المروءة والصلح بين الناس .
وإذا مات مدين وليس في تركته ما يفي بدينه يؤدى باقي دينه من مال الزكاة .
والجدير بالذكر : أن الإسلام يجعل الديون العادلة تؤدى من بيت مال الزكاة ، وبهذا سبق الشرائع الإنسانية كلها سبقا بعيدا ، وخصوصا الشرائع التي عاصرت نشأته ، وحسبك أنك تعلم أن القانون الروماني103 في بعض أدواره كان يسوغ للدائن أن يسترق المدين ، أما الإسلام فقد جعل دين المعسر تؤديه الدولة عنه وفي ذلك تشجيع للناس على المروءة والقرض الحسن ؛ لأن صاحب المال إن علم أن ماله لن يضيع أبدا ؛ أقرض القرض الحسن . ويصحب القياس على ذلك أن يقرض من مال الزكاة القرض الحسن ؛ لأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدى فأولى أن تعطى منها القروض الخالية من الربا ؛ لترد إلى بيت المال .
سابعا : { ابن السبيل } : والمراد به : المسافر الذي لا يجد مالا يوصله إلى وطنه ، فإنه يعطى من مال الزكاة ما يوصله إلى وطنه .
وأما إذا كان غنيا فيعطيه بيت المال قرضا ليسترد ما أعطاه عند الرجوع إلى أهله وذويه .
ثامنا : { في سبيل الله } : والمراد به : الصرف على الغزاة والمرابطين لحماية الثغور فينفق من الزكاة على الجيش وكل ما يتصل به ما دام الجيش يجاهد في سبيل الله .
ولقد فسر بعض الفقهاء كلمة { في سبيل الله } بما يعم كل مصالح المسلمين ، فقد جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي ما نصه :
" واعلم أن ظاهر اللفظ لا يوجب القصر على كل الغزاة ، فلهذا المعنى نقل " القفال " في تفسيره عن بعض الفقهاء : أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير : من تكفين الموتى ، وبناء الحصون ؛ وعمارة المساجد ؛ لأن قوله تعالى : { في سبيل الله } عام في الكل " .
ويشمل في سبيل الله إعداد دعاة إلى الإسلام والإنفاق عليهم لإظهار جمال الإسلام وسماحته وتبليغ أحكامه والرد على خصومه ، والإنفاق على الكتب التي تتولى هذه المهمة .
ويجوز إعطاء الزكاة للمؤسسات الخيرية : كالمستوصفات الخيرية ، والمياتم ، والمدارس الخيرية ؛ لأن هذه المؤسسات جعلت لصالح الطبقة الفقيرة .
هل تصرف الزكاة على جميع مستحقيها ؟ يرى جمهور الفقهاء خلافا للشافعي أنه لا يلزم المزكى استيعاب كل مصارف الزكاة ، بل في أيها وضعت أجزأت ، ويلزم الإمام العناية بالأهم اجتماعيا فالمهم .
1 – الزكاة فريضة واجبة ، وسبيل إلى علاج الشح والبخل ، وارتقاء بالنفس والروح والوجدان ؛ حيث يعطى المؤمن ماله ، ويدخره لينفعه في قبره ، أو في يوم القيامة ؛ فهو فعلا ادخار في بنك الآخرة ، وتغذية لرصيدنا الحقيقي ؛ فإن مالك ما أنفقت ؛ ومال وارثك ما أبقيت .
2- الزكاة علاج متعيّن ؛ لإزالة حب الدنيا عن القلب ، وكسر شدة الميل إلى المال ، والمنع من انصراف النفس بالكلية إليه ، وهو المراد من قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } . ( التوبة : 103 ) .
3 – تربية النفس عن طريق الشعور بآلام الآخرين ، والإحسان إلى الناس ، والسعي في إيصال الخيرات إليهم ، ودفع الآفات عنهم ، وهذا من صفات الله وفي الحديث الشريف : " تخلّقوا بأخلاق الله " .
4 – توفير محبة الفقراء للأغنياء ، والدعاء لهم ببقاء النعمة ، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها " 104 .
5 – الحد من ارتكاب الجرائم ، ومن اللحاق بالأعداء ، فلو لم ينفق الأغنياء على الفقراء ؛ لأقدم الفقراء على الأفعال المنكرة كالسرقة أو على الالتحاق بأعداء المسلمين .
{ إنما الصدقات للفقراء } أي الزكاوات المفروضة مقصورة على هذه الأصناف الثمانية .
والفقير : من له أدنى شيء من المال . والمسكين : من لا شيء له ، فيحتاج إلى المسألة لقوته
ومداراة بدنه . وقيل : الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعا من حاجته . والمسكين : من له مال أو كسب لا يكفيه . وأصل الفقير : المكسور فقار الظهر . أو هو من الفقرة أي الحفرة ، ثم استعمل فيما ذكر لانكساره بعدمه وحاجته . أو لكونه أدنى حالا من أكثر الناس ، كما أن الحفرة ، ثم استعمل فيما ذكر لانكساره بعدمه وحاجته . أو لكونه أدنى حلا من أكثر الناس ، كما أن الحفرة أدنى من سطح الأرض المستوية . والمسكين مأخوذ من السكون ضد الحركة ، لأن العدم أسكنه وأذله .
{ و في الرقاب } أي في فكها ، بأن يعان المكاتبون بشيء منها على أداء يدل الكتابة . أو يشترى بها رقاب فتعتق . أو يفدى بها الأسارى ( آية 177 البقرة ص 58 ) . { و الغرمين } المديونين الذين لا يجدون قضاء . وفي الفقه تفصيل لهذا الصنف . { وفي سبيل الله } فسره الجمهور بالغزاة الفقراء .
وقيل : طلبة العلم الفقراء . وقيل : منقطعوا الحجيج . وفسره في البدائع بجميع القربات . نقل القفال جواز صرف هذا السهم إلى جميع وجوه الخير ، من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد ، لعموم قوله { في سبيل الله } . { وابن السبيل } المسافر المنقطع عن ماله في سفره وإن كان غنيا في بلده ، وألحق به كل من غاب عن ماله ، وإن كان في بلده . وقيل : هو الحاج المنقطع في سفره ، أو هو الضيف .
أما المؤلفة قلوبهم فهم أصناف ، وفي حكم سهمهم بعده صلى الله عليه وسلم أقوال مبينة في الفقه .