79 - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ .
أعطى الله سليمان الحكمة والفهم ، وألهمه حكما يجمع بين العدل من جهة ؛ وبين الرحمة والعطف والبناء الهادف ؛ الذي يرعى الأطراف كلها من جهة أخرى .
وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا .
إن داود وسليمان كليهما أعطاه الله الحكم والعلم ، أي : حكمة ومعرفة بالقضاء والحكم ، لكنه اختص سليمان بسعة الفهم ؛ والتصور الأوسع ، وهذا لا يطعن في داود وحكمه ؛ لأن الفهم منة من الله ، قال تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب . ( البقرة : 269 ) .
وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ .
كان داود ذا صوت حنون ، جميل الصوت ، حاضر القلب ؛ فكان إذا قرأ الزبور أو سبح الله ؛ تجاوب معه كل ما حوله ؛ فالجبال تسبح بتسبيحه ؛ والطير تسبح بتسبيحه .
وكنا فاعلين . وكان هذا بفعلنا وقدرتنا ؛ حيث جعلنا ذلك معجزة لداود عليه السلام ؛ أن تسبح الجبال معه ؛ وأن يردد الطير تسبيحه ؛ قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ . ( سبأ : 10 ) .
وكان هذا من فضل الله عليه ؛ أن ترجع وتردد الجبال معه التسبيح ؛ وكذلك الطير ينطق بمثل ما ينطق به ؛ قال تعالى : اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ . ( ص : 17 – 19 ) .
وذلك لطيب صوته بتلاوة الزبور ؛ وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه ، وترد عليه الجبال تأويبا ؛ ولهذا لما مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي موسى الأشعري ، وهو يتلو القرآن من الليل ، وكان له صوت طيب ؛ فوقف واستمع إليه ؛ وقال : لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود )25 .
ونظير الآية قوله تعالى : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . . ( الإسراء : 44 ) .
وقد فهّمنا سليمانَ الحكم الصوابَ وآتيناه الحكمة والعلم جميعا .
وقصة الحكم : أن غنماً رعت في زرع بالليل فأفسدته ، فقضى داود بأن صاحب الزرع يأخذ الغنم مقابل زرعه . فلما علم سليمان بالحكم ، قال : الحكم أن تبقى الغنم مع صاحب الزرع ينتفع بلبنها وصوفها ، ويكلَّف صاحبُ الغنم بأن يحرث الأرض ويزرعها حتى إذا استوى الزرع سلّمه إلى صاحبه واسترد غنمه . وكان هذا الحكم هو الصواب . ولما علم داود بالحكم استحسنه وأمضاه .
وسخّرنا الجبال والطير لداود يسبِّحن معه بتسبيحٍ لا يسمعه البشرَ ، وكنا فاعلين ذلك بقدرتنا . وهذا التسبيح لا نفهمه نحن . وفي سورة الإسراء الآية 45 : { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فعلماؤنا الأقدمون كانوا يقولون إن هذا التسبيح مَجازي ، وذلك لعدم معرفتهم . وكيف يكون مجازياً ، واللهُ تعالى في عدد من الآيات يحدّثنا عن تسبيح الكون والذرّات وكل شيء للخالق العظيم ! !
يقول الدكتور عماد الدين خليل في مجلة العربي العدد 259 رجب 1400 حزيران 1980 .
« وإننا لنقف هنا خاشعين أمام واحد من جوانب الإعجاز القرآني ، تلك المجموعة من الآيات الكريمة التي تحدثنا عن تسبيح الكون والذرات للخالق العظيم ، من سورة الحشر والصف والإسراء . . . . إن التسبيح ها هنا لا يقتصر على كون الذرات والأجسام الفضائية تخضع للنواميس التي وضعها الله فيها ، فهي تسبّح بحمد الله سبحانه ، فهنالك
ما هو أبعد من هذا وأقرب إلى مفهوم التسبيح الحي أو التقديس الواعي . إن هذه الأشياء المادية تملك أرواحا ، وهي تمارس تسبيحها وتقديسها بالروح وربما بالوعي الذي
لا نستطيع استيعاب ماهيته . وإن هذا ليقودنا إلى مقولة ( اوينقتون ) : ان مادّة العالم هذه مادة عقلية ، كما يقودنا إلى الآية الكريمة { ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . . . } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.