تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (14)

المفردات :

نصارى : جمع نصران ، كندمان وندامى ، ولم يستعمل إلا بياء النسب ، وقد صارت كلمة " نصراني " لقبا لكل من اعتنق المسيحية . قيل : لقبوا أنفسهم بذلك ، على معنى أنهم أنصار الله . وقيل : نسبة إلى الناصرة بلدة بالشام ، استقر بها المسيح بعد رجوع أمه به من مصر إلى الشام .

حظا : نصيبا أو مقدارا .

فأغرينا بينهم العداوة : أي : فألقينا بينهم العداوة .

التفسير :

14- وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ . . . الآية .

أي : ومن الذين ادعوا أنهم أنصار الله ، وسموا أنفسهم بذلك . أخذنا منهم أيضا الميثاق وعلى توحيد الله والإيمان بمحمد رسول الله .

فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ . . أي : فتركوا ما أمروا به في الإنجيل من الإيمان بالأنبياء ونقضوا الميثاق .

فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . أي : ألزمنا وألصقنا بين فرق النصارى العداوة والبغضاء إلى قيام الساعة .

قال ابن كثير : ولا يزالون متباغضين يكفر بعضهم بعضا ، ويلغي بعضهم بعضا ، كل فرقة تمنع الأخرى دخول معبدها .

قال صاحب الظلال : لقد نسى النصارى جانبا من تعاليم السماء ، نسوا الجانب الأساسي فيها ، و هو التوحيد الذي تقوم عليه ، وعند هذا الانحراف كان الخلاف بين طوائف النصارى التي لا تكاد تعد ، إذ إن هنالك فرقا كثيرة صغيرة داخل كل فرقة من الفرق المعلومة الكبيرة :

الأرثوذكس ، والكاثوليك ، والبروتستانت ، والمارون ؛ اليوم ، ومن قبل كان اليعقوبيون ، والملكانيون والنساطرة .

وهذه العداوة التي يشير إليها النص إنما جاءت من انقسام النصارى من قديم إلى فرق ، نشأت من الانحراف عن التوحيد ، وتفرقت بها السبل ، وهي عداوة حقيقية شهدتها المسيحية منذ القرن الأول للميلاد ، وكانت على أشدها بين الملكانية واليعاقبة والنساطرة ، وهي اليوم على أشدها بين الفرق القائمة فلا يكاد الإنسان يتصور العداء الذي بين الكاثوليك والبروتستانت ، أو بينهم وبين الأرثوذكس أو بين الموارنة والبروتستانت أو سواهم {[188]} .

وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . وسيجازيهم الله- يوم القيامة- بما صنعوا في الدنيا من نكث العهد ، ونقض الميثاق ، وتحريفهم الكتاب الذي أنزل عليهم .


[188]:في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 6/41.
 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (14)

وكما أخذنا ميثاقاً على اليهود أخذنا مثله من النصارى : أن يؤمنوا بالإنجيل وبالوحدانية ، والثبات على طاعتنا وأداء فرائضنا ، واتباع رسلنا والتصديق بهم . لكن هؤلاء أيضاً تخلّوا عن كثيرا مما أُمروا به في الإنجيل الحقيقي . فعاقبهم الله على ذلك بإثارة العداوة والخصومة بينهم ، وهذه المشاهد والحوادث تثبت هذه العداوة . وأكبر دليل على ذلك ما يجري اليوم من قتال مرير في ايرلندا الشمالية بسبب التعصب الديني والطائفي . وفي كل الدول التي تدّعي المدنيّة ممن يدين بالنصرانية ، لا تدخل طائفةٌ كنيسة الطائفة الأخرى حتى هذا اليوم . ولا يصلّون إلا في كنائسهم ، ولا يتزاوجون إلا نادراً ، ويكون الزواج مدنياً في أغلبِ الأحيان . وسوف يخبركم الله يوم القيامة بما كانوا يعملون .