اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} (14)

قوله سبحانه : { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى } الآية .

في قوله : { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ } خمسَة أوْجه :

أظهرها : [ أنَّ " مِنَ " ]{[11252]} مُتعلِّق بقوله : " أخَذْنَا " ، والتَّقدير الصَّحيح فيه أنْ يُقال : تقديره : وأخْذَنا مِن الذين قالُوا : إنَّا نَصَارى ميثاقَهُمْ ، فَتُوقعُ " الَّذِين " بعد " أخَذْنَا " وتُؤخر عنهم " ميثاقَهُمْ " ، ولا يجُوز أن تُقدِّر : " وأخَذْنَا مِيثاقَهُمْ " مِن " الَّذين " فيتقدَّم " ميثاقُهم " على " الذيِن قَالُوا " .

وإن كان ذَلِكَ جَائِزاً من حيث كَوْنِهمَا مَفْعُولَيْنِ ، كلٌّ منهما جَائِز التَّقْديم والتَّأخير ؛ لأنَّه يلزم عَوْدُ الضَّمير على مُتَأخِّر لَفْظاً ورتْبة وهو لا يجُوز إلا في مَوَاضِع مَحْصُورة ، نصَّ على ذَلِك جماعة{[11253]} منهم مَكِّي{[11254]} وأبُو البَقَاء{[11255]} .

والثاني : أنَّهُ متعلِّق بمَحْذُوف على أنَّهُ خبر لمُبْتَدأ مَحْذُوف ، قامت صِفَتُهُ مقامَهُ ، والتَّقْدِير : { وَمِنَ الَّذِين قالُوا إِنَّا نَصَارى قَوْمٌ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ } ، فالضَّمير في " مِيثَاقَهُم " يعودُ على ذلك المَحْذُوف .

والثالث : خَبرٌ مقدَّم - أيضاً - ولكن قَدَّرُوا المُبْتدأ مَوْصُولاً حُذِف ، وبقيت [ صِلَتُه ]{[11256]} والتقدير : ومِن الَّذِين قالوا : إنَّا نَصَارَى مَنْ أخذْنَا ميثَاقَهُم فالضمير في " مِيَثاقَهُم " عائد على " مِنْ " ، والكوفِيُّون يُجِيزُونَ حذفَ الموصول ، وقد تقدم لنا معهم البَحْثُ في ذلك ، ونقل مَكِّي{[11257]} مذهب الكُوفيِّين هذا ، [ وقدَّره عندهم : " ومن الذين قالوا إنَّا نصارى من أخذنا " ]{[11258]} ، وهذا التَّقدير لا يُؤخَذُ مِنْه أنَّ المحذوف مَوْصُولٌ فقط ، بل يَجُوز أن تكون " مِنْ " المُقَدَّرة نكرةٌ موصُوفَةٌ حذفت وَبقِيَت صِفَتُها ، فيكون كالمَذْهَبِ الأوَّل .

الرابع : أن تتعلَّق " من " ب " أخذنا " كالوجه الأوَّل ، إلا أنَّه لا يلْزَمُ فيه ذلك التَّقْدير ، وهو أن توقع " من الَّذين " بعد " أخذنا " وقبل : " مِيثَاقَهُم " ، بل يجُوزُ أن يكون التَّقْدير على العَكْسِ ، بمعنى : أنَّ الضَّمير في " مِيثاقَهُم " يعود على بَني إسْرائيل ، ويكون المَصْدَرُ من قوله : " مِيثَاقَهُم " مصدراً تشبيهيًّا ، والتَّقْدير : أخذنا من النَّصَارى مِيثَاقاً مثل مِيثاق بَنِي إسْرَائيل ، كقَوْلك : أخَذْتُ من زيد ميثاقَ عَمْرو ، أي [ ميثاقاً مثل ميثاق عمرو ]{[11259]} ، وبهذا الوَجْه بدأ الزَّمَخْشَري ، فإنَّه قال : أخَذْنَا من النَّصَارى مِيثَاق من ذكر قَبْلَهم من قَوْم مُوسَى ، أي : مِثْل مِيثَاقِهم بالإيمَان باللَّه والرُّسُل .

والخامس : أن " مِن الَّذين " معطوفٌ على " مِنْهُم " في قوله : { وَلاَ تَزَال تطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مِنْهُم } أي : من اليَهُود [ والمعنى : ولا تزال تَطَّلِع على خَائِنَةٍ من اليَهُودِ ]{[11260]} ، ومن الذين قالوا إنَّا نَصَارَى ، ويكون قوله : " أخَذْنَا مِيثَاقَهُم " على هذا مُسْتأنفاً ، وهذا يَنْبَغِي ألاَّ يَجُوز لِوَجْهَيْن :

أحدهما : الفَصْلُ غير المُغْتَفَر .

والثاني : أنَّه تهيئَةٌ{[11261]} للعامِل في شيء ، وقَطْعه عنه ، وهو لا يَجُوز .

فصل

إنما{[11262]} قال : { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى } ولم يقل : " ومن النَّصارى " ؛ لأنَّهم سمُّوا أنْفُسَهم بهذا الاسْمِ ادَّعاءً لِنُصْرة الله ، بِقَوْلهم لعيسى : { نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ } [ آل عمران : 52 ] ، وليسوا مَوْصُوفِين بِهِ .

قال الحسن : فيه دَلِيلٌ على أنَّهُم نَصَارى بتَسْمِيَتِهِم لا بتَسْمِيَة اللَّه{[11263]} وقيل : أراد بِهِم اليَهُود والنَّصارى ، فاكْتَفَى بذكر أحدهما{[11264]} ، والصَّحيح الأوَّل ، والمراد ب " مِيثَاقَهُم " أنَّه مكتُوب في الإنْجِيل أن يُؤمِنُوا بِمُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - { فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } وذلك الحَظُّ هو الإيمانُ بمحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وتنكير " الحَظّ " يدلُّ على أنَّ المراد به حَظٌّ واحد ، وهو الإيمانِ بِمُحَمَّد ، وإنما خَصَّ هذا الواحد بالذِّكْر مع أنَّهُم تَرَكُوا كثيراً ممَّا أمرهم به ، لأنَّ هذا هو المُهِمُّ الأعْظَم .

وقوله : { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } بالأهواء المختلفة والجِدَال في الدِّين ، فقيل : بَيْن اليَهُود والنَّصَارى ، وقيل : بين فِرَقِ النَّصَارى ، وأن{[11265]} بعضهم يُكَفِّر بَعْضاً إلى يوم القِيَامة .

وقوله : { وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وعيد لهم .

قوله : " بَيْنَهُمْ " فيه وجهان :

أحدهما : أنَّه ظَرْف ل " أغْرَيْنَا " .

والثاني : أنَّهُ حال من " العَدَاوَةِ " ، فيتعلَّق بِمَحْذُوف ، ولا يَجُوز أن يَكُون ظَرْفاً لِلْعَدَاوةَ ؛ لأنَّ المصدر لا يتقدَّم مَعْمُولُه عليه .

و { إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ } أجاز فيه أبُو البَقَاء{[11266]} أن يتعلَّق ب " أغْرَيْنَا " ، أو ب " العَدَاوة " أو ب " البَغْضَاء " أي : أغرينا إلى يَوْمِ القيامة [ بينهم العداوة والبغضاء ، أو أنهم يتعادون إلى يوم القيامة ]{[11267]} أو يتباغضُون إلى يومِ القيامة .

وعلى ما أجَازَهُ أبو البَقَاء أن تكون المَسألَةُ من باب الإعْمَال ، ويكون قد وجد التَّنَازع بين ثلاثةِ عوامِلٍ ، ويكون من إعْمَال الثَّالِث للحَذْفِ من الأوَّل والثَّاني ، وتقدَّم تَحْرِير ذلك .

و " أغْرَيْنَا " من أغْرَاه بكذا أي : ألزمه إياه ، وأصْلُه من الغِرَاء الذي يُلْصَقُ به ، ولامُهُ وَاوٌ [ فالأصلُ ]{[11268]} أغْرَوْنَا ، وإنما قلبت الواوُ ياءً ؛ لوقوعها رابعَةٌ [ ك " أغْوَيْنَا " ، ]{[11269]} ، ومنه قولهم : سَهْمٌ مغروٌّ أي : معمول بالغِرَاء ، يقال : غَرِيَ بكذا يغْرى غَرًى وغرَاء ، فإذا أريد تَعْدِيته عُدِّي بالهمزة ، فقيل : أغْرَيْتُه بكذا .

والضمير في " بَيْنَهُم " يحتمل أن يعُود على { الَّذين قَالُوا : إِنَّا نصارى } ، وأن يعود على اليَهُود المتقدمين الذِكْر ، وبكلٍّ قال جماعَةٌ كَمَا [ قَدَّمْنَا ]{[11270]} وهذا الكلامُ مَعْطُوفٌ على الكلام قَبْلَه من قوله : { وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي : ولقد أخَذَ الله ميثاقَ بني إسْرَائيل ، وأخَذْنا من الَّذين قالوا .


[11252]:في أ: أنه.
[11253]:في أ: الجماعة.
[11254]:ينظر: المشكل 1/223.
[11255]:ينظر: الإملاء 1/211.
[11256]:سقط في أ.
[11257]:ينظر: المشكل 1/223.
[11258]:سقط في أ.
[11259]:سقط في أ.
[11260]:سقط في أ.
[11261]:في أ: لهيئة.
[11262]:في أ: أنها.
[11263]:ينظر: تفسير البغوي 2/22.
[11264]:في أ: أخذتم.
[11265]:في ب: فإن.
[11266]:ينظر: الإملاء 1/211.
[11267]:سقط في أ.
[11268]:سقط في أ.
[11269]:في أ: فأغرينا.
[11270]:في أ: قد قبلوا.