تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ} (47)

43

المفردات :

على تخوف : أي : على خوف ووجل من العذاب .

التفسير :

{ أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم } .

التخوف في اللغة : يأتي مصدر تخوف القاصر ، بمعنى : خاف ، ويأتي مصدر تخوف المتعدي بمعنى : تنقص ، وهذا الثاني لغة هذيل .

والمعنى على الأول :

أو يأخذهم وهم في حالة خوف ، وتوقع نزول العذاب بهم ، كما نزل بالذين من قبلهم .

قال ابن كثير : فإنه يكون أبلغ وأشد ؛ فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد .

والمعنى على الثاني :

أو يأخذهم وهم في حالة تنقص في أنفسهم ، وأموالهم ، وأولادهم حتى يهلكوا ؛ فيكون هلاكهم قد سبقه الفقر والقحط والمرض .

جاء في تيسير التفسير :

أو التخوف : التنقص ، بمعنى : إهلاكهم كلهم ، لكن قوما بعد قوم ، ومالا بعد مال ، حتى يأتي على الكل .

قال عمر رضي الله عنه على المنبر : ما المراد بالتخوف ؟ ، فقال شيخ من هذيل : التخوف : التنقص في لغتنا ، فقال : هل تعرفه الشعراء ؟ قال نعم : قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقته :

تخوف الرجل منها تامكا قًََِِردًا *** كما تخوف عود النبعة السَّفن

فقال عمر : عليكم بديوانكم ، لا تضلوا ، أي : في تفسير القرآن ؛ قالوا وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهلية ؛ فإن فيه تفسير كتابكم ، ومعاني كلامكم35 .

{ فإن ربكم لرءوف رحيم } .

إذ أمهلهم فيزداد عذرهم قطعا ، وقد يؤمن بعضهم ، والآيات في جملتها تهديد للكافرين ، من التمادي في كفرهم ؛ حتى لا يتعرضوا لعذاب الله تعالى ، وذكرت ألوانا من العذاب ، منها : الخسف ، وعذاب الفجاءة ؛ كالزلازل والصواعق ، أو القحط والأمراض ، فتنقص ثرواتهم وأموالهم وأولادهم ، ثم يصيبهم الهلاك وهم في نقص وضعف ، وتخوف من الهلاك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ} (47)

" أو يأخذهم على تخوف " قال ابن عباس ومجاهد وغيرهم : أي على تنقص من أموالهم ومواشيهم وزروعهم . وكذا قال ابن الأعرابي : أي على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم كلهم . وقال الضحاك : هو من الخوف ، المعنى : يأخذ طائفة ويدع طائفة ، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها . وقال الحسن : " على تخوف " أن يأخذ القرية فتخافه القرية الأخرى ، وهذا هو معنى القول الذي قبله بعينه ، وهما راجعان إلى المعنى الأول ، وأن التخوف التنقص ، تخوفه تنقصه ، وتخوفه الدهر وتخونه - بالفاء والنون – بمعنى ، يقال : تخونني فلان حقي إذا تنقصك . قال ذو الرمة :

لا ، بل هو الشوقُ من دارٍ تخَوَّنها *** مَرًّا سحابٌ ومرًّا بارحٌ تَرِبُ{[9876]}

وقال لبيد :

تخَوَّنَها نزولي وارتحالي{[9877]}

أي تنقص لحمها وشحمها . وقال الهيثم بن عدي : التخوف " بالفاء " التنقص ، لغة لأزد شنوءة . وأنشد :

تخوَّف غدرُهم مالي وأهدى*** سلاسلَ في الحلوق لها صليل

وقال سعيد بن المسيب : بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : يا أيها الناس ، ما تقولون في قول الله عز وجل : " أو يأخذهم على تخوف " فسكت الناس ، فقال شيخ من بني هذيل : هي لغتنا يا أمير المؤمنين ، التخوف التنقص . فخرج رجل فقال : يا فلان ، ما فعل دينك ؟ قال : تخوفته ، أي تنقصته ، فرجع فأخبر عمر فقال عمر : أتعرف العرب ذلك في أشعارهم ؟ قال نعم ، قال شاعرنا أبو كبير{[9878]} الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تَمْكه واكتنازه :

تخوّف الرحلُ منها تامِكًا قَرِدًا *** كما تخوَّف عودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ{[9879]}

فقال عمر : يا أيها الناس ، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم . تَمَك السنام يَتْمِكُ تَمْكًا ، أي طال وارتفع ، فهو تامك . والسفن والمسفن ما يُنجر به الخشب . وقال الليث بن سعد : " على تخوف " على عجل . وقال : على تقريع بما قدموه من ذنوبهم ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا . وقال قتادة : " على تخوف " أن يعاقب أو يتجاوز . " فإن ربكم لرؤوف رحيم " أي لا يعاجل بل يمهل .


[9876]:البارح: الريح الحارة في الصيف التي فيها تراب كثير.
[9877]:هذا عجز البيت، وصدره كما في اللسان: عذافرة تقمص بالرُّدافَى
[9878]:كذا في جميع الأصول، والذي في اللسان أنه لابن مقبل وقيل: لذي الرمة.
[9879]:القرد: معناه هنا: المتراكم بعضه فوق بعض من السمن. والنبعة: شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسي.