تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ} (34)

{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 ) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( 35 ) } .

34

التفسير :

34 - وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .

الأمة : الجماعة على مذهب واحد .

المنسك : بكسر السين وفتحها ، والنسك في الأصل العبادة مطلقا ، وشاع استعماله في أعمال الحج ، والمراد به هنا : الذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه تعالى .

أسلموا : انقادوا له .

المخبتين : المطيعين الخاشعين المتواضعين .

أي : لكل أمة من الأمم من عهد إبراهيم إلى الآن ؛ ولكل دين من الأديان السابقة ، جعلنا لأهله ذبحا يذبحونه تقربا إلى الله تعالى ، وذلك ليس خاصا بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ وإنما هو في كل الملل . والصحيح كما قال ابن العربي : أن المنسك ما يرجع إلى العبادة والتقرب ، أي : جعلنا لأهل كل ذي دين منسكا وسبيلا وطريقا في العبادة والتقرب إلى الله تعالى .

لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .

أي : شرعنا لهم سنة ذبح الأنعام ؛ لكي يذكروا اسم الله حين الشروع في ذبحها ؛ ويشكروه على نعمه التي أنعم بها عليهم ، وينبغي أن يكون الذبح خالصا لوجهه تعالى .

قال ابن كثير :

يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل .

روى الإمام أحمد وابن ماجة ، عن زيد بن أرقم قال : قلت : يا رسول الله ، ما هذه الأضاحي ؟ قال : ( سنة أبيكم إبراهيم ، قالوا : ما لنا منها ؟ قال : بكل شعرة حسنة )xxii .

وفي الصحيحين عن أنس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أملحين أقرنين ، فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهماxxiii .

فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ .

فربكم أيها الناس ومعبودكم إله واحد في ذاته ، وفي ألوهيته ، فأخلصوا له العبادة واستسلموا لحكمه ، وانقادوا له في جميع ما كلفكم به .

وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ .

أي : بشر المتواضعين المطيعين بجنات النعيم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ} (34)

قوله تعالى : " ولكل أمة جعلنا منسكا " لما ذكر تعالى الذبائح بين أنه لم يخل منها أمة ، والأمة القوم المجتمعون على مذهب واحد ، أي ولكل جماعة مؤمنة جعلنا منسكا . والمنسك الذبح وإراقة الدم ، قاله مجاهد . يقال : نسك إذا ذبح ينسك نسكا . والذبيحة نسيكة ، وجمعها نسك ، ومنه قوله تعالى : " أو صدقة أو نسك " {[11510]}[ البقرة : 196 ] . والنسك أيضا الطاعة . وقال الأزهري في قوله تعالى : " ولكل أمة جعلنا منسكا " : إنه يدل على موضع النحر في هذا الموضع ، أراد مكان نسك . ويقال : منسك ومنسك ، لغتان ، وقرئ بهما . قرأ الكوفيون إلا عاصما بكسر السين ، الباقون بفتحها . وقال الفراء : المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر . وقيل مناسك الحج لترداد الناس إليها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي . وقال ابن عرفة في قوله " ولكل أمة جعلنا منسكا " : أي مذهبا من طاعة الله تعالى ، يقال : نسك نسك{[11511]} قومه إذا سلك مذهبهم . وقيل : منسكا عيدا ، قاله الفراء . وقيل حجا ، قاله قتادة . والقول الأول أظهر ؛ لقوله تعالى : " ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " ي على ذبح ما رزقهم . فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له ؛ لأنه رازق ذلك . ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه : فالإله واحد لجميعكم ، فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له .

قوله تعالى : " فله أسلموا " معناه لحقه ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلموا . ويحتمل أن يريد الاستسلام ، أي له أطيعوا وانقادوا . " وبشر المخبتين " المخبت : المتواضع الخاشع من المؤمنين . والخبت ما انخفض من الأرض ، أي بشرهم بالثواب الجزيل . قال عمرو بن أوس : المخبتون الذين لا يظلمون ، وإذا ظلموا لم ينتصروا{[11512]} . وقال مجاهد فيما روى عنه سفيان عن ابن أبي نجيح : المخبتون المطمئنون بأمر الله عز وجل .


[11510]:راجع ج 2 ص 365 فما بعد.
[11511]:مثلثة النون، وبضمتين.
[11512]:الانتصار: الانتقام.