3 - الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
وردت روايات عدة في سبب نزول هذه الآية ، ولا يبعد أن يكون هناك أكثر من سبب لنزول الآية ، فقد ذكر العلماء أنه إذا تعددت أسباب النزول ، وفيها الصحيح والضعيف ، أخذنا بالصحيح وتركنا الضعيف .
وإذا تعددت أسباب النزول وكلها صحيح ، وأمكن الجمع بينها لتقارب حدوثها ، حملنا ذلك على تعدد السبب والنازل واحد ، وهذه ثلاث روايات في سبب نزول الآية :
1 . روى الترمذي ، وأبو داود ، والنسائي ، عن عمر بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال :
كان رجل يقال له : مرثد بن أبي مرثد الغنوى ، وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة ، قال : وكانت امرأة بغى بمكة ، يقال لها : عناق ، وكانت صديقة له في الجاهلية ، وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة ، قال : فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط ، فلما انتهت إلي عرفتني ، فقالت : مرثد ؟ فقلت : ثريد . فقالت : مرحبا وأهلا ، هلم فبت عندنا الليلة ، فقلت : يا عناق حرم الله الزنا ، فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم . قال : فتبعني ثمانية ، ودخلت الحديقة فانتهيت إلى غار ، أو كهف ، فدخلت فيه ، فجاءوا حتى أقاموا على رأسي ، فبالوا فظل بولهم على رأسي ، فأعماهم الله عني ، ثم رجعوا ، فرجعت إلى صاحبي ، فحملته وكان رجلا ثقيلا ، حتى انتهيت إلى الأذخر ، ففككت عنه أحبله ، فجعلت أحمله ويعينني ، حتى أتيت به المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : يا رسول الله : أنكح عناقا ؟ أنكح عناقا ؟ مرتين ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرد علي شيئا : حتى نزل : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . . . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا مرثد ، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها )40 .
2 . وروى النسائي ، وأحمد ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :
كانت امرأة يقال لها : أم مهزول ، وكانت تسافح – أي : تحترف البغاء – فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوجها ، واشترطت له أن تنفق عليه ، فأنزل الله – عز وجل – هذه الآية41 .
3 . روي أنها نزلت في جماعة من فقراء المهاجرين ، استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التزوج ببغايا من الكتابيات والإماء ، اللاتي كن بالمدينة ، فأنزل الله فيهم هذه الآية42 .
الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . . .
وللمفسرين في معنى هذه الآية أقوال شتى :
الخبيث الذي من شأنه الزنا ، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء ، وإنما يرغب في خبيثة من شكله ، أو في مشركة .
والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال ، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين ، فالآية تزهيد في نكاح البغايا ، إذ الزنا عديل الشرك في القبح ، والإيمان قرين العفاف والتحصين ، وهو نظير قوله : الخبيثات للخبيثين . ( النور : 26 ) .
إن الكلام نهي جيء به في صورة الخبر للمبالغة ، ويؤيده قراءة عمر بن عبيد : لا ينكح . بالجزم ، ويكون التحريم على ظاهره ، والإشارة إلى النكاح المفهوم من الفعل ، وكان الحكم كذلك في صدر الإسلام ثم نسخ ، قال سعيد بن المسيب : كان الحكم عاما في الزناة ألا يتزوج أحدهم إلا زانية ، ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك يقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم . . . ( النور : 32 ) . والزانية من أيامى المسلمين ، وبهذا القول قال مجاهد ، والشافعي ، والجبائي ، وغيرهم43 .
قال ابن عمر : دخلت الزانية في أيامى المسلمين . وقال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عليه أكثر العلماء44 .
3 – ذهب الإمام أحمد إلى أن زواج الزاني المعروف بالفسوق باطل غير صحيح ، ولا يجوز نكاحه حتى يتوب ، وقد رجح ابن تيمية رأى الإمام أحمد .
وقال ابن تيمية : يدل قوله تعالى : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . على أن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة ، وأن ذلك حرام على المؤمنين ، وليس هذا لمجرد كونه فاجرا ، بل لخصوص كونه زانيا ، وكذلك في المرأة ليس لمجرد فجورها بل لخصوص زناها ، بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانيا ، كما جعل الرجل زانيا إذا تزوج زانية ، هذا إذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنا ، وإذا كانا مشركين فينبغي أن يعلم ذلك ، ومضمونه أن الرجل الزاني لا يجوز نكاحه حتى يتوب ، وذلك بأن يوافق اشتراطه الإحصان ، والمرأة إذا كانت زانية لا تحصن فرجها عن غير زوجها ، بل يأتيها هو وغيره ، وإذا كان الزوج زانيا هو وغيره يشتركون في وطئها كما يشترك الزناة في المرأة الواحدة ، ولهذا يجب عليه نفي الولد الذي ليس منه ، فمن نكح زانية فهو زان ، أي تزوجها ، ومن نكحت زانيا فهي زانية ، أي تزوجته ، فإن كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم على الزواني ، فتكون المرأة خدنا وخليلا له لا يأتي غيرها ، فالرجل إذا كان زانيا لا يعف امرأته ، وإذا لم يعفها تشوقت هي إلى غيره فزنت به ، كما هو الغالب على نساء الزواني ، أو من يلوط بالصبيان ، فإن نساءه يزنين ليقضين أربهن ووطرهن ، ويراغمن أزواجهن بذلك ، حيث لم يعفوا أنفسهم عن غير أزواجهم ، فهن أيضا لم يعففن أنفسهن عن غير أزواجهن ، ولهذا يقال : ( عفوا تعف نساؤكم وأبناؤكم ، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم ) وكما تدين تدان .
ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها ، فإن الرجل إذا رضى أن ينكح زانية ، رضى أن تزني امرأته ، والله تعالى قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة ، فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر ، فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيا ؛ فقد رضيت عمله ، وكذلك إن رضى الرجل أن ينكح زانية ؛ فقد رضى عملها ، ومن رضى الزنا كان بمنزلة الزاني ، فإن أصل الفعل هو الإرادة ، ولهذا جاء في الأثر : ( من غاب عن معصية فرضيها ؛ كان كمن شهدها أو فعلها ) .
وفي الحديث : ( المرء على دين خليله )45 وأعظم الخلة خلة الزوجين46 .
وفي الغالب أن الرجل لا يزني بغير امرأته إلا إذا أعجبه ذلك الغير ، فلا يزال يزني بمن يعجبه ، وتبقى امرأته بمنزلة المعلقة ، التي لا هي أيم ولا ذات زوج ، فيدعوها بذلك إلى الزنا ، ويكون الباعث لها على ذلك مقابلة زوجها على وجه القصاص ، مكايدة له ومغايظة ، فإنه لم يحفظ غيبتها لم تحفظ غيبته ، ولها في بضعه حق ، كما له في بضعها حق ، فإن كان من العادين ، لخروجه عما أباح الله لم يكن أحصن نفسه ، وأيضا فإن داعية الزنا تشتغل بمن يختاره من البغايا ، فلا تبقى داعيته إلى الحلال تامة ، ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة ، فتكون عنده كالزانية المتخذة خدنا ، وهذه معان شريفة لا ينبغي إهمالها47 .
4 – جاء في تفسير القرطبي ما يأتي :
روى أن رجلا زنى بامرأة في زمن أبي كر – رضي الله عنه – فجلدهما مائة جلدة ، ثم زوج أحدهما من الآخر ، ونفاهما سنة ، وروى مثل ذلك عن عمر ، وابن مسعود ، وجابر – رضي الله عنهم – وقال ابن عباس : أوله سفاح وآخره نكاح . ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائط ثمرة ، ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمرة ، فما سرق حرام وما اشترى حلال ، وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة ورأوا أن الماء لا حرمة له48 .
وروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال : إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك ؛ فهما زانيان أبدا ، وبهذا أخذ مالك – رضي الله عنه – فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد ، لأن النكاح له حرمة ، ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح ، فيختلط الحرام بالحلال ، ويمتزج ماء المهانة بماء العزة49 .
5 – بدأت الآية هنا بالحديث عن الزاني ، وفي الآية السابقة بدأت بالحديث عن الزانية .
لأن الآية الثانية من سورة النور تتكلم عن حد الزناة ، والزنا من المرأة أشنع ، لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب وغيره ، فقال : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مائَةَ جَلْدَةٍ . . .
أما الآية الثالثة فتتحدث عن الزواج ، والرجل فيه هو الأصل ، لأن إبداء الرغبة والتماس النكاح بالخطبة ، إنما يكون من الرجل لا من المرأة في مجرى العرف والعادة ، فبدأت الآية بالزاني لا بالزانية ، حيث قالت : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
ومقصود الآية أن الفجار الذين يظهرون فجورهم ويعلنون خلاعتهم في المجتمع ، ليس الميل إليهم والاتصال بهم بصلة النكاح ، إلا ذنبا يجب أن يجتنبه أهل الإيمان ، لأن ذلك مما يشجع الفجار ، إذ إن الشريعة تريد أن تجعلهم في المجتمع عنصرا قبيحا يعافه الناس ، وكذلك ليس معنى الآية أن نكاح الزاني المسلم لامرأة مشركة ، أو نكاح الزانية المسلمة لرجل مشرك ، صحيح ، وإنما معنى الآية : أن الزنا فعل شنيع ، إذا ارتكبه أحد مع كونه مسلما ، لا يجدر بأن يرتبط بالصالحين الأعفاء ، من أفراد المجتمع ، بل عليه أن يرتبط إما بأمثاله من الزناة والفجار ، أو بالمشركين الذين لا يعتقدون أصلا بالأحكام الإلهية50 .
الأولى- :اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أوجه من التأويل : الأول : أن يكون مقصد الآية تشنيع الزنى وتبشيع أمره ، وأنه محرم على المؤمنين . واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ . ويريد بقوله " لا ينكح " أي لا يطأ ، فيكون النكاح بمعنى الجماع . وردد القصة مبالغة وأخذا كلا الطرفين ، ثم زاد تقسيم المشركة والمشرك من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنى ، فالمعنى : الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين ، أو من هي أحسن منها من المشركات . وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء . وأنكر ذلك الزجاج وقال : لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج . وليس كما قال ، وفي القرآن " حتى تنكح زوجا غيره " [ البقرة : 230 ] وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بمعنى الوطء ، وقد تقدم في " البقرة " {[11761]} . وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ، ولكن غير مخلص ولا مكمل . وحكاه الخطابي عن ابن عباس ، وأن معناه الوطء أي لا يكون زنى إلا بزانية ، ويفيد أنه زنى في الجهتين ، فهذا قول . الثاني : ما رواه أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة ، وكان بمكة بغي يقال لها : عناق وكانت صديقته ، قال : فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، أنكح عناق ؟ قال : فسكت عني ، فنزلت " والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك " ، فدعاني فقرأها علي وقال : ( لا تنكحها ) . لفظ أبي داود ، وحديث الترمذي أكمل . قال الخطابي : هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة ، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ . الثالث : أنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضا استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها أم مهزول ، وكانت من بغايا{[11762]} الزانيات ، وشرطت أن تنفق عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، قاله عمرو بن العاصي ومجاهد . الرابع : أنها نزلت في أهل الصفة وكانوا قوما من المهاجرين ، ولم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا صفة المسجد وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل ، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور ، مخاصيب بالكسوة والطعام ، فهم أهل الصفة أن يتزوجوهن فيأووا إلى مساكنهن ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن ، فنزلت هذه الآية صيانة لهم عن ذلك ، قاله ابن أبي صالح . الخامس : ذكره الزجاج وغيره عن الحسن ، وذلك أنه قال : المراد الزاني المحدود والزانية المحدودة ، قال : وهذا حكم من الله فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة . وقال إبراهيم النخعي نحوه . وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله ) . وروى أن محدودا تزوج غير محدودة ففرق علي رضي الله عنه بينهما . قال ابن العربي : وهذا معنى لا يصح نظرا كما لم يثبت نقلا ، وهل يصح أن يوقف نكاح من حد من الرجال على نكاح من حد من النساء فبأي أثر يكون ذلك ، وعلى أي أصل يقاس من الشريعة .
قلت : وحكى هذا القول الكيا عن بعض أصحاب الشافعي المتأخرين ، وأن الزاني إذا تزوج غير زانية فرق بينهما لظاهر الآية . قال الكيا : وإن هو عمل بالظاهر فيلزمه عليه أن يجوز للزاني التزوج بالمشركة ، ويجوز للزانية أن تزوج نفسها من مشرك ، وهذا في غاية البعد ، وهو خروج عن الإسلام بالكلية ، وربما قال هؤلاء : إن الآية منسوخة في المشرك خاص دون الزانية .
السادس : أنها منسوخة ، روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك " قال : نسخت هذه الآية التي بعدها " وأنكحوا الأيامى منكم " {[11763]} [ النور : 32 ] ؛ وقاله ابن عمرو ، قال : دخلت الزانية في أيامى المسلمين . قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عليه أكثر العلماء . وأهل الفتيا يقولون : إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها . وهو قول ابن عمر وسالم وجابر بن زيد{[11764]} وعطاء وطاوس ومالك بن أنس وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وقال الشافعي : القول فيها كما قال سعيد بن المسيب ، إن شاء الله هي منسوخة . قال ابن عطية : وذكر الإشراك في هذه الآية يضعف هذه المناحي . قال ابن العربي : والذي عندي أن النكاح لا يخلو أن يراد به الوطء كما قال ابن عباس أو العقد ، فإن أريد به الوطء فإن معناه : لا يكون زنى إلا بزانية ، وذلك عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة زنى من الجهتين ، ويكون تقدير الآية : وطء الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك ، وهذا يؤثر عن ابن عباس ، وهو معنى صحيح . فإن قيل : فإذا زنى بالغ بصبية ، أو عاقل بمجنونة ، أو مستيقظ بنائمة فإن ذلك من جهة الرجل زنى ، فهذا زان نكح غير زانية ، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدم . قلنا : هو زنى من كل جهة ، إلا أن أحدهما سقط فيه الحد والآخر ثبت فيه . وإن أريد به العقد كان معناه : أن متزوج الزانية التي قد زنت ودخل بها ولم يستبرئها يكون بمنزلة الزاني ، إلا أنه لا حد عليه لاختلاف العلماء في ذلك . وأما إذا عقد عليها ولم يدخل بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعا . وقيل : ليس المراد في الآية أن الزاني لا ينكح قط إلا زانية إذ قد يتصور أن يتزوج غير زانية ، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان ، فكأنه قال : لا ينكح الزانية إلا زان فقلب الكلام ، وذلك أنه لا ينكح الزانية إلا وهو راض بزناها ، وإنما يرضى بذلك إذا كان هو أيضا يزني .
الثانية-في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح . وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته ، وهذا على أن الآية منسوخة . وقيل إنها محكمة ، وسيأتي . الثالثة-روي أن رجلا زنى بامرأة في زمن أبي بكر رضي الله عنه فجلدهما مائة جلدة ، ثم زوج أحدهما من الآخر مكانه ، ونفاهما سنة . وروي مثل ذلك عن عمر وابن مسعود وجابر رضي الله عنهم . وقال ابن عباس : أوله سفاح وآخره نكاح . ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائط ثمرة ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمرة فما سرق حرام وما اشترى حلال{[11765]} . وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة ، ورأوا أن الماء لا حرمة له . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبدا . وبهذا أخذ مالك رضي الله عنه ، فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد ؛ لأن النكاح له حرمة ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح ، فيختلط الحرام بالحلال ويمتزج ماء المهانة بماء العزة .
الرابعة-قال ابن خويز منداد : من كان معروفا بالزنى أو بغيره من الفسوق معلنا به فتزوج إلى أهل بيت ستر وغرهم من نفسه فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه ، وذلك كعيب من العيوب ، واحتج بقوله عليه السلام : ( لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله ) . قال ابن خويز منداد : وإنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق ، وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره ، فأما من لم يشتهر بالفسق فلا .
الخامسة- قال قوم من المتقدمين : الآية محكمة غير منسوخة ، وعند هؤلاء : من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته ، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها . وقال قوم من هؤلاء : لا ينفسخ النكاح بذلك ، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت ، ولو أمسكها أثم ، ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني ، بل لو ظهرت التوبة فحينئذ يجوز النكاح .
السادسة-قوله تعالى : " وحرم ذلك على المؤمنين " أي نكاح أولئك البغايا ، فيزعم بعض أهل التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة محمد عليه السلام ، ومن أشهرهن عناق{[11766]} .
السابعة-حرم الله تعالى الزنى في كتابه ، فحيثما زنى الرجل فعليه الحد . وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور . وقال أصحاب الرأي في الرجل المسلم إذا كان في دار الحرب بأمان وزنى هنالك ثم خرج لم يحد . قال ابن المنذر : دار الحرب ودار الإسلام سواء ، ومن زنى فعليه الحد على ظاهر قوله " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " [ النور : 2 ] .