2 - الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ .
1 . في هذه الآية بيان لحد الزاني البكر ، وفي السنة الصحيحة بيان لحد الزاني المتزوج وهو الرجم ، وقد بينت الآية وجوب الصرامة في إقامة الحد ، وعدم الرأفة في أخذ الفاعلين بجرمهما ، وعدم تعطيل الحد أو الترفق في إقامته ، تراخيا في دين الله وحقه ، وإقامته في مشهد عام تحضره طائفة من المؤمنين ، فيكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين ونفوس المشاهدين .
2 . في بيان حكم السرقة بدأ الله تعالى بالرجل فقال سبحانه : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . ( المائدة : 38 ) .
وفي بيان حكم الزنا بدأ الله تعالى بالمرأة ؛ لأن السرقة يغلب وقوعها من الرجال وهم عليها أجرا من النساء وأجلد وأخطر فقدموا عليهن لذلك . أما الزنا من المرأة فهو أشد خطرا لما يترتب عليه من فساد الأنساب وتلطيخ فراش الرجل ، وهو عار على عشيرة المرأة وأشد وألزم ، والفضيحة بالحمل منه أظهر وأدوم ؛ فلهذا كان تقديمها على الرجل أهم .
قال القرطبي : قدمت الزانية في هذه الآية حيث كان زنا النساء فاشيا في ذلك الزمان ، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات ، كن مجاهرات بذلك ، وقيل : لأن الزنا في النساء أعر وهو لأجل الحبل أضر ، وقيل : لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب ؛ فصدرها تغليظا لتردع شهوتها ، وإن كان قد ركب فيها حياء ، لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله ، وأيضا : فإن العار بالنساء ألحق ، إذ موضعهن الحجاب والصيانة ، فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما2 .
3 . بدأت دعوة الإسلام ببيان حكم العقيدة والدعوة إلى الإيمان بالله ، ولو بدأت بتحريم الزنا لقال الناس : لا نترك الزنا أبدا ، ولو بدأت بتحريم الخمر لقال الناس : لا نترك الخمر أبدا كما قالت عائشة – رضي الله عنها - : فلما استقر الإيمان في القلوب ؛ بين الله بالتدريج أحكام الحلال والحرام .
وفي الآية الخامسة عشر من سورة النساء ذكر القرآن أن الزنا جريمة اجتماعية أو عائلية .
ثم بين القرآن في سورة النور ، أن الزنا جريمة جنائية ، يجلد الزاني مائة جلدة إذا كان بكرا ، وهناك مواصفات لطريقة الجلد منها : أن يضرب بسوط لا ثمرة فيه ، وأن يكون السوط وسطا ، وأن يوزع الجلد على جسمه لينال الألم كل عضو تمتع باللذة الحرام ، ولا يضرب على وجهه لأنه مجمع المحاسن ، ولا يضرب في فرجه لأنه مقتل .
4 . لقد حرم الزنا في جميع الشرائع ، وبذلت المجتمعات الإنسانية سعيها لسد باب الزنا ، فهو رذيلة من ناحية الأخلاق ، وإثم من ناحية الدين ، وعيب وعار من ناحية الاجتماع ، وهذا أمر مازالت المجتمعات البشرية مجمعة عليه منذ أقدم عصور التاريخ إلى يومنا الحاضر ، ولم يخالفها فيه حتى اليوم إلا شرذمة قليلة من الذين جعلوا عقولهم تابعة لأهوائهم وشهواتهم البهيمية ، ويظنون كل مخالفة للنظام والعرف الجاري اختراعا لفلسفة جديدة .
والعلة في هذا الإجماع العالمي ، أن الفطرة الإنسانية بنفسها تقتضي حرمة الزنا ، لأن التمدن الإنساني لم يتكون إلا بمعاشرة الرجل والمرأة معا ، وإنشائهما أسرة ثم امتداد وشائج النسب والطهر بين تلك الأسرة ، ( فالأسرة هي المحضن الصالح للتربية ، وهي الجو الملائم لتربية الأطفال ، ورعايتهم وتهذيب غرائزهم ، ورعاية نموهم النفسي والبدني والاجتماعي )3 .
وإذا رجعنا إلى تاريخ البشرية الطويل ، رأينا أنه ما من أمة من الأمم فشت فيها الفاحشة ؛ إلا صارت إلى انحلال وهزيمة .
رغم اتفاق الشرائع على أن الزنا رذيلة ، إلا أن بعضها فرق بين الزنا المحض والزنا بزوجة الغير ، فاعتبر الأول خطيئة أو زلة يسيرة ، واعتبر الثاني جريمة مستلزمة للعقوبة .
والزنا المحض عندهم أن يجامع رجل – بكرا كان أو متزوجا – امرأة ليست بزوجة أحد . فالعبرة هنا بحال المرأة ، فإذا كانت غير متزوجة فعقوبة هذه الخطيئة هين جدا في قوانين مصر القديمة وبابل وآشور والهند ، وهذه القاعدة هي التي أخذت بها اليونان والرم ، وبها تأثر اليهود أخيرا ، فهي لم تذكر في الكتاب المقدس لليهود ، إلا كخطيئة يلزم الرجل عليها غرامة مالية لا غير .
فقد جاء في كتاب الخروج : ( وإذا راود رجل عذراء لم تخطب فاضطجع معها يمهرها لنفسه زوجة ، إن أبى أبوها أن يعطيه إياها يزن له فضة كمهر العذارى )4 .
وجاء هذا الحكم بعينه في كتاب الاستثناء بشيء من الاختلاف في ألفاظه ، وبعده التصريح بأنه : ( إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة ، فأمسكها واضطجع معها فوجدا ، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين مثقالا من الفضة ، وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلها )5 . غير أنه إذا زنى أحد ببنت القسيس عوقب بالشنق بموجب القانون اليهودي ، وعوقبت البنت بالإحراق .
6 . إن القوانين الغربية – وهي التي يتبعها معظم بلاد المسلمين في هذا الزمان – إنما تقوم على هذه التصورات المختلفة ، فالزنا في نظرها وإن كان عيبا أو رذيلة خلقية أو ذنبا ، ولكنه ليس بجريمة على كل حال . وإن الشيء الوحيد الذي يحوله إلى جريمة ، هو الجبر والإكراه ، أي : أن يجامع الرجل المرأة بدون رضاها ، أما الرجل المتزوج فإن كان ارتكابه لفعلة الزنا سببا للنزاع والشكوى ، فإنما هو كذلك لزوجته وحدها ، فلها – إن شاءت – أن تطلب من المحكمة تخليصها منه . وأما إذا كانت المرتكبة للزنا امرأة متزوجة ، فإن لزوجها أن يشكوها إلى المحكمة ويطلقها ، بل له أن يشكو إلى المحكمة ذلك الرجل الذي ارتكب الزنا بزوجته وينال منه غرامة مالية .
يقرر الإسلام أن الزنا جريمة مستلزمة للمؤاخذة والعقوبة ، وقد عرف الفقهاء الزنا بأنه : وطء الرجل المرأة في القبل حراما ، كالميل في المكحلة ، أو القلم في الدواة .
وجاء في كتاب الاختيار في الفقه الحنفي ما يأتي : يثبت الزنا بالبينة والإقرار ، والبينة أن يشهد أربعة على رجل أو امرأة بالزنا ، فإذا شهدوا يسألهم القاضي عن ماهيته ، ومكانه وزمانه ، والمزنى بها ، فإذا بينوا ذلك ، وذكروا أنها محرمة عليه من كل وجه ، وشهدوا به كالميل في المكحلة ، والقلم في الدواة ، وعدلوا في السر والعلانية ؛ حكم القاضي عليه بالحد ، وحد الزاني إذا كان محصنا6 الرجم بالحجارة حتى يموت ، يخرج إلى أرض فضاء ، فإن كان ثبت بالبينة يبتدأ بالشهود ثم الإمام ثم الناس ، فإذا امتنع الشهود أو بعضهم لا يرجم ، وإذا ثبت بالإقرار ابتدأ الإمام ثم الناس . وإن لم يكن محصنا فحده الجلد مائة جلدة يضرب بسوط لا ثمرة له ، ضربا متوسطا7 ، يفرقه على أعضائه إلا رأسه ووجهه وفرجه ، ويجرد من ثيابه إلا الإزار ، ولا تجرد المرأة عن الفرو والحشو8 .
نبه القرآن المكي إلى ضرر الزنا وحذر المؤمنين من آثامه ، ومثال ذلك ما نجده في سورة الفرقان : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . ( الفرقان : 68 ) .
ومن سورة الإسراء المكية يقول سبحانه : وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً . ( الإسراء : 32 ) .
وفي السنة الثالثة بعد الهجرة النبوية ، قرر القرآن أن الزنا جريمة مستلزمة للعقوبة ، ولكنه ما كان إذ ذاك جريمة قانونية ، حيث يكون لشرطة الدولة وحكمتها أن تؤاخذ عليها الناس ، وإنما كان بمثابة جريمة اجتماعية أو عائلية لأهل الأسرة أن يعاقبوا من يأتيها منهم بأنفسهم ، وهذا الحكم قد جاء في الآيات : 15 ، 16 ، 17 من سورة النساء . قال تعالى : وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً . ( النساء : 15 – 17 ) .
وفي الآية الأولى إشارة واضحة إلى أن هذا الحكم مؤقت ، وسيأتي الحكم النهائي لحد الزنا في المستقبل ، وهذا الحكم هو الذي نزل بعد سنتين ونصف في سورة النور ، وقد نسخ الحكم السابق ، وجعل الزنا جريمة قانونية مستلزمة لمؤاخذة الشرطة والمحكمة9 .
الحد الذي أشارت إليه الآية الثانية في سورة النور ، إنما هو حد الزاني البكر الذي لم يتزوج ، أما حد الزنا بعد الإحصان والزواج فهو الرجم ، وقد ثبت من السنة الصحيحة بغير واحدة ولا اثنتين من الروايات الصحيحة ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام حد الرجم على الزاني المحصن ، ثم أقامه بعده خلفاؤه الراشدون – رضي الله عنهم – في عهودهم ، وأجمع على ذك الصحابة والتابعون ، حيث لا نكاد نجد لأحد منهم قولا ، يدل على أنه كان في القرن الأول رجل عنده شك في كون الرجم من الأحكام الشرعية الثابتة ، ثم ظل فقهاء الإسلام في كل عصر ومصر ، على كونه سنة ثابتة ، بأدلة متضافرة قوية لا مجال لأحد من أهل العلم أن يشك في صحتها . وقد خالف الجمهور في هذه القضية الخوارج وبعض المعتزلة . فرأوا أن لا عقوبة في الزنا غير مائة جلدة ، للمتزوج وغير المتزوج10 .
ورد في التوراة أن عقوبة الزاني المحصن الرجم ، جاء في سفر التثنية : ( وإذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل بالمدينة فاضطجع معها فأخرجوهما كليهما من المدينة وارجموهما حتى يموتا ، الفتاة من أجل أنها لن تصرخ في المدينة والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه ، فينتزع الشر من المدينة ، ولكن إن وجد الرجل الفتاة المخطوبة في الحقل وأمسكها الرجل واضطجع معها ؛ يموت الذي اضطجع معها وحده ، وأما الفتاة فلا يفعل بها شيء )11 .
11 . وردت أحاديث في صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، تفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام حد الرجم على الزاني المحصن .
أخرج البخاري ، ومسلم : أن أعرابيين أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ، إن ابني كان عسيفا – يعني أجيرا – على هذا فزنى بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى : الوليدة والغنم رد عليك ، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام ، واغد يا أنيس – لرجل من أسلم – إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) فغدا عليها فاعترفت فرجمها12 .
وعن ابن عباس : أن عمر قام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد . . أيها الناس ، فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها ، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى ، إذا أحصن من الرجال ومن النساء ، إذا قامت البينة أو الحمل أو الاعتراف13 .
وفي رواية عنه : ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت14 .
وهناك طرق أخرى لهذه الرواية ، كلها متعددة ومتعاضدة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة ، فنسخت تلاوتها وبقى حكمها معمولا به ، والله أعلم .
وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ماعزا ) و ( الغامدية ) ، ولم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه جلدهما قبل الرجم ، ولهذا كان ذلك مذهب جمهور العلماء ، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي15 - رحمهم الله – وذهب الإمام أحمد إلى أنه يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية والرجم للسنة ، كما روى الإمام أحمد ، وأهل السنن ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( خذوا عني خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم )16 . وقد تمسك الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – بظاهر الآية فلم يجعل التغريب من الحد في شيء ، إنما هو مفوض إلى رأي الإمام وحكمه في ذلك حكم سائر التعزيرات .
وذهب الأئمة : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، والثوري ، والحسن بن صالح ، إلى أن التغريب من تمام الحد ، على تفصيل في ذلك .
12 – روي عن علي – رضي الله عنه – أنه قال في البكرين إذا زنيا : إنهما يجلدان ولا ينفيان ، وأن نفيهما من الفتنة . والأخبار المثبتة للنفي معارضة بغيرها ، وهي بعد لم تخرج عن كونها أخبار آحاد ، فليس بجائز أن تزيد في حكم الآية بهذه الأخبار ، لأنه يوجب النسخ ، خاصة أنه يمكن استعمالها على وجه لا يوجب النسخ في الآية ، ولا يدفع حكم الأخبار ، وذلك بإبقاء الآية على حكمها ، وأن الجلد هو تمام الحد ، وجعل النفي على وجه التعزير ، ويكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى في ذلك الوقت نفي البكر ، لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية ، فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد ، كما أمر بشق روايا الخمر وكسر الأواني ، لأنه أبلغ في الزجر وأحرى بقطع العادة17 .
ذهب الشافعية إلى أن حكم اللواط كحكم الزنا ، وقال بعض أصحاب الشافعي : إن اللواط زنا ، لأنه مثل الزنا في الصورة ، وفي المعنى ، فيكون اللائط زانيا فيدخل في عموم الآية ، وهي قوله تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وقال بعض آخر من الشافعية : اللواط غير الزنا إلا أنه يقاس عليه ، بجامع كون الطبع داعيا إليه فيناسب الزاجر .
وقال أبو حنيفة : ليس في اللواط حد بل فيه تعزير ، لأنه وطء لا يتعلق به الحد ، ولأنه يساوي الزنا في الحاجة إلى شرع الحد ، لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول به طبعا ، وليس فيه إضاعة النسب ، وأيضا فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان ، وكفر بعد إيمان ، وقتل نفس بغير حق )18 . قد حظر قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث ، وفاعل اللواط خارج عن ذلك لأنه لا يسمى زانيا19 .
وقد اختلف الصحابة – رضوان الله عليهم – في حكم عمل قوم لوط وعقوبته ، فلو كانوا يعدونه من الزنا حسب الاصطلاح الإسلامي ، لما وجدنا بينهم أي خلاف في حكمه20 .
والمعلوم أنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قضى في اللواط بشيء ، لأن هذا المنكر لم تعرفه العرب ، ولم يرفع إليه صلى الله عليه وآله وسلم حادثة منه ، ولكن ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به )21 . رواه أصحاب السنن الأربعة وإسناده صحيح ، وقال الترمذي : حديث حسن . وحكم أبو بكر الصديق بقتل اللائط ، وكتب به إلى خالد بن الوليد بعد مشاورة الصحابة .
ونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أن الحد في اللواط القتل ، وإنما اختلفوا في كيفيته ، فمنهم من قال : يرمى من شاهق ، ومنهم من قال : يهدم عليه حائط ، ومنهم من قال : يقتل رميا بالحجارة .
هذا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في أن السحاق لم يشرع فيه إلا التعزير22 .
إذا وجد رجل مع امرأة في صورة مريبة ، ولم يثبت عليهما فعل الزنا فإنه يعاقب على هذا الفعل الفاضح بالتعزير ، والتعزير تأديب دون الحد ويرجع إلى تقدير القاضي للشخص ولطبيعة المخالفة . وإذا كان التعزير بالجلد فيجب أن يكون أقل من عشر جلدات ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله ) رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود . وأما إذا جاء الشخص بنفسه إلى الحاكم ، معترفا بذنب دون فعل الزنا الكامل ، ومعلنا ندمه عليه ؛ فيكفي أن يلقن الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله . روى مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، إني عالجت23 امرأة في أقصى المدينة ، وإني أصبت منها ما دون أن ألمسها24 فأنا هذا فاقض في ما شئت ، فقال له عمر : لقد سترك الله ، لو سترت نفسك . قال : ولم يرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه شيئا . فقام الرجل فانطلق ، فأتبعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا فدعاه ، وتلا عليه هذه الآية : وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ . ( هود : 114 ) . فقال رجل من القوم : هذا له خاصة ؟ فقال : ( بل للناس كافة )25 .
بل لا تتيح الشريعة إذا جاء أحد إلى الحاكم معترفا بذنبه ولكن بألفاظ غير واضحة ، أن يكرهه الحاكم على التصريح بذنبه ، روى البخاري ، ومسلم ، وأحمد ، عن أنس قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله ، إني أصبت حدا فأقمه علي ، قال : ولم يسأله عنه ، وحضرت الصلاة ؛ فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة قام الرجل فقال : يا رسول الله ، أصبت حدا فأقم في كتاب الله ، قال : ( ألست قد صليت معنا ؟ ) قال : بلى ، قال : ( فإن الله قد غفر ذنبك أو حدك )26 .
( ب ) أن يكون بالغا . فإذا اقترف الزنا مجنون أو صبي ؛ فلا يقام عليه الحد .
( أ ) أن يكون عاقلا بالغا ، كما سبق في البكر .
( ب ) أن يكون الجاني حرا ، فإن كان عبدا جلد خمسين جلدة .
( ت ) ألا يكون الجاني قد عقد قرانه فحسب ، بل يكون قد تمتع بالدخول الصحيح على زوجته بعد زواجه .
( ث ) أن يكون الجاني مسلما ، وفيه الخلاف بين الفقهاء ، يقول الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو يوسف – رحمهم الله - : إن كل من ارتكب الزنا بعد الزواج ، فإنه يرجم مسلما كان أو غير مسلم . ولكن أبا حنيفة ومالكا – رحمهما الله – متفقان على أن الرجم إنما هو للمسلم ، إذا ارتكب الزنا بعد زواجه .
وأقوى الدلائل على ذلك أنه لا بد لإقامة عقوبة شديدة كالرجم على أحد أن يكون في الإحصان الكامل ثم لا يرتدع عن الزنا ، ومعنى الإحصان الكامل : الإحصان الخلقي ، ويقين الفرد بالإيمان بالله ، وبأن الله مطلع عليه وعلى أعماله ، واليقين بالحساب والجزاء والثواب والعقاب في الآخرة .
روي عن ابن عمر – رضي الله عنه – قال : من أشرك بالله فليس بمحصن . رواه ابن إسحاق في مسنده ، والدارقطني في سننه . أما الاستدلال بحكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرجم على يهوديين زنيا في عهده فلا يصح ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم عليهما بما في التوراة ، وقد توافق حكم التوراة مع حكم الإسلام ، روى مسلم : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عند القضاء على اليهوديين : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه )27 .
من شروط إقامة الحد عدم الإكراه على الزنا ، فلو أكره رجل امرأة على الزنا ، أقيم الحد على الرجل دون المرأة . روى البخاري ، عن صفية بنت عبيد : أن عبدا من رقيق الإمارة ، وقع على وليدة من الخمس فاستكرهها حتى أفتقها ؛ فجلده عمر ولم يجلدها من أجل أنه استكرهها28 .
17 . إقامة الحد مسئولية الحكومة :
إن القانون الإسلامي لا يجيز أحدا غير الحكومة أن يؤاخذ الزاني والزانية ، ولا يجيز أحدا غير المحكمة أن يقيم عليهما الحد ، فقد أجمع فقهاء الأمة على أن الخطاب في قوله تعالى : فاجلدوا . في الآية الثانية من سورة النور إنما هو لحكام الدولة الإسلامية وقضاتها ، وليس لعامة الناس وآحادهم .
18 . حكم التراضي بين المعتدى والمعتدى عليه :
إذا رفع الزاني إلى المحكمة ، فلا مجال لتراضي الناس فيما بينهم في جريمة الزنا ، لأن إقامة الحد حق من حقوق الله تعالى ، وهو وسيلة لطهارة المجتمع ونظافته ، فلا يملك الزوج أن يتنازل عن دعوى الزنا على زوجته أو يسقطها عنها ، كما نجد ذلك في القوانين الغربية ، التي يتعامل بها في كثير من البلاد الإسلامية ، وهي قوانين تقوم على الديوثة وقلة الحياء .
( أ ) يجب أن يكون الشهود في الزنا عدولا صادقين غير متهمين في قضية سالفة ، وغير خائنين ، وألا يكون قد أقيم عليهم الحد من قبل ، وألا تكون بينهم وبين المتهم خصومة ، وعلى كل فإنه لا يجوز أن يرجم أو يجلد أحد بمجرد شهادة غير صحيحة .
( ب ) يجب أن يكون الشهود متفقين على أنهم رأوا فلانا يزني بفلانة بمكان كذا وساعة كذا .
( ج ) يجب أن تكون شهادتهم بأنهم رأوهما يزنيان ، وفرجه في فرجها كالميل في المكحلة ، أو القلم في الدواة ، أو الرشاء في البئر ، وإلا فاختلافهم في أحد هذه الأمور يسقط شهادتهم .
وشروط هذه الشهادة تدل بنفسها ، على أن القانون الإسلامي ليس سيفا مصلتا ، ولا سوطا مضروبا على ظهور الناس ، بل الحق أنه لا يعاقب بعقوبة شديدة كالجلد أو الرجم ، إلا إذا وجد في المجتمع الإسلامي رجل وامرأة لا يقيمان أدنى وزن للحياء ، ويأتيان بالفاحشة علنا على مرأى من الناس .
20 . حكم إقرار الزاني بالزنا :
يثبت الزنا بإقرار الجاني بجنايته ، ومن اللازم أن يكون هذا الإقرار بكلمات صريحة بارتكاب فعلة الزنا ، أي : على الجاني أن يقر بأنه قد زنى بامرأة محرمة عليه كالميل في المكحلة ، وعلى المحكمة أن تكون عل ثقة بأن الجاني إنما يقر بجنايته بنفسه ، أي بدون أي ضغط خارجي ، وليس به شيء من الجنون أو الاختلال في العقل .
وهنا اختلاف يسير بين الفقهاء ، فيقول أبو حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، وابن أبي يعلى ، وإسحاق بن راهويه – رحمهم الله - : إن على الجاني أن يقر بجنايته أربع مرات بأربعة مجالس ، ويقول مالك ، والشافعي ، وعثمان البتى ، والحسن البصري – رحمهم الله - : إنه يكفي أن يقر الجاني بجنايته مرة واحدة .
وقد أقر ماعز ، فرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرارا وقال له : ( لعلك قبلت ، أو غمزت ، أو نظرت ) ، قال : لا . فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( هل تعرف الزنا ) ؟ فقال : نعم ، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا . فعند ذلك أمر برجمه فرجم خارج المدينة29 . واعترفت الغامدية وكانت حبلى من الزنا ، فردها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ولدت ، ثم ردها ترضعه وتفطمه ، ثم جاءت به وفي يده كسرة خبز ، وقالت : يا نبي الله ، قد فطمته وقد أكل الطعام . فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها30 .
أمر الله تعالى بجلد الزناة ، والمراد : أن يصل السوط إلى الجلد ، فلا يحوز أن يكون شديدا حتى يصل إلى اللحم ، فكل ضرب يقطع اللحم أو ينزع الجلد ويجرح اللحم مخالف لحكم القرآن . ويجب أن يكون السوط وسطا ، لا رقيقا جدا ولا شديدا جدا ، بل يجب أن يكون بين اللين والشدة .
روى أبو عثمان النهدى قال : أتى عمر بسوط فيه شدة ، فقال : أريد ألين من هذا . فأتى بسوط فيه لين فقال : أريد أشد من هذا . فأتى بسوط بين السوطين ، فقال : اضرب ولا يرى إبطك – أي : لا تضرب بكل قوة يدك – وأعط كل عضو حقه . وروي مثل ذلك عن ابن مسعود ، وأنس بن مالك – رضي الله عنهما – والفقهاء متفقون على أن الضرب لا ينبغي أن يكون مبرحا أي موجعا ، ولا ينبغي أن يكون في موضع واحد من الجسد ، بل ينبغي أن يفرق على الجسد كله : حيث يأخذ كل عضو من أعضائه حقه ، إلا الوجه والفرج والرأس .
ولا ينبغي أن يتولى الجلد والضرب جلادون من الجهال غلاظ الأكباد ، بل يجب أن يتولاه رجال من أهل العلم والبصيرة ، يعلمون كيفية الضرب لتحقيق مقتضى الشريعة .
والجاني إذا كان مريضا لا يرجى شفاؤه أو كان فانيا ، يكفي أن يضرب بضربة واحدة بغصن عليه مائة فرع ، أو مكنسة فيها مائة عود ، حتى يتحقق مقتضى القانون ، انظر نظرة في هذه التفاصيل لقانون جلد الزاني في الإسلام ، ثم اعجب لجرأة الذين يقولون إنه عقوبة وحشية ، ويرون التهذيب كل التهذيب في عقوبة الضرب التي تجري اليوم في السجون ، ثم لا يخفى ما تنزل الشرطة اليوم من عقوبات قاسية ، تقشعر لسماعها الجلود ، لا على الجناة الذين تثبت جرائمهم فحسب ، بل على المشتبهين – ولا سيما السياسيين منهم – لغرض التفتيش والاستجواب .
22 . تحريم الشفاعة في الحدود :
ينبغي للحاكم إذا انتهى إليه الحد أن يقيمه ، قال تعالى : وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ . وهو نهي عن التخفيف في الجلد ، أو ترك الحد وإسقاطه ، وفيه دليل على أنه لا تجوز الشفاعة في إسقاط حد الزنا ، لأن فيه تعطيلا لإقامة حدود الله ، ليس لخصوصية في الزنا ، بل مثله مثل سائر الحدود تحرم الشفاعة فيها ، فقد صح أنه صلى الله عليه وآله وسلم أنكر على حبه أسامة بن زيد ، حين شفع في فاطمة بنت الأسود المخزومية وكانت قد سرقت قطيفة وحليا ، فقال له : ( أتشفع في حد من حدود الله تعالى ) ؟ 31 .
وفي الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خطب فقال : ( أيها الناس ، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )32 .
وعن ابن عمر – رضي الله عنه – أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى : فقد ضاد الله عز وجل )33 أخرجه أبو داود .
فلا يجوز أن يترك الجاني بعد ثبوت الجريمة عليه ، ولا أن يخفف من حده ، بل يجب أن يضرب مائة جلدة كاملة تحقيقا لقوله تعالى : وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ .
يجب أن يقام الحد علنا على مرأى من عامة الناس ومشهدهم ، قال تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ . والطائفة اثنان فصاعدا ، وقيل : أربعة بعد شهود الزنا ، وقيل : عشرة ، وأولى الأقوال بالصواب أن المراد هنا : جماعة يحصل بهم التشهير والزجر ، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص ونلحظ هنا أن أغراض الحدود في القانون الإسلامي ثلاثة :
1 – أن ينتقم من الجاني لاعتدائه .
2 - أن يردع عن إعادة الجريمة .
3 – أن تجعل من عقوبته عبرة ، حتى تجرى مجرى عملية الجراحة الذهنية ، على أناس في المجتمع ، قد تكون في قلوبهم غرائز سيئة ، فلا يجترئون على ارتكاب مثل هذه الجريمة في المستقبل ، ومن فوائد إقامة الحدود علنا ، أن الحكام قلما يجترئون على التخفيف من العقوبة ، أو الزيادة فيها على وجه غير مشروع .
الزنا بالمحارم كالأخت والبنت ، جناية مغلظة تؤاخذ عليها شرطة الدولة ، وقد جاءت عدة روايات في سنن أبي داود ، والنسائي ، ومسند أحمد ، تفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاقب من ارتكب هذه الجناية بالقتل ومصادرة الأموال ، وأما الرواية التي نقلها ابن ماجة عن ابن عباس ، فقد بين فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القاعدة الكلية الآتية : من وقع على ذات محرم فاقتلوه )34 .
والفقهاء بينهم خلاف حول هذه المسألة ، فالذي يراه الإمام أحمد أن يقتل الرجل وتصادر أمواله حسب ما جاء في روايته ، وروايات أبي داود والنسائي ، ويرى أبو حنيفة ومالك والشافعي – رحمهم الله – أنه إن زنى بذات محرم من محارمه أقيم عليه حد الزنا ، وإن نكحها ووطئها عوقب عقابا أليما يعتبر به غيره .
حرم الإسلام اللواط لأنه خروج على الفطرة ، فالله خلق الزوجين الذكر والأنثى ، وجعل الاستمتاع بينهما طبيعيا وفطريا ، وخلق الرجل والمرأة ليكمل كل منهما صاحبه بالزواج ، فاستغناء الرجال بالرجال ، يقابله استغناء النساء بالنساء ، وهو لون من الشذوذ والخروج على أوامر الله .
ومن المحرم شرعا أن يأتي الرجل عمل قوم لوط بامرأته ، ففي سنن أبي داود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( ملعون من أتى المرأة في دبرها )35 . ونقل ابن ماجة ، وأحمد ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها ) ، وفي رواية للترمذي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من أتى حائضا ، أو امرأة في دبرها ، أو كاهنا فصدقه ؛ فقد كفر بما أنزل على محمد )36 .
أما إتيان البهيمة ، فيعده بعض الفقهاء من الزنا ويرون عليه حده ، إلا أن أبا حنيفة ، وأبا يوسف ، ومحمدا ، وزفرا ، ومالكا ، والشافعي – رحمهم الله – يقولون : إنه ليس بالزنا فلا يستحق مرتكبه الحد ، وإنما يستحق التعزير ، والتعزير موكول إلى القاضي ، أو لمجلس الشورى في الدولة أن يقرر له حدا إن رأى إليه حاجة . وينبغي للدولة أن تسهر على حماية أبنائها من الانحراف ومن شيوع الفاحشة ، وأن تعمل على تيسير الحلال ، وأن تغلق منافذ الشرور والآثام .
بينت أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أضرار الزنا الصحية والنفسية والدينية ، فالزاني يتعرض لأمراض خطيرة مثل الزهري والسيلان وغير ذلك من الأمراض الفتاكة ، ويتعرض الزاني لأمراض نفسية لأنه عنصر فاسد ينتهك الأعراض ، ويرتكب الموبقات ، وعقوبة الزنا شديدة في الآخرة ، لمخالفة الزاني لأمر الله ، وتعديه على حدود الله .
1 . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
( يا معشر الناس ، اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا عاهدتم ، وأدوا الأمانة إذا اؤتمنتم ، وغضوا أبصاركم ، واحفظوا فروجكم ، وكفوا أيديكم )37 .
2 . روى البخاري في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال :
( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، بل ينزع إيمانه كالظلة فإذا نزع عاد إليه )38 .
3 . روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فالعينان تزنيان وزناهما النظر ، والرجلان تزنيان وزناهما الخطا ، واليدان تزنيان و زناهما اللمس ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه )39 .
( يا معشر الناس ، اتقوا الزنا ، فإن فيه ست خصال ، ثلاث في الدنيا ، وثلاث في الآخرة ، أما التي في الدنيا : فيورث الفقر ، ويذهب البهاء ، وينقص العمر ، وأما التي في الآخرة : فسخط الله ، وسوء الحساب ، وعذاب النار ) .
فيه اثنان{[11733]} وعشرون مسألة :
الأولى-قوله تعالى : " الزانية والزاني " كان الزنى في اللغة معروفا قبل الشرع ، مثل اسم السرقة والقتل . وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح بمطاوعتها . وإن شئت قلت : هو إدخال فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا ، فإذا كان ذلك وجب الحد . وقد مضى الكلام في حد الزنى وحقيقته وما للعلماء في ذلك . وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة " النساء " {[11734]} باتفاق .
الثانية-قوله تعالى : " مائة جلدة " هذا حد الزاني الحر البالغ البكر ، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة . وثبت بالسنة تغريب عام ، على الخلاف في ذلك . وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة ؛ لقوله تعالى : " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " [ النساء : 25 ] وهذا في الأمة ، ثم العبد في معناها . وأما المحصن من الأحرار فعليه الرجم دون الجلد . ومن العلماء من يقول : يجلد مائة ثم يرجم . وقد مضى هذا كله ممهدا في " النساء " فأغنى عن إعادته ، والحمد لله .
الثالثة-قرأ الجمهور " الزانية والزاني " بالرفع . وقرأ عيسى بن عمر الثقفي " الزانية " بالنصب ، وهو أوجه عند سيبويه ؛ لأنه عنده كقولك : زيدا اضرب . ووجه الرفع عنده : خبر ابتداء{[11735]} ، وتقديره : فيما يتلى عليكم [ حكم ]{[11736]} الزانية والزاني . وأجمع الناس على الرفع وإن كان القياس عند سيبويه النصب . وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه ، والخبر في قوله " فاجلدوا " لأن المعنى : الزانية والزاني مجلودان بحكم الله وهو قول جيد وهو قول أكثر النحاة . وإن شئت قدرت الخبر : ينبغي أن يجلدا . وقرأ ابن مسعود " والزان " بغير ياء .
الرابعة-ذكر الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى ، والزاني كان يكفي منهما ، فقيل : ذكرهما للتأكيد كما قال تعالى : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " {[11737]} [ المائدة : 38 ] . ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظن ظان أن الرجل لما كان هو الواطئ والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حد فذكرها رفعا لهذا الإشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعي . فقالوا : لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان ؛ لأنه قال جامعت أهلي في نهار رمضان ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( كفر ) . فأمره بالكفارة ، والمرأة ليس بمجامعة ولا واطئة .
الخامسة-قدمت " الزانية " في الآية من حيث كان في ذلك الزمان زنى النساء فاش ، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات ، وكن مجاهرات بذلك . وقيل : لأن الزنى في النساء أعَرُّ وهو لأجل الحبل أضرُّ . وقيل : لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب فصدرها تغليظا لتردع شهوتها وإن كان قد ركب فيها حياء لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله . وأيضا فإن العار بالنساء ألحق إذ موضوعهن الحجب{[11738]} والصيانة فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما .
السادسة-الألف واللام في قول " الزانية والزاني " للجنس ، وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة . ومن قال بالجلد مع الرجم قال : السنة جاءت بزيادة حكم فيقام مع الجلد . وهو قول إسحاق بن راهويه والحسن بن أبي الحسن ، وفعله علي بن أبي طالب رضي الله عنه بشُرَاحة وقد مضى في " النساء " {[11739]} بيانه . وقال الجمهور : هي خاصة في البكرين ، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج العبيد والإماء منها .
السابعة-نص الله سبحانه وتعالى على ما يجب على الزانيين إذا شُهد بذلك عليهما على ما يأتي وأجمع العلماء على القول به . واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد فقال إسحاق بن راهويه : يضرب كل واحد منهما مائة جلدة . وروي ذلك عن عمر وعلي وليس يثبت ذلك عنهما . وقال عطاء وسفيان الثوري : يؤدبان . وبه قال مالك وأحمد على قدر مذاهبهم في الأدب . قال ابن المنذر : والأكثر ممن رأيناه يرى على من وجد على هذه الحال الأدب . وقد مضى في " هود " {[11740]} اختيار ما في هذه المسألة ، والحمد لله وحده .
الثامنة-قوله تعالى : " فاجلدوا " دخلت الفاء لأنه موضع أمر والأمر مضارع للشرط . وقال المبرد : فيه معنى الجزاء ، أي إن زنى زان فافعلوا به كذا ، ولهذا دخلت الفاء ، وهكذا " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " {[11741]} [ المائدة : 38 ] .
التاسعة-لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه . وزاد مالك والشافعي : السادة في العبيد . قال الشافعي : في كل جلد وقطع . وقال مالك : في الجلد دون القطع . وقيل : الخطاب للمسلمين ؛ لأن إقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين ، ثم الإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود .
العاشرة-أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط يجب . والسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطا بين سوطين . لا شديدا ولا لينا . وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط ، فأتي بسوط مكسور ، فقال : ( فوق هذا ) فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته{[11742]} فقال : ( دون هذا ) فأتي بسوط قد رُكب به ولان{[11743]} . فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد . . . ) الحديث . قال أبو عمر : هكذا روى الحديث مرسلا جميع رواة الموطأ ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه من الوجوه ، وقد روى معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء . وقد تقدم في " المائدة " ضرب عمر قدامة{[11744]} في الخمر بسوط تام . يريد وسطا .
الحادية عشرة-اختلف العلماء في تجريد المجلود في الزنى ، فقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما : يجرد ، ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب . وقال الأوزاعي : الإمام مخير إن شاء جرد وإن شاء ترك . وقال الشعبي والنخعي : لا يجرد ولكن يترك عليه قميص . قال ابن مسعود : لا يحل في الأمة تجريد ولا مد ، وبه قال الثوري .
الثانية عشرة-اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء ، فقال مالك : الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء لا يقام واحد منهما ، ولا يجزى عنده إلا في الظهر . وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف ، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وقال الليث[ بن سعد ]{[11745]} وأبو حنيفة والشافعي : الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا قائما غير ممدود إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه . وحكاه المهدوي في التحصيل عن مالك . وينزع عنه الحشو والفرو . وقال الشافعي : إن كان مده صلاحا مد .
الثالثة عشرة- واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود ، فقال مالك : الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر ، وكذلك التعزير . وقال الشافعي وأصحابه : يتقى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء ، وروي عن علي . وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى . قال ابن عطية : والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل . واختلفوا في ضرب الرأس فقال الجمهور : يتقى الرأس . وقال أبو يوسف : يضرب الرأس . وروي عن عمر وابنه فقالا : يضرب الرأس . وضرب عمر رضي الله عنه صبيغا{[11746]} في رأسه وكان تعزيرا لا حدا . ومن حجة مالك ما أدرك عليه الناس ، وقوله عليه السلام : ( البينة وإلا حد في ظهرك ) وسيأتي .
الرابعة عشرة-الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلما لا يجرح ولا يبضع ، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه . وبه قال الجمهور ، وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما . وأتي عمر رضي الله عنه برجل في حد فأتي بسوط بين سوطين ، وقال للضارب : اضرب ولا يرى إبطك وأعط كل عضو حقه . وأتي رضي الله عنه بشارب فقال : لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة فبعثه إلى مطيع بن الأسود العدوي فقال : إذا أصبحت الغد فاضربه الحد فجاء عمر رضي الله عنه وهو يضربه ضربا شديدا فقال : قتلت الرجل كم ضربته ؟ فقال ستين ، فقال : أقِصَّ عنه بعشرين . قال أبو عبيدة[ قوله ]{[11747]} : ( أقِصَّ عنه بعشرين ) يقول : اجعل شدة هذا الضرب الذي ضربته قصاصا بالعشرين التي بقيت ولا تضربه العشرين . وفي هذا الحديث من الفقه أن ضرب الشارب ضرب خفيف . وقد اختلف العلماء في أشد الحدود ضربا وهي :
الخامسة عشرة- فقال مالك وأصحابه والليث بن سعد : الضرب في الحدود كلها سواء ضرب غير مبرح ، ضرب بين ضربين . هو قول الشافعي رضي الله عنه . وقال أبو حنيفة وأصحابه : التعزير أشد الضرب ، وضرب الزنى أشد من الضرب في الخمر ، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف . وقال الثوري : ضرب الزنى أشد من ضرب القذف ، وضرب القذف أشد من ضرب الخمر . احتج مالك بورود التوقيف عل عدد الجلدات ، ولم يرد في شيء منها تخفيف ولا تثقيل عمن يجب التسليم له . احتج أبو حنيفة بفعل عمر ، فإنه ضرب في التعزير ضربا أشد منه في الزنى . احتج الثوري بأن الزنى لما كان أكثر عددا في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغ في النكاية . وكذلك الخمر ؛ لأنه لم يثبت الحد إلا بالاجتهاد ، وسبيل مسائل الاجتهاد لا يقوي قوة مسائل التوقيف .
السادسة عشرة-الحد الذي أوجب الله في الزنى والخمر والقذف وغير ذلك ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام ، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الإمام لذلك . وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شيء من ذلك ، رضي الله عنهم . وسبب ذلك أنه قيام بقاعدة شرعية وقربة تعبدية ، تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها وحالها ، بحيث لا يتعدى شيء من شروطها ولا أحكامها ، فإن دم المسلم وحرمته عظيمة ، فيجب مراعاته بكل ما أمكن . روى الصحيح عن حضين{[11748]} بن المنذر أبي ساسان قال : شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال : أزيدكم ؟ فشهد عليه رجلان ، أحدهما حمران أنه شرب الخمر ، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ ، فقال عثمان : إنه لم يتقيأ حتى شربها ، فقال : يا علي قم فاجلده ، فقال علي : قم يا حسن فاجلده . فقال الحسن : ولِّ حارَّها{[11749]} من تَولَّى قَارَّها - فكأنه وجد عليه - فقال : يا عبدالله بن جعفر ، قم فاجلده ، فجلده وعلي يعد . . . ) الحديث . وقد تقدم في المائدة . فانظر قول عثمان للإمام علي : قم فاجلده .
السابعة عشرة- نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف ، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع{[11750]} الصحابة - على ما تقدم في المائدة{[11751]} - فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله . قال ابن العربي : وهذا ما لم يتابع الناس في الشر ولا احلولت لهم المعاصي ، حتى يتخذوها ضراوة{[11752]}ويعطفون عليها بالهوادة فلا يتناهوا عن منكر فعلوه ، فحينئذ تتعين الشدة ويزاد الحد{[11753]} لأجل زيادة الذنب . وقد أتي عمر بسكران في رمضان فضربه مائة ، ثمانين حد الخمر وعشرين لهتك حرمة الشهر . فهكذا يجب أن تركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات . وقد لعب رجل بصبي فضربه الوالي ثلاثمائة سوط فلم يغير ذلك{[11754]} مالك حين بلغه ، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار بالمعاصي ، والتظاهر بالمناكر وبيع الحدود واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة ، لمات كمدا ولم يجالس أحدا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
قلت : ولهذا المعنى - والله أعلم - زيد في حد الخمر حتى انتهى إلى ثمانين . وروى الدارقطني حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن أزهر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد ، فأتي بسكران ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن عنده فضربوه بما في أيديهم . وقال : وحثا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه التراب . قال : ثم أتي أبو بكر رضي الله عنه بسكران ، قال : فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ ، فضرب أربعين . قال الزهري : ثم أخبرني حميد بن عبدالرحمن عن ابن وبرة الكلبي قال : أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ، قال فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير وهم معه متكئون في المسجد فقلت : إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول : إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه ، فقال عمر : هم هؤلاء عندك فسلهم . فقال علي : نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون ، قال فقال عمر : أبلغ صاحبك ما قال . قال : فجلد خالد ثمانين وعمر ثمانين . قال : وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الذلة ضربه أربعين ، قال : وجلد عثمان أيضا ثمانين وأربعين . ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو تأخر الهلال لزدتكم ) كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا . في رواية ( لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ){[11755]} . وروى حامد بن يحيى عن سفيان عن مسعر عن عطاء بن أبي مروان أن عليا ضرب النجاشي في الخمر مائة جلدة ؛ ذكره أبو عمرو ولم يذكر سببا .
الثامنة عشر-قوله تعالى : " ولا تأخذكم بهما رأفة " أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقة على المحدود ، ولا تخففوا الضرب من غير إيجاع ، وهذا قول جماعة أهل التفسير . وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير : " لا تأخذكم بهما رأفة " قالوا في الضرب والجلد . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة ، ثم قرأ هذه الآية . والرأفة أرق الرحمة . وقرئ " رأَفة " بفتح الألف على وزن فعلة . وقرئ " رآفة " على وزن فَعَالة ، ثلاث لغات ، هي كلها مصادر ، أشهرها الأولى ، من رؤوف إذا رق ورحم . ويقال : رأفة ورآفة ؛ مثل كأبة وكآبة . وقد رأفت به ورؤفت به . والرؤوف من صفات الله تعالى : العطوف الرحيم .
التاسعة عشرة- " في دين الله " أي في حكم الله ، كما قال تعالى : " ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك " {[11756]} [ يوسف : 76 ] أي في حكمه . وقيل : " في دين الله " أي في طاعة الله وشرعه فيما أمركم به من إقامة الحدود . " إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله تعالى : " إن كنتم تؤمنون بالله " . وهذا كما تقول لرجل تحضه : إن كنت رجلا فافعل كذا ، أي هذه أفعال الرجال .
الموفية عشرين-قوله تعالى : " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " قيل : لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق{[11757]} التأديب . قال مجاهد : رجل فما فوقه إلى ألف . وقال ابن زيد : لا بد من حضور أربعة قياسا على الشهادة على الزنى ، وأن هذا باب منه ، وهو قول مالك والليث والشافعي . وقال عكرمة وعطاء : لا بد من اثنين ، وهذا مشهور قول مالك ، فرآها موضع شهادة . وقال الزهري : ثلاثة ؛ لأنه أقل الجمع . الحسن : واحد فصاعدا ، وعنه عشرة . الربيع : ما زاد على الثلاثة . وحجة مجاهد قوله تعالى : " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة " {[11758]} [ التوبة : 122 ] ، وقوله : " وإن طائفتان " {[11759]} [ الحجرات : 9 ] ، ونزلت في تقاتل رجلين ، فكذلك قوله تعالى : " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " . والواحد يسمى طائفة إلى الألف ، وقاله ابن عباس وإبراهيم . وأمر أبو برزة الأسلمي بجارية له قد زنت وولدت فألقى عليها ثوبا ، وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربة غير مبرح ولا خفيف لكن مؤلم ، ودعا جماعة ثم تلا " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " .
الحادية والعشرون-اختلف في المراد بحضور الجماعة . هل المقصود بها الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس ، وأن ذلك يدع المحدود ، ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله ، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده ، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة ، قولان للعلماء . الثانية{[11760]} والعشرون-روي عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا معاشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال : ثلاثا في الدنيا وثلاثا في الآخرة ، فأما اللواتي الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر ، وأما اللواتي في الآخرة فيوجب السخط وسوء الحساب والخلود في النار ) . وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أعمال أمتي تعرض علي كل جمعة مرتين فاشتد غضب الله على الزناة ) . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أمتي فغفر لكل مؤمن لا يشرك بالله شيئا إلا خمسة : ساحرا أو كاهنا أو عاقا لوالديه أو مدمن خمر أو مصرا على الزنى ) .