تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (33)

المفردات :

ليحزنك : الحزن ؛ الشعور بالألم عند وقوع مكروه .

يجحدون : الجحود و الجحد ؛ نفي ما في القلب إثباته أو إثبات ما في القلب نفيه .

التفسير :

33- قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . كان صلى الله عليه وآله وسلم حريصا على هداية قومه ، وكان يشق عليه تكذيبهم له ، وهنا يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

قد أحاط علمنا بحزنك مما يقوله هؤلاء المعاندون ، وأنك مشفق عليهم من لجاجهم وشططهم ، ونحن معك أيها الحزين الآسف على كفر قومه .

إنهم لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر .

ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم لقد كانت فيها طبقات من الأغنياء والمترفين وهم أعرف الناس بصدق محمد وصدق رسالته ولكن الحرص على منافع الدنيا ، وقوة الجحود والإعراض عن الحق دفعتهم إلى المكابرة والعناد وعدم الدخول في الإسلام .

وقد وردت روايات متعددة تدل على اعترافهم بصدق الرسول ، ولكن الحسد والغيرة والدوافع الشخصية والأنانية تحركت في صدورهم فمنعتهم من الاستجابة للحق .

قال سفيان الثوري عن علي قال : قال جهل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنا كنا لا نكذبك يا محمد ولكن نكذب ما جئت به فأنزل الله : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون .

وقد أورد صاحب الظلال طائفة من الروايات والأحاديث تؤيد اعتراف القوم بصدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

من ذلك ما رواه ابن إسحاق قال : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري : أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق . خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاموا . وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائهم لأوقعتم في نفسه شيئا ثم انصرفوا .

حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه وفعلوا مثل ذلك في الليلة الثالثة ، فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود فتعاهدوا على ذلك .

والقصة طويلة وهي تؤكد تصديق باطنهم للنبي ثم مكابرة عقولهم ، ورفضهم الإذعان حرصا على مصالحهم الدنيوية .

وعن أبي يزيد المدني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقي أبا جهل فصافحه فقال رجل لأبي جهل : ألا أراك تصافح هذا الصابئ ؟

فقال والله إني لأعلم أنه لنبي ، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا ؟ وتلا أبو يزيد : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون .

فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم عما كان يصيبه من المشركين .

وفي معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة منها قوله تعالى : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا . ( الكهف : 6 ) .

ومنها قوله تعالى : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون . ( فاطر : 8 ) .

ومنها قوله تعالى : فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون . ( يس : 76 ) .

ومن ذلك قوله تعالى : في شأن قوم فرعون وتكذيبهم بمعجزات موسى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين . ( النمل : 14 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (33)

قوله تعالى : " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون " كسرت ( إن ) لدخول اللام . قال أبو ميسرة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا : يا محمد والله ما نكذبك وإنك عندنا لصادق ، ولكن نكذب ما جئت به ، فنزلت هذه الآية " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ثم آنسه بقوله : " ولقد كذبت رسل من قبلك " الآية . وقرئ " يكذبونك " مخففا ومشددا ، وقيل : هما بمعنى واحد كحزنته وأحزنته ، واختار أبو عبيد قراءة التخفيف ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ، وروي عنه أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به ، فأنزل الله عز وجل " فإنهم لا يكذبونك "

قال النحاس : وقد خولف أبو عبيد في هذا . وروي : لا نكذبك . فأنزل الله عز وجل : " لا يكذبونك " . ويقوي هذا أن رجلا قرأ على ابن عباس " فإنهم لا يكذبونك " مخففا فقال له ابن عباس : " فإنهم لا يكذبونك " لأنهم كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم الأمين . ومعنى " يكذبونك " عند أهل اللغة ينسبونك إلى الكذب ، ويردون عليك ما قلت . ومعنى " لا يكذبونك " أي لا يجدونك تأتي بالكذب ، كما تقول : أكذبته وجدته كذابا ، وأبخلته وجدته بخيلا ، أي لا يجدونك كذابا إن تدبروا ما جئت به . ويجوز أن يكون المعنى : لا يثبتون عليك أنك كاذب ؛ لأنه يقال : أكذبته إذا احتججت عليه وبينت أنه كاذب . وعلى التشديد : لا يكذبونك بحجة ولا برهان ؛ ودل على هذا " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " . قال النحاس : والقول في هذا مذهب أبي عبيد ، واحتجاجه لازم ؛ لأن عليا كرم الله وجهه هو الذي روى الحديث ، وقد صح عنه أنه قرأ بالتخفيف ، وحكى الكسائي عن العرب : أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه ، وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب ، وكذلك قال الزجاج : كذبته إذا قلت له كذبت ، وأكذبته إذا أردت أن ما أتى به كذب .