تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (19)

المفردات :

لأنذركم به : الإنذار إخبار فيه تخويف بخلاف التبشير فإنه إخبار فيه سرور .

ومن بلغ : معطوف على ضمير المخاطبين ، أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر .

التفسير :

19- قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . . . الآية .

أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعوا إليه : أي شيء في هذا الوجود شهادته أكبر شهادة ، وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان ؟

ثم أمره أن يجيب على هذا السؤال ، بأن شهادة الله هي أكبر شهادة وأقواها وأزكاها ، لأنها شهادة من يستحيل عليه الكذب أو الخطأ .

إنه الله رب العالمين ، هو الشهيد بيني وبينكم .

وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . لقد أنزل الله الوحي بهذا القرآن لأجل أن أنذركم به .

( وأنذر من بلغ إليه من الناس جميعا . . . بجميع شعوبهم . وأصنافهم ، من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلية ، فأحكام القرآن شاملة للبشر والجن جميعا ممن كان منهم موجودا يوم الرسالة أو يوجد بعدها إذا بلغتهم دعوة الإسلام وسمعوا بهذا القرآن ، وهو نذير لهم بأنهم مسؤولون عن استجابتهم لدعوة الله وعن أعمالهم في الدنيا عند لقاء الله ) ( 69 ) .

قل لا أشهد . فأنا لا أشهد معكم بأن مع الله آلهة أخرى لكون هذه الشهادة من أبطل الباطل .

قل إنما هو إله واحد . أي أشهد بوحدانية الله وأتبرؤ من الأوثان وعابديها ، و لا أقدم ولائي ولا يقيني ولا ثقتي ولا رجائي إلا لهذا الإله الواحد الاحد الفرد الصمد .

وإنني بريء مما تشركون . أي من الأصنام التي تجعلونها آلهة أو من إشراككم بالله وقد أشارت الآية إلى ما يأتي :

1- وجوب تبليغ رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفي الصحيح ( بلغوا عنى ولو آية ) الحديث .

2- شهادة الله لرسوله تتجلى فيما يأتي :

( أ‌ ) قوله : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) .

( ب‌ ) شهادة كتب الله السابقة به ، وبشارة الرسل السابقين به .

( ج ) تأييد الرسول بالآيات الكثيرة التي من أعظمها القرآن فهو المعجزة الخالدة الدائمة .

3- شهادة الرسول لله بالوحدانية ، وتتجلى في هذه الآية الكريمة .

أي أن الآية مشتملة على شهادة الله لرسوله بالرسالة وشهادة الرسول لله تعالى بالوحدانية والألوهية وأن الرسول بريء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (19)

قوله تعالى : " قل أي شيء أكبر شهادة " وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية ، عن الحسن وغيره . ولفظ ( شيء ) هنا واقع موقع اسم الله تعالى ، المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية ، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ، فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة .

قوله تعالى : " وأوحي إلي هذا القرآن " أي والقرآن شاهد بنبوتي . " لأنذركم به " يا أهل مكة . " ومن بلغ " أي ومن بلغه القرآن . فحذف ( الهاء ) لطول الكلام . وقيل : ومن بلغ الحلم . ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد . وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغهما ، فقال : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك{[6265]} " [ المائدة : 67 ] . وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) . وفي الخبر أيضا : من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه . وقال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له . وقال القرظي : من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه . وقرأ أبو نهيك : ( وأوحى إلي هذا القرآن ) مسمى الفاعل ، وهو معنى قراءة الجماعة . " أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى " استفهام توبيخ وتقريع . وقرئ ( أئنكم ) بهمزتين على الأصل . وإن خففت الثانية قلت : ( أئنكم ) . وروى الأصمعي عن أبي عمرو ونافع ( أئنكم ) ، وهذه لغة معروفة ، تجعل بين الهمزتين ألف كراهة لالتقائهما ، قال الشاعر{[6266]} :

أيا ظبيةَ الوَعْسَاء بين جُلاجِل *** وبين النَّقَا أأنت أم أمُّ سالمِ

ومن قرأ " أئنكم " على الخبر فعلى أنه قد حقق عليهم شركهم . وقال : " آلهة أخرى " ولم يقل : ( آخر ) ، قال الفراء : لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث ، ومنه قوله : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها{[6267]} " [ طه : 51 ] ، وقوله : " فما بال القرون الأولى{[6268]} " [ طه : 51 ] ولو قال : الأول والآخر صح أيضا{[6269]} . " قل لا أشهد قل " أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه ونظيره " فإن شهدوا فلا تشهد معهم{[6270]} " [ الأنعام : 150 ] .


[6265]:راجع ص 242 من هذا الجزء.
[6266]:هو ذو الرمة، والوعساء رملة لينة، وجلا جل "بفتح الجيم" وفي كتاب سيبويه "بضمها" موضع بعينه. والنقا الكثيب من الرمل.
[6267]:راجع ج 10 ص 342.
[6268]:راجع ج 11 ص 205.
[6269]:أي في غير القرآن.
[6270]:راجع ج 7 ص 129.