تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (22)

المفردات :

فدلاهما بغرور : أي : فأنزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما من دلى الشيء وأدلاه ، أي : أنزله من أعلى إلى أسفل .

وطفقا : أي : شرعا وأخذا .

يخصفان : يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة من قولهم : خصف الاسكافي النعل ، إذا وضع عليها مثلها .

التفسير :

فدلاهما فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما . . . الآية .

التدلية والإدلاء : إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل ، وأصله أن الرجل العطشان يدلى في البئر بدلوه ؛ ليشرب من مائها ، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء ، يكون مدليها فيها بغرور .

والغرور : إظهار النصح مع إبطان الغش ، وأصله من غررت فلانا أي : أصبت غرته وغفلته ، ونلت منه ما أريد .

والمعنى : أن الشيطان أهبطهما بذلك من الرتبة العلية وهي رتبة الطاعة والكرامة ، بما خدعهما به من اليمين الكاذبة .

فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة . . .

أي : لما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها ، أخذتهما العقوبة . وشؤم المعصية ، فتساقط عنهما لباسهما ، وظهرت لهما عوراتهما ، وشرعا يلزقان من ورق الجنة ، ورقة فوق أخرى على عوراتهما لسترها .

وقوله تعالى : وطفقا يخصفان . . . إشارة إلى موالاة الخصف من ورق الشجر . . والخصف : جمع الشيء إلى الشيء وخياطته به ، ومنه خصف النعل إذا جمعت بعضه إلى بعض بإلصاق أو خياطة .

قال الشيخ حسنين محمد مخلوف في صفوة البيان لمعاني القرآن :

ولعل المعنى – والله أعلم – إنهما لما ذاقا الشجرة ، وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا ، وخلعا ثوب الطاعة ، وبدت منهما سوأة المعصية ، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما ، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة في الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى ، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها ، ومالهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك ؛ فلما سمعا النداء الرباني بتقريعهما ولومهما ، ألهما أن يتوبا إلى الله ، ويستغفرا من ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإلهية ، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم ، وقال لهما فقط ، أو لهما ولذريتهما ، أو لهما ولإبليس : اهبطوا من الجنة إلى الأرض ؛ لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم وذريته في الأرض ، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى ، ومنازعة عدوهم لهم فيها ، والله بالغ أمره ، قد جعل الله لكل شيء قدرا .

وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة . . .

أي : ناداهما الله بطريق العتاب والتوبيخ ، حيث خالفا أمر الله فأكلا من الشجرة بعينها ، ولم يحذرا ما حذرهما منها ، فقال سبحانه لهما ، ألم أنهكما عن الأكل من هذه الشجرة ؟ !

وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين . أي : ألم أقل لكما : إن الشيطان لكما عدو ظاهر العداوة لا يفتر عن إيذائكما وإيقاع الشر بكما .

جاء في تفسير أبي السعود :

روى أنه تعالى قال لآدم : ألم يكن فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة ، فقال : بلى وعزتك ، ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا ، قال : فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ، ثم لا تنال العيش إلا كدا ، فاهبط وعلم صنعة الحديد ، وأمر بالحرث ، فحرث وسقى وحصد ودرس وذرى وعجن وخبز .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (22)

قوله تعالى : " فدلاهما بغرور " أوقعهما في الهلاك . قال ابن عباس : غرهما باليمين . وكان يظن آدم أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا ، فغررهما بوسوسته وقسمه لهما . وقال قتادة : حلف بالله لهما حتى خدعهما . وقد يخدع المؤمن بالله . كان بعض العلماء يقول : من خادعنا بالله خدعنا . وفي الحديث عنه صلى : ( المؤمن غر{[7058]} كريم والفاجر خب لئيم{[7059]} ) . وأنشد نفطويه :

إن الكريمَ إذا تَشَاءُ خَدَعْتَهُ *** وترى اللئيم مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ

" فدلاهما " يقال : أدلى دلوه : أرسلها . ودلاها : أخرجها . وقيل : " دلاهما " أي دللهما ، من الدالة وهي الجرأة . أي جرأهما على المعصية فخرجا من الجنة .

قوله تعالى : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " فلما ذاقا الشجرة " أي أكلا منها . وقد مضى في " البقرة " الخلاف في هذه الشجرة{[7060]} " بدت لهما سوآتهما " أكلت حواء أولا فلم يصبها شيء ؛ فلما أكل آدم حلت العقوبة ؛ لأن النهي ورد عليهما كما تقدم في " البقرة{[7061]} " . قال ابن عباس : تقلص النور الذي كان لباسهما فصار أظفارا في الأيدي والأرجل .

الثانية - قوله تعالى : " وطفقا " ويجوز إسكان{[7062]} الفاء . وحكى الأخفش طفق يطفق ، مثل ضرب يضرب . يقال : طفق ، أي أخذ في الفعل . " يخصفان " وقرأ الحسن بكسر الخاء وشد الصاد . والأصل " يختصفان " فأدغم ، وكسر الخاء لالتقاء الساكنين . وقرأ ابن بريدة ويعقوب بفتح الخاء ، ألقيا حركة التاء عليها . ويجوز " يخصفان " بضم الياء ، من خصف يخصف . وقرأ الزهري " يخصفان " من أخصف . وكلاهما منقول بالهمزة أو التضعيف والمعنى : يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ، ومنه خصف النعل . والخصاف الذي يرقعها . والمخصف المثقب . قال ابن عباس : هو ورق التين . ويروى أن آدم عليه السلام لما بدت سوأته وظهرت عورته طاف على أشجار الجنة يسل{[7063]} منها ورقة يغطي بها عورته ، فزجرته أشجار الجنة حتى رحمته شجرة التين فأعطته ورقة . " فطفقا " يعني آدم وحواء " يخصفان عليهما من ورق الجنة " فكافأ الله التين بأن سوى ظاهره وباطنه في الحلاوة والمنفعة وأعطاه ثمرتين في عام واحد مرتين .

الثالثة - وفي الآية دليل على قبح كشف العورة ، وأن الله أوجب عليهما الستر ؛ ولذلك ابتدرا إلى سترها ، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة ، كما قيل لهما : " ولا تقربا هذه الشجرة " . وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك ؛ لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها ، كما فعل آدم في الجنة . والله أعلم .

قوله{[7064]} تعالى : " وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين " أي قال لهما : ألم أنهكما .


[7058]:الغر: الذي لا يفطن للشر.
[7059]:والخب: "بكسر الخاء وفتحها": ضد الغر وهو الخداع المفسد الرواية الثابتة عن أحمد عن أبي هريرة والمنافق خب لئيم بدل الفاجر.
[7060]:راجع ج 1 ص 304.
[7061]:راجع ج 1 ص 304.
[7062]:كذا في الأصول. والمتبادر أنه يريد المصدر على لغة ضرب ضربا لأن طفق كفرح
[7063]:في ك: يسأل.
[7064]:في ع: وزورك: الثالثة قوله تعالى "وناداهما" الآية.