تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} (27)

المفردات :

لا يفتننكم : لايضلنكم ولا يخدعنكم .

ينزع عنهما : يزيل عنهما استلابا بخداعه .

قبيله : جنوده أو ذريته .

أولياء : ناصرين ومتولين جمع ولي .

التفسير :

لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة . . . الآية .

يستمر الدستور الإلهي في توصية الإنسان وتنبيهه وتحذيره .

فهناك عداوة أبدية بين الإنسان والشيطان ، والعاقل يكون حذرا من عدوه فالحرب خدعه ، والشيطان يجهز جيوشه وأعوانه ؛ لينتصر على الإنسان وذلك بتجميل المعاصي والشهوات .

قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن ج 8 ص 386 :

يحذر الله أبناء آدم من هذا العدو المبين المتربص بهم ؛ حتى يكونوا على يقظة دائمة من أباطيله وضلالاته ، التي يغريهم بها ، ويزينها لهم ، ليفتنهم في دينهم ، وليخرجهم من الإيمان بالله ، والاستقامة على طاعته إلى معصيته والتعدي على جرماته .

ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما . . .

لقد حذر الله بني آدم من الشيطان ؛ حتى لا يعيد معهم سيرته مع أبويهم ، اللذين أخرجهما من الجنة حال كونه نازعا عنهما لباسهما ؛ ليريهما سوءاتهما .

وأسند القرآن النزع إلى الشيطان ؛ لأنه كان متسببا فيه .

قال الشوكاني :

أوقعهما في المعصية التي كانت عقوبتهما ظهور ما كان خافيا عنهما من السوأة .

وقد عبر القرآن بالمضارع هنا ؛ لإظهار صورة الأبوين عاريين في غاية الخجل والأسى ؛ حتى يحذر الإنسان هذه العاقبة .

إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم .

إن العدو إذا أتى من حيث لا يرى ؛ كان أشد وأخوف ، فالشيطان عدو خفي يرى الإنسان ، ويرصد حركاته وسكناته ، ويطلع منه على مواطن الضعف فينفذ إليه منها ، ومن هنا كان خطره داهما ، وشره مستطيرا ، ومن هنا كانت حاجة الإنسان إلى اليقظة الدائمة والمراقبة المستمرة لهذا العدو الخفي المتربص .

قال مالك بن دينار : إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا على من عصمه الله .

والمقصود : التحذير من وساوس الشيطان وحيله .

إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون .

اقتضت حكمة الله تعالى ، أن من عصى الله واستمرأ المعصية ؛ قيض الله له شيطانا يقارنه ويلازمه ، ويكون العاصي والكافر قرينا وتابعا للشيطان ، بينما المؤمن ينفى شيطانه ويجهده ؛ لأنه لا يطيع له أمرا .

قال تعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . ( الأعراف : 201 ) .

وقال سبحانه وتعالى : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين . ( الزخرف : 36 ) .

والقرآن بهذا يظل كتاب التربية الحانية ، التي تفتح عين الإنسان وتبصره .

فهداية الله غالية سامية ، ومن انحرف عن الجادة واستمرأ المعصية ؛ سلب الله عنه الهدى والتوفيق ، وتركه حائرا ضائعا قرينا للشيطان ووليا لإبليس وذريته . إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون .

ومن أطاع الله ، ولازم هدى السماء ، كشف الله بصيرته وأمده بعونه ومدده فلا سلطان للشيطان عليه قال تعالى : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون . ( النحل : 99 ، 100 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} (27)

فيه مسألتان :

الأولى - قوله تعالى : " لا يفتننكم " أي لا يصرفنكم الشيطان عن الدين ، كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة . " أب " للمذكر ، و " أبة " للمؤنث . فعلى هذا قيل : أبوان " ينزع عنهما لباسهما " في موضع نصب على الحال . ويكون مستأنفا فيوقف على " من الجنة " . " ليريهما " نصب بلام كي . وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة ؛ لقوله : " ينزع عنهما لباسهما " . قال الآخرون : إنما فيه التحذير من زوال النعمة ، كما نزل بآدم . هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا ، والأمر بخلاف ذلك .

الثانية - قوله تعالى : " إنه يراكم هو وقبيله " " قبيله " جنوده . قال مجاهد : يعني الجن والشياطين . ابن زيد : " قبيله " نسله . وقيل : جيله . " من حيث لا ترونهم " قال بعض العلماء : في هذا دليل على أن الجن لا يرون ؛ لقوله " من حيث لا ترونهم " قيل : جائز أن يروا ؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى . قال النحاس : " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ؛ ليكون ذلك دلالة على نبوته ؛ لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه ، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم . وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . قال القشيري : أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم . وفي الخبر ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) . وقال تعالى : " الذي يوسوس في صدور الناس{[7079]} " [ الناس : 5 ] . وقال عليه السلام : ( إن للملك لمة وللشيطان لمة - أي بالقلب - فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ) . وقد تقدم في " البقرة " {[7080]}وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة . وقد خرج البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، وذكر قصة طويلة ، ذكر فيها أنه أخذ الجني الذي كان يأخذ التمر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( ما فعل أسيرك البارحة ) . وقد تقدم في البقرة . وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لو لا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ) - في العفريت الذي تفلت{[7081]} عليه . وسيأتي في " ص " إن شاء{[7082]} الله تعالى . " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " أي زيادة في عقوبتهم وسوينا بينهم في الذهاب عن الحق .


[7079]:راجع ج 20 ص 263
[7080]:راجع ج 3 ص 329.وص 269.
[7081]:أي تعرض بغتة.
[7082]:في قوله تعالى: "قال رب اغفر لي وهب لي..." ج 15 ص 204.