{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ 31 }
يدبر الأمر : يصرف شأن الكائنات بنظام دقيق وحكمة بالغة .
31 { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ . . . } الآية .
تناقش هذه الآية موقف المشركين ، في الانصراف عن عبادة الله إلى عبادة غيره ، فتقول لهم : من ينزل لكم رزق السماء بالأمطار و الهواء ، والشمس والقمر والنجوم ويسخر هذا الكون ؟ ! ومن يرزقكم من الأرض بالنبات والحيوان والطيور والأسماك ؟ ! فلا شك أن هذا الرزق كله من عند الله ؛ تكريما لكم ، وحفظا لحياتكم .
أي أخبروني من يملك أداة السمع وما أعد فيها من أسباب إدراك المسموعات ؟ ! ومن يملك أداة البصر وما هيئت به لإدراك المبصرات ؟ ! وخص السمع والبصر ؛ لأنهما أهم الحواس ، وأداة تحصيل العلوم .
وقد جاء لفظ السمع مفردا ، ولفظ الأبصار جمعا ؛ لأن السمع يتناول نوعا واحدا هو الأصوات ، أما الأبصار فتتناول الأحجام والأبعاد والألوان والأشكال .
{ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } .
أي : من ذا الذي يملك الحياة والموت في العالم كله ؛ فيخرج الأحياء من الأموات ، والأموات من الأحياء ، فيخرج الليل من النهار ، والنهار من الليل ، والمؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن ؟ ! من يملك إخراج النبات من الأرض ، ومن يملك إخراج الإنسان من النطفة ، والنطفة من الإنسان ، والطير من البيضة ، والبيضة من الطير ؟ !
أي : من يتولى تدبير الأمر في هذا الكون فيرفع السماء ويبسط الأرض ويرسي الجبال ، وسخر الشمس والقمر ، ويمسك بزمام هذا الكون ويحفظ نظامه ومسيرته ؟ !
ومن يجيب الدعاء ، ويحقق الرجاء ، ويشفي المريض ويعافي المبتلى ويغني الفقير ويفقر الغني ؟ ومن بيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير ؟ !
أي : سيقولون الله وحده هو الذي فعل كل ذلك .
أي : إذا أقروا بأن الله هو الخالق الرازق ، المنعم المدبر ، المتفرد بالملك والوحدانية ؛ فقل لهم يا محمد : أفلا تتقون الله فتفردوه بالعبادة ؟ !
{ 31 - 33 ْ } { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ْ }
أي : { قل ْ } لهؤلاء الذين أشركوا بالله ، ما لم ينزل به سلطانًا - محتجًا عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية ، على ما أنكروه من توحيد الألوهية- { مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ْ } بإنزال الأرزاق من السماء ، وإخراج أنواعها من الأرض ، وتيسير أسبابها فيها ؟
{ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ْ } أي : من هو الذي خلقهما وهو مالكهما ؟ ، وخصهما بالذكر من باب التنبيه على المفضول بالفاضل ، ولكمال شرفهما ونفعهما .
{ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ْ } كإخراج أنواع الأشجار والنبات من الحبوب والنوى ، وإخراج المؤمن من الكافر ، والطائر من البيضة ، ونحو ذلك ، { وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ْ } عكس هذه المذكورات ، { وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ْ } في العالم العلوي والسفلي ، وهذا شامل لجميع أنواع التدابير الإلهية ، فإنك إذا سألتهم عن ذلك { فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ْ } لأنهم يعترفون بجميع ذلك ، وأن الله لا شريك له في شيء من المذكورات .
{ فَقُلْ ْ } لهم إلزامًا بالحجة { أَفَلَا تَتَّقُونَ ْ } الله فتخلصون له العبادة وحده لا شريك له ، وتخلعون ما تعبدون من دونه من الأنداد والأوثان .
{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ( 31 ) }
قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين : مَن يرزقكم من السماء ، بما يُنزله من المطر ، ومن الأرض بما ينبته فيها من أنواع النبات والشجر تأكلون منه أنتم وأنعامكم ؟ ومَن يملك ما تتمتعون به أنتم وغيركم من حواسِّ السمع والأبصار ؟ ومن ذا الذي يملك الحياة والموت في الكون كلِّه ، فيخرج الأحياء والأموات بعضها من بعض فيما تعرفون من المخلوقات ، وفيما لا تعرفون ؟ ومَن يدبِّر أمر السماء والأرض وما فيهن ، وأمركم وأمر الخليقة جميعًا ؟ فسوف يجيبونك بأن الذي يفعل ذلك كله هو الله ، فقل لهم : أفلا تخافون عقاب الله إن عبدتم معه غيره ؟
قوله تعالى : { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون 31 فذالكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون 32 كذالك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } .
في هذه الآيات يرد الله على المشركين ليقرر الحجة عليهم : سواء منهم المعترف بوحدانية الله وربوبيته ثم سادر في اتخاذ الأنداد مع الله وعبادة غير الله من مختلف الآيلة ، أو غير المعترف بوحدانيته سبحانه ولا بربوبيته ؛ فقد سيقت من أجلهم البينات والدلائل التي يحتج الله بها عليهم ، وفيها ما يكفي من أدلة البداهة والحس والمنطق على أن الله حق ، وأنه موجود الوجود . ولذلك قال : { قل من يرزقكم من السماء والأرض } وذلك برهان ظاهر على وجود الله وعلى قدرته المطلقة . وذلك يستبين من عملية الزرع برمتها بدءا وبنزول المطر من السماء ليختلط بثرى الأرض فينبث به الزرع والشجر ؛ إذ ينمو رويدا رويدا حتى الإزهار والإثمار ليأكل منه الناس ويستمتعوا بع استمتاعا .
فما كان لمثل هذا الحدث الكوني المدهش أن يقع على هذا النحو المتكامل العجيب لولا الله الذي برأ عملية الإنبات كلها وقدرها تقديرا .
قوله : { أمن يملك السمع والأبصار } وهاتان حاستان عظيمتان ومقدورتان للإنسان جيء بهما على هذه الكيفية الدقيقة المقدورة ، وعلى هذه الصورة التي تليق بالإنسان فتكسبه جمالا وحسنا في الهيئة والمنظر سواء في ذلك السمع وأداته الأذان ، وكذلك البصر وأداته العين الباصرة ، فأنى لهاتين الأداتين وما تفضيان إليه من طاقة السمع والبصر أن تكونا على هذه الصورة البديعة العجيبة لولا الخالق المقتدر الحكيم ؟
قوله : { ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } وكيفية ذلك موضع تفصيل واختلاف بيناهما سابقا . وجملة ذلك : أن المراد هو إخراج النبات الحي من الأرض الميتة . وقيل : إخراج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن ؛ فالإيمان حياة تنبض بالخير والبركة والعطاء . وفي مقابله الكفر فإنه موات لا يفضي إلا للشر والفساد والرذيلة .
وقيل : إخراج العالم من الجاهل ، والجاهل من العالم . ووجه ذلك : أن العلم حياة ؛ فهو يفضي إلى الهدى والرضى والاستقامة . أما الجهل فيفضي إلى العماية والتعثر والزلل . إن الذي أوجد هذا وهذا لهو الله سبحانه . وهل من إله غير الله يقدر أن يخلق من البعاد أناسي ينطقون ويسمعون ويبصرون ويسعون في الأرض ، فضلا عن كونهم صنفين كل واحد منهما جيء به من الصنف الآخر ؟ !
قوله : { ومن يدبر الأمر } أي من يلي تدبير أمر السماء والأرض وما فيهن ، ويدبر أمر العالم من إنس وجن وغيرهما من الخلائق ؟ قوله : { فسيقولون الله } أي سيكون جوابهم أن الذي يفعل كل ذلك هو الله ؛ لأنهم يعلمون أن الله هو الحق ، وهم يعترفون بهذه الحقيقة لكنهم معاندون مكابدون .
قوله : { فقل أفلا تتقون } ما دمتم تقرون وتعترفون أن الله حق ، وأنه خالق كل شيء ثم أنتم تعبدون من دونه آلهة أخرى ، أفلا تخشون عقاب الله وتحذرون على أنفشكم بطشه وانتقامه ؟ .