نزلت سورة يونس بعد سورة الإسراء ، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة ، فتكون سورة يونس من السور التي نزلت بين الإسراء والهجرة ، فهي سورة مكية من أواخر ما نزل من القرآن بمكة . وقد سميت بهذا الاسم ؛ لذكر قصة يونس فيها ، وتبلغ آياتها تسعا ومائة آية .
موضوعات هذه السورة هي موضوعات السور المكية الغالبة ، وهي الجدل حول مسائل العقيدة والتوجيه إلى آيات الله الكونية ، وإلى سنن الله في الأرض ، وإلى العظة بالقرون الخوالي ومصائرها وعرض بعض القصص من هذا الجانب الذي تبرز فيه العظة واللمسات الوجدانية التي تنتقل بالإنسان من آيات الله في الكون إلى آياته في النفس ، إلى مشاهد القيامة المؤثرة ، إلى قصص الماضين ومصائرهم ، كأنها جميعا حاضرة معرضة للأنظار .
وهذه السورة تتضمن شيئا من هذا كله ، و ينتقل السياق فيها من غرض إلى غرض بمناسبات ظاهرة أو خفية بين مقاطعها ، ولكن جوهرها كله هو هذا الجو حتى ليصعب الفصل بين مقطع ومقطع فيها في أغلب الأحيان .
يبدأ القسم الأول من السورة بحروف ثلاثة هي : ألف ، لام ، را ، كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران بحروف مشابهة ؛ ذكر العلماء أنها أسماء للسورة ، أو إشارة إلى أسماء الله تعالى وصفاته ، أو هي لبيان إعجاز القرآن الكريم ، أو هي مما استأثر الله تعالى بعلمه ، ثم تأخذ السورة في عرض عدة أمور هي بيان حكمة القرآن وطريقته في تنبيه الغافلين إلى تدبر آيات الله ، في صفحة الكون وتضاعيفه : في السماء والأرض ، وفي الشمس والقمر ، وفي الليل والنهار ، وفي مصارع القرون الأولى ، وفي قصص الرسل فيهم ، وفي دلائل القدرة الكامنة والظاهرة في هذا الوجود .
ثم تشرح السورة الحكمة في الإيحاء إلى رجل من البشر يعرفه الناس ويطمئنون إليه ويأخذون منه ويعطونه بلا تكلف ولا جفوة ولا تحرج ، وتذكر الحكمة من إرسال الرسل ؛ فالإنسان بطبعه مهيئا للخير والشر ، وعقله هو أداته للتمييز ، ولكن هذا العقل في حاجة إلى ميزان مضبوط يعود إليه دائما كلما اختلط عليه الأمر وأحاطت به الشبهات وجذبته التيارات والشهوات ، وهذا الميزان الثابت العادل هو هدى الله وشريعته .
وتلفت سورة يونس النظر إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما ، وإظهار قدرة الله الذي { جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل } . ( يونس : 5 ) .
وقدر اختلاف الليل والنهار ، إن الله الذي خلق هذا ودبره هو الذي يليق أن يكون ربا يعبد ولا يشرك به شيء من خلقه .
إن هذا الليل المظلم ، الساكن إلا من دبيب الرؤى والأشباح ، وهذا الفجر المتفتح في نهاية الليل كابتسامة الولد ، وهذه الحركة التي يتنفس بها الصحيح فيدب النشاط في الحياة والأحياء وهذا الطير الرائح الغادي القافز الواثب الذي لا يستقر على حال ، وهذا النبت النامي المتطلع أبدا إلى النمو والحياة ، وهذه الخلائق الذاهبة الآيبة في تدافع وانطلاق ، وهذه الأرحام التي تدفع ، والقبور التي تبلع ، الحياة ماضية في طريقها كما شاء الله .
إن هذا الحشد من الصور والأشكال ، والحركات والأحوال والرواح والذهاب والبلى والتجدد والذبول والنماء ، والميلاد والممات ، والحركة الدائبة في هذا الكون الهائل التي لا تني ولا تتوقف لحظة من ليل أو نهار ، إن هذا كله ليستنهض كل همة في كيان البشر للتأمل والتدبر والتأثر حتى يستيقظ القلب ويتفتح لمشاهدة الآيات المبثوثة في ظواهر الكون وحناياه . والقرآن الكريم يعمد مباشرة إلى إيقاظ القلب ؛ لتدبر هذا الحشد من الصور والآيات وتأمل قدرة الله في اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر ، فيطول الليل في الشتاء ويقصر في الصيف ، ويطول النهار في الصيف ويقصر في الشتاء ، ووراء كل إبداع يد الله القدير الذي رفع السماء وزينها بالنجوم وحفظها من التصدع والوقوع ، وبسط سبحانه الأرض وثبتها بالجبال وزينها بالنبات وأحياها بالأمطار ؛ { إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون } . ( يونس : 6 ) .
الدرس الثاني الأدلة على وجود الله :
يستهل الدرس الثاني من سورة يونس بإعلان جزاء المؤمنين وعاقبة المكذبين ، حيث يقول سبحانه : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) .
فالجزاء الحق من جنس العمل ، فمن عمل صالحا في الدنيا ؛ أدخله الله الجنة ، ومتعه بالطيبات ونجاه من النار .
ثم تستمر الآيات في بيان عقوبة المكذبين ، وجزاء الخائنين ، وتسوق السورة عددا من الأدلة والبراهين تنتهي كلها إلى هدف واحد ؛ هو إشعار النفس بتوحيد الله وصدق الرسول ، واليقين باليوم الآخر ، والقسط في الجزاء .
تلمس الأدلة أقطار النفس ، وتأخذ بها إلى آفاق الكون في جولة واسعة شاملة ، جولة من الأرض إلى السماء ، ومن آفاق الكون إلى آفاق النفس ومن ماضي القرون إلى حاضر البشر ، ومن الدنيا إلى الآخرة .
وقد لاحظنا في الدرس الماضي لمسات من هذه ، ولكنها في هذا الدرس أظهر ، فمن معرض الحشر إلى مشاهد الكون إلى ذات النفس ، وإلى التحدي بالقرآن إلى التذكير بمصائر المكذبين من الماضين ، ومن ثم لمحة عابرة عن الحشر في مشهد جديد ، إلى تخويف من المفاجأة بالعذاب ، وإلى تصوير علم الله الشامل الذي لا يند عنه شيء ، إلى بعض آيات الله في الكون ، إلى الإنذار بما ينتظر المفترين على الله يوم الحساب .
إنها مجموعة من اللمسات العميقة الصادقة ، لا تملك نفس سليمة التلقي ، صحيحة الاستجابة إلا أن تستجيب لها ، وألا تتذاوب الحواجز والموانع فيها دون هذا الفيض من المؤثرات المستمدة من الحقائق الواقعة ومن فطرة الكون وفطرة النفس وطبائع الوجود . لقد كان الكفار صادقين في إحساسهم بخطر القرآن على صفوفهم ، وهم يتناهون عن الاستماع إليه ؛ خيفة أن يجرفهم بتأثيره ويزلزل قلوبهم ، وهم يرددون أن يظلوا على الشرك صامدين . وأن سورة واحدة كهذه أو بعض سورة لتحمل من المؤثرات النفسية والعقلية ما لا يحمله جمع كبير من قوى الشرك والانحراف والفسوق .
لقد أخذ القرآن على النفوس كل مسلك ؛ ليسير بها نحو الإيمان ، وساق إليها أدلة محسوسة ملموسة ، حيث يقول سبحانه : { قل من يرزقكم من السماء والأرض } . من المطر الذي يحيى الأرض وينبت الزرع ، ومن طعام الأرض ونباتها وطيرها وأسماكها وحيوانها ، فمن سطح الأرض أرزاق ، ومن أعماقها أرزاق ، ومن أشعة الشمس أرزاق ومن ضوء القمر أرزاق . وحتى عفن الأرض كشف فيه عن دواء وترياق . { أمن يملك السمع والأبصار } . يهبهما القدرة على أداء وظائفهما أو يحرمهما ، ويصححهما أو يمرضهما ، ويصرفهما إلى العمل أو يلهيهما ، وإن تركيب العين وأعصابها و كيفية إدراكها للمرئيات ، أو تركيب الأذن وأجزائها وطريقة إدراكها للذبذبات لعالم وحده يدير الرءوس عندما يقاس هذا الجهاز أو ذلك إلى أدق الأجهزة التي يعدها الناس من معجزات العلم الحديث .
{ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } . أي : النور من الظلام والظلام من النور ، والنهار من الليل والليل من النهار ، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، والنبتة من الحبة والحبة من النبتة ، والفرخ من البيضة والبيضة من الفرخ . . . إلى آخر هذه المشاهدات العجيبة ، وإلا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة ؟ ! وأين كان يكمن العود ، وأين كانت الجذور والساق والأوراق ؟ !
{ ومن يدبر الأمر } . كله في هذا الذي ذكر وفي سواه من شئون الكون وشئون البشر ؟ ! من يدبر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق ؟ ! ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر ؟ !
{ فسيقولون الله فقل أفلا تتقون } . ( يونس : 31 ) ، أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض والذي يملك السمع والأبصار ، والذي يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، الذي يدبر الأمر كله في هذا وفي سواه : { فذالكم الله ربكم الحق } . هو سبحانه صاحب الحق والأمر تبارك الله رب العالمين .
اشتملت الآيات من 7193 من سورة يونس عل ذكر طرف من قصة نوح مع قومه ، وقصة موسى مع فرعون وملئه ، وقد تحقق فيهما عاقبة المكذبين ، وهلاك المخالفين لأوامر الله وهدى رسله ، والقصص في القرآن يجيء في السياق ؛ ليؤدي وظيفة فيه ، ويتكرر القصص في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه في السياق والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع ، ونلاحظ فيما عرض من قصتي نوح وموسى هنا ، وفي طريقة العرض ، مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي صلى الله عليه وسلم والقلة المؤمنة معه ، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان ، كما نلحظ المناسبة الواضحة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه .
بدأت قصة نوح من الحلقة الأخيرة ، حلقة التحدي الأخير بعد الإنذار الطويل والتذكر والتكذيب ، ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان ولا التفصيلات الواردة في سور أخرى ؛ لأن الهدف هنا هو إبراز التحدي الذي واجه نوحا من قومه ، واستعانته بالله ، ونجاته ومن معه وهم قلة ، وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة ، لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة التي يقصها إلى حلقة واحدة ، ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة وهي نجاة نوح ومن آمن معه في السفينة و استخلافهم في الأرض على قلتهم ، وإغراق المكذبين على قوتهم وكثرتهم . قال تعالى : { فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآيتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } . ( يونس : 73 ) .
وأما قصة موسى فيبدؤها السياق هنا من مرحلة التكذيب والتحدي وينهيها عند غرق فرعون وجنوده ، وإذا كانت قصة نوح قد ذكرت في أربع آيات فقط هي الآيات من 71 إلى 74 من سورة يونس ، فإن قصة موسى قد ذكرت على نطاق أوسع خلال ثماني عشرة آية هي الآيات من 75 إلى 93 ، وقد ألمت قصة موسى بالمواقف ذات الشبه بموقف المشركين في مكة من الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف القلة المؤمنة التي معه ، وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى مقسمة إلى ثلاثة مواقف يليها تعقيب يتضمن العبرة من عرضها في هذه السورة على النحو الذي عرضت به . وهذه المواقف الثلاثة تتتابع في السياق على هذا النحو :
الموقف الأول : وصول موسى إلى فرعون ومعه آيات تسع ذكرت في سورة الأعراف ؛ و لكنها لم تذكر في سورة يونس ولم تفصل ؛ لأن السياق لا يقتضيها ، والإجمال في هذا الموضع بغنى ، والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات الله ، لقد استقبلوها بالظلم والاستكبار قال تعالى :
{ ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون و ملإيه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين } . ( يونس : 75 ، 76 ) .
ادعى فرعون أن معجزة موسى سحر ظاهر ، وجمع له كبار السحرة وأرادوا أن يغرقوا الجماهير في صراع السحر بأن تعقد حلقة للسحر يتحدون بها موسى وما معه من آيات تشبه السحر في ظاهرها ؛ ليخرجوا منها في النهاية بأن موسى ليس إلا ساحرا ماهرا .
والموقف الثاني : موقف المبارزة بين السحرة وموسى ، فقد ألقى السحرة حبالهم وعصيهم وتحركت الحبال والعصي فبهرت جميع الناس وأرهبتهم ، ثم ألقى موسى عصاه في الأرض فانقلبت حية هائلة لها شفتان طويلتان ، شفة في الأرض تبتلع جميع الحبال والعصي التي ألقاها السحرة ، وشفة مرفوعة إلى أعلى ، ثم أمسك موسى بعصاه فعادت كما كانت ، وبطل السحر ، وعلا صوت الحق . و لكن السياق يختصر المشاهد هنا ؛ لأنها ليست مقصودة في هذا المجال ، ويسدل الستار ؛ ليرفع على موسى ومن آمن معه وهم قليل ، وهذه إحدى عبر القصة المقصودة :
{ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإيهم أن يفتنهم } . ( يونس : 83 ) .
وفي هذا الوضع تفيد الآيات : أن الذين أظهروا إيمانهم وانضمامهم لموسى من بني إسرائيل كانوا هم الفتيان الصغار لا مجموعة الشعب الإسرائيلي ، وأنهم تعرضوا للإرهاب من فرعون ، ولكن موسى ثبتهم على الإيمان ودعا موسى ربه أن ينجي المؤمنين وأن يهلك الكافرين ؛ فاستجاب الله دعاءه وجاء الموقف الحاسم .
الموقف الثالث والأخير : في قصة التحدي والتكذيب : هو غرق الطغاة الظالمين ونجاة من آمن بالمرسلين .
{ الر تلك آيات الكتاب الحكيم ( 1 ) أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ( 2 ) } .
الر : قال السلف فيها وفي أمثالها : الله أعلم بمراده : ويأتي تفصيل الحديث عنها في الشرح .
الكتاب الحكيم : القرآن المشتمل على الحكمة وهي إصابة الحق .
1 { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } .
أسلفنا الحديث عن هذه الأحرف المقطعة في صدر سورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ومجمل هذا الحديث أن هذه الفواتح للعلماء فيها رأيان رئيسان :
الأول : أنها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه .
الثاني : أن لها معنى وتعددت الآراء في تحديد هذا المعنى .
فمن العلماء من قال : إنها أسماء للسور التي تصدرتها ، ومنهم من قال : هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ، ومنهم من قال : هي حروف ذكرت للتحدي والإعجاز ، وبيان أن القرآن مكون من الحروف العربية التي تنطقون بها ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ؛ فدل ذلك على أنه من عند الله تعالى .
ومنهم من قال : هي حروف للتنبيه كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة ؛ فقد تواصى الكفار بالإعراض عن القرآن وعدم الاستماع إليه ، قال تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } . ( فصلت : 26 ) .
فلما طرق أسماعهم ما لم يألفوه ؛ تنبهوا ، فكانت هذه الأحرف بمثابة أدوات الاستفتاح التي تدعو الناس إلى الإصغاء والانتباه لما يلقى عليهم .
وجاء في تفسير الطبري حكاية عن الربيع : أن الإعجاز في هذه الأحرف : هو جواز اشتمالها على جميع الآراء التي ذكرها العلماء في تفسيرها ، فهي أسماء للسورة ، وهي حروف للتحدي والإعجاز ، وهي أدوات للتنبيه ، وهي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ، وهي في نفس الوقت مما استأثر الله تعالى بعلمه .
{ تلك آيات الكتاب الحكيم } . أي : تلك الآيات السامية ، المنزلة عليك يا محمد ، هي آيات الكتاب المشتمل على الحكمة والصواب ، الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية .
{ 1 - 2 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ }
يقول تعالى : { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } وهو هذا القرآن ، المشتمل على الحكمة والأحكام ، الدالة آياته على الحقائق الإيمانية والأوامر والنواهي الشرعية ، الذي على جميع الأمة تلقيه بالرضا والقبول والانقياد .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة " يونس " –عليه السلام- حاولت فيه أن أكشف عن بعض ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية وآداب عالية ، وهدايات جامعة وإرشادات حكيمة ، وحجج باهرة ، تقذف حقها على باطل الضالين فتدمغه فإذا هو زاهق . .
وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسيرها أن أسوق كلمة بين يديها ، تكون بمثابة التعريف بها ، وبمقاصدها الإجمالية .
وأحمد الله –تعالى- أجزل الحمد وأوفاه ، أن وفقني قبل ذلك لتفسير سور : الفاتحة ، البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، الأنعام ، الأعراف ، الأنفال ، التوبة " . . .
والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، إنه أكرم مسئول ، وأعظم مأمول .
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
1- سورة يونس –عليه السلام- هي السورة العاشرة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سور : " الفاتحة ، البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، الأنعام ، الأعراف ، الأنفال ، التوبة " .
2- وكان نزولها بعد سورة " الإسراء " .
3- وعدد آياتها : تسع ومائة آية عند الجمهور . وفي المصحف الشامي مائة وعشر آيات .
4- وسميت بهذا الاسم تكريما ليونس –عليه السلام- ولقومه الذين آمنوا به واتبعوه قبل أن ينزل بهم العذاب ، وفي ذلك تقول السورة الكريمة : [ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ]( {[1]} ) .
5- وسورة يونس من السور المكية ، وعلى هذا سار المحققون من العلماء .
وقيل إنها مكية سوى الآية الأربعين منها وهي قوله –تعالى- [ ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ] والآيتين الرابعة والتسعين ، والخامسة والتسعين وهما قوله –تعالى- : [ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ، فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ، لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ، ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ] .
قال صاحب المنار : وقال السيوطي في الإتقان : استثنى منها الآيات 40 ، 94 ، 95 ، فقيل إنها مدنية نزلت في اليهود . وقيل : من أولها إلى رأس أربعين آية مكي ، والباقي مدني ، حكاه ابن الفرس والسخاوي في جمال القراء .
ثم قال صاحب المنار : وأقول إن موضوع السورة لا يقبل هذا من جهة الدراية ، وهو مما لم تثبت به رواية ، وكون المراد بالذين يقرأون الكتاب في الآية ( 94 ) اليهود لا يقتضى أن تكون نزلت بالمدينة ، وبيان ذلك من وجهين :
أحدهما : أن المراد بالشك فيها الفرض لا وقوع الشك حقيقة ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا أشك ولا أسأل " ، وهو مرسل يؤيده قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري .
وثانيهما : أن هذا المعنى نزل في سورة مكية أخرى ، كقوله –تعالى- في سورة الإسراء : [ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم ]( {[2]} ) .
وقوله –سبحانه- في سورة الأنبياء : [ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ]( {[3]} ) .
والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة يونس جميعها مكية ، كما قال المحققون من العلماء ، لأن الذين قالوا بوجود آية أو آيات مدنية فيها لم يأتوا برواية صحيحة تصلح مستندا لهم ، ولأن السورة الكريمة من مطلعها إلى نهايتها تشاهد فيها سمات القرآن المكي واضحة جلية ، فهي تهتم بإثبات وحدانية الله ، وبإثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم وبإثبات أن هذا القرآن من عند الله ، وأن البعث حق ، وأن ما أورده المشركون من شبهات حول الدعوة الإسلامية ، قد تولت السورة الكريمة دحضه بأسلوب منطقي رصين . .
والذي يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وخشوع ، يراها في مطلعها تتحدث عن سمو القرآن الكريم في هدايته وإحكامه ، وعن موقف المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ، وعن الأدلة على وحدانية الله وقدرته .
قال –تعالى- : [ الر . تلك آيات الكتاب الحكيم . أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ، أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ، قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ] .
ثم نراها في الربع الثاني منها تصور بأسلوب حكيم طبيعة الإنسان فتقول [ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسّه ، كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ] الآية 12 .
ثم تحكي مصارع الظالمين ، وأقوالهم الفاسدة ، ورد القرآن عليهم فتقول : [ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ، وجاءتهم رسلهم بالبينات ، وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين . ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ] .
وبعد أن تمضي السورة الكريمة في دحض أقوال المشركين ، وفي بيان الطبائع البشرية ، نراها في مطلع الربع الثالث . تصور لنا حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة الضالين ، فتقول : [ والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة يمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ] .
ثم تأمر السورة الكريمة النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل المشركين بأسلوب توبيخي عمن يرزقهم من السموات والأرض ، وعمن يبدأ الخلق ثم يعيده ، وعمن يهدي إلى الحق ، فتقول : [ قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ، ومن يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ومن يدبر الأمر ، فسيقولون الله ، فقل أفلا تتقون . فذلكم الله ربكم الحق فإذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ] .
وبعد أن تتحدى السورة الكريمة المشركين أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم . وتعلن عن عجزهم على رءوس الأشهاد ، تأخذ في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي تصوير جانب من أحوالهم في حياتهم وبعد مماتهم فتقول :
[ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ، كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالين . ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين . وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون . . ] .
ثم نراها في الربع الرابع توجه نداء إلى الناس كافة تدعوهم فيه إلى الإقبال على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من مواعظ فيها الشفاء لما في الصدور ، وفيها الهداية لما في النفوس فنقول :
[ يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ] .
ثم تسوق جانبا من مظاهر قدر الله النافذة ، وعلمه المحيط بكل شيء ، فتقول : [ وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ] .
وفي مطلع الربع الخامس منها تحكي لنا جانبا من قصة نوح –عليه السلام- مع قومه ، وكيف أنه نصحهم ، وذكرهم بآيات الله ، ولكنهم لم يستمعوا إليه ، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان قال –تعالى- :
[ فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف ، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ] .
ثم تحكي لنا جانبا من قصة موسى –عليه السلام- مع فرعون ، ومن المحاورات ، والمجادلات التي دارت بينهما ، ومن الدعوات المستجابة التي توجه بها موسى إلى خالقه ، فتقول : [ وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك ، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم . قال قد أجيبت دعوتكا فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ] .
ثم نراها في الربع السادس والأخير منها ، تحكي لنا ما قاله فرعون عندما أدركه الغرق ، كما تخبرنا عن النهاية الطيبة التي لقوم يونس –عليه السلام- بسبب إيمانهم ، ثم تسوق ألوانا من مظاهر قدرة الله ، ومن حكمه العادل بين عباده ، ومن رعايته لأوليائه ورسله فتقول : [ ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ] .
ثم تختم السورة الكريمة بتوجيه نداء إلى الناس تبين لهم فيه أن من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، وأن من ضل فإنما يضل عليها فتقول : [ قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، وما أنا عليكم بوكيل . واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ] .
تلك أهم المقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، ومنها نرى بوضوح أن السورة الكريمة قد عنيت بارزة بإثبات وحدانية الله وقدرته النافذة ، وعلمه المحيط بكل شيء ، تارة عن طريق مخلوقاته التي يشاهدونها كما في قوله –تعالى- : [ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب . . . ] .
وتارة عن طريق اعترافهم بأن الله وحده هو خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم كما في قوله –تعالى- : [ قل من يرزقكم من السماء والأرض ، أم من يملك السمع والأبصار ، ومن يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ] .
وتارة عن طريق لجوئهم إليه وحده لاسيما عند الشدائد والمحن ، كما حدث من فرعون عندما أدركه الغرق .
كذلك نرى السورة الكريمة قد عنيت بدعوة الناس إلى التدبر والتفكر وإلى الاعتبار بمصارع الظالمين ، وإلى عدم التعلق بزخرف الحياة الدنيا . .
[ إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون . إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، والذين هم عن آياتنا غافلون ، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ] .
كذلك نرى السورة الكريمة قد اهتمت بالرد على الشبهات التي أثارها المشركون حول القرآن الكريم ، وحول البعث وما فيه من ثواب وعقاب . . .
فأثبتت أن هذا القرآن من عند الله ، وتحدتهم أن يأتوا بسورة من مثله فقالت : [ أم يقولون افتراء ، قل فأتوا بسورة مثله ، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ] .
كما أثبتت أن يوم القيامة حق ، وأنهم لن ينجيهم من عذاب الله في ذلك اليوم ندمهم أو ما يقدمونه من فداء فقالت : [ ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ، وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ] .
هذا ، والسورة الكريمة بعد كل ذلك تمتاز بأنها قد عرضت ما عرضت من هدايات وتوجيهات بأسلوب بليغ مؤثر ، تقشعر منه الجلود ، وتلين منه القلوب ، وتخشع له النفوس . . مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله . ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
سورة يونس من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي .
وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين ، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة .
فالسور التي افتتحت بحرف واحد ثلاثة ، وهى سورة : ص ، ق ، ن .
والسور التي افتتحت بحرفين تسعين ، وهي : طه ، طس ، يس ، وحم في ست سور ، هي : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف .
والسور التي بتدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة ، وهى : ألم في ست سور هى : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة ، والر في خمس سور هى : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر ، وطسم في سورتين هما : الشعراء ، القصص .
وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الأعراف ، الرعد ، وسورتان بدئتا بخمسة أحرف وهما : مريم ، والشورى .
فيكون مجموع السور التي افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة .
وهذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسين :
الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .
وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس - في إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبي ، وسفيان والثوري ، وغيرهم من العلماء . فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور .
ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها . وعن علي - رضي الله عنه - قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي " وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه " .
ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأي ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .
وقد أجيب عن ذلك ، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإِفهام عنها عند كل الناس ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوئل السور .
أما الرأي الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .
وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي :
1 - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة " ص " وسورة " يس " .
ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .
2 - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدالة على انقضاء سورة . وابتداء أخرى .
3 - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته فمثلا " ألم " أصلها أنا الله أعلم .
4 - وقيل : إنها اسم الله الأعظم ، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلوا من مقال . والتي أوصلها السيوطي في كتابه " الإِتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .
5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت في افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها . فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .
وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإِنصات والتدبر لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم ، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيترتب على ذلك أن يسمعوا حكما ، وهدايات قد تكون سببا في إيمانهم . ولعل مما يشهد بصحة هذا الرأي : أن الآيات التي تلى هذه الحروف المقطعة ، تتحدث عن القرآن وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في أغلب المواضع .
ومن ذلك قوله - تعالى - : في أول سورة البقرة { الاما . ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } وقوله سبحانه في أول سورة هود : { الار كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } وقوله - سبحانه - في أول سورة إبراهيم : { الار كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } وهكذا نرى أن كثيرا من السور التي افتتحت بالحروف المقطعة ، قد أعقبت هذا الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمني عن القرآن الكريم ، وأن هذه السور إذا تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الأساسية إثبات وحدانية الله ، وإثبات صحة الرسالة المحمدية ، وإثبات أن هذا القرآن الذي هو معجزة الرسول الخالدة - منزل من عند الله - تعالى - .
هذه خلاصة لآراء العلماء في المراد بالحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية . ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " الإِتقان " للسيوطي ، وإلى كتاب " البرهان " للزركشي ، وإلى تفسير الآلوسى .
ثم قال - تعالى - { تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم } .
{ تِلْكَ } اسم إِشارة والمشار إليه الآيات . والمراد بهما آيات القرآن الكريم . ويندرج فيها ىيات السورة التي معنا .
والكتاب : مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب : ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط والمراد به القرآن الكريم على الصحيح .
قال الآلوسى : " وأما حمل الكتاب على الكتب التي خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما ، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة فهو في غاية البعد " .
والحكيم - بزنة فعيل - مأخذو من الفعل حكم بمعنى منع . تقول حكمت الفرس أي وضعت الحكمة في فمها لمنعها من الجموح والنفور .
والمقصود أن هذا الكتاب ممتنع عن الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف .
قال الإِمام الرازي ما ملخصه : " وفي وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى شاتماله على الحكمة - فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر - ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله - تعالى - : { وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ وَمَا اختلف فِيهِ } ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم والإِحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا تغيره الدهور أو المراد منه براءته من الكذب والتناقض .
والمعنى : تلك الآيات السامية ، والمنزلة عليك يا محمد ، هي آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية .
وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن الإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإِنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن عليه ، كما في قوله : - تعالى - : { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } ووعد الله - تعالى - لا يتخلف .