تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} (1)

مقدمة السورة:

نظرات في سورة يوسف1

سورة يوسف سورة مكية كلها ، وآياتها مائة وإحدى عشرة آية فقط ، وقيل : إن الآيات الثلاث الأولى مدنيات وهو رأي ضعيف ؛ لأن السورة كلها قصة واحدة ومن العجائب أن يذكر هذا الاستثناء في المصحف المطبوع في مصر ويزاد عليه الآية السابعة ، قاله السيوطي في الإتقان وهو رأي واه جدا فلا يلتفت إليه .

وحين نستعرض سورة يوسف نجد أنها سورة فريدة في نوعها من بين سور القرآن الكريم فهناك قصص متعدد مثبوت في ثنايا سور القرآن ، لكن القرآن كان يكتفي أحيانا بذكر حلقة أو حلقات محدودة من القصة ، كحلقة قصة مولد عيسى ، أو حلقة قصة نوح والطوفان ؛ لأن هذه الحلقات تفي بالمقصود منها .

أما قصة يوسف فتقتضي أن تتلى كلها متوالية حلقاتها ومشاهدها من بدئها إلى نهايتها وصدق الله العظيم : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } . ( يوسف : 3 ) .

وسورة يوسف هي قصة يوسف مطوعة في سردها وطريقة أدائها وخصائصها الفنية كلها للقضية الكبرى التي جاء القرآن ليعالجها ويوضحها ، ويثبتها في القلوب . وهي قضية العقيدة وما يقوم عليها في حياة الناس من روابط ونظم وصلات ، تسبقها في السورة مقدمة تشير إلى الوحي بهذا القرآن وبقصصه الذي هو أحسن القصص ، والذي لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم ، يعرف عنه شيئا من قبل .

وتتلوها تعقيبات شتى ، تفيد أن القصص القرآني : غيب من عند الله يثبت به الرسول ، ويعظ به المؤمنين ، قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } . ( يوسف : 111 ) .

كذلك تضم السورة جناحيها على لفتات ولمسات أخرى في صفحة الكون وفي أغوار النفس ، وفي آثار الماضين ، وفي ضمير الغيب المطوي لا يدري البشر ما هو مخبوء خلف ستاره الرهيب وكل هذه العظات المبثوثة في حنايا السورة ، تتناسب مع القصة ، والقصة تتكامل معها ؛ لتحقيق القضية الكبرى التي جاء بها هذا القرآن للبشرية ، وجاءت بها رسالات الأنبياء في العصور المتلاحقة .

وقد ساق القرآن دعوة صريحة إلى العقيدة السليمة والإيمان بالله على لسان يوسف حين مكث في السجن يدعوا إلى الله ، ويأخذ بيد الضعفاء ، ويواسي المحزونين ، ويفسر الأحلام ويشرح لهم سر معرفته وإيمانه فيقول : { ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَر َالنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } . ( يوسف : 37 40 ) .

وبذلك نجد السورة تربط بين رسالات السماء جميعها برباط أساسي وهدف مشترك هو الدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشركاء والأنداد ، وبيان أن الإيمان بالله هو الطريق الواضح والدين القيم الذي يسمو بصاحبه ويعصمه من الفتنة ويمنعه من الرذيلة ويجعله يقف ثابت اليقين ، يقاوم الإغراء ، ويرد المنحرف إلى طريق الصواب . قال تعالى : { و َرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } . ( يوسف : 23 ) .

قصة يوسف

قصة يوسف أطول قصة في القرآن تجتمع حلقاتها كلها في سورة واحدة وتلحظ فيها الخصائص الفنية البحتة للقصة خصائص الموضوع ، وخصائص العرض والأداء .

فالقصة غنية بالعنصر الإنساني ، حافلة بالانفعال والحركة ، وطريقة الأداء ، تبرز هذه العناصر إبرازا قويا ، فضلا عن خصائص التعبير القرآنية الموحية المؤثرة .

في القصة يتجلى عنصر الحب الأبوي في صور ودرجات منوعة واضحة الخطوط والمعالم ، في حب يعقوب ليوسف وأخيه وحبه لبقية أبنائه ، وفي استجاباته للأحداث حول يوسف من أول القصة إلى آخرها .

وعنصر الغيرة والتحاسد بين الإخوة من أمهات مختلفات ، بحسب ما يرون من تنوع صور الحب الأبوي .

وعنصر التفاوت في الاستجابات المختلفة للغيرة والحسد في نفوس الإخوة ؛ فبعضهم يقوده هذا الشعور إلى إضمار جريمة القتل ، وبعضهم يشير فقط بطرح يوسف في الجب تلتقطه بعض القوافل السيارة ، وفي قصة يوسف نجد عنصر المكر والخداع في صور شتى من مكر إخوة يوسف به إلى مكر امرأة العزيز بيوسف وبزوجها وبالنسوة .

وعنصر الشهوة ونزواتها والاستجابة لها بالاندفاع أو بالإحجام ، وبالإعجاب والتمني ، والاعتصام والتأبي .

وعنصر الندم في بعض ألوانه ، والعفو في أوانه ، والفرح بتجمع المتقاربين ، وذلك إلى بعض صور المجتمع المتحضر في البيت والسجن والسوق والديوان في مصر يومذاك ، والمجتمع العبراني ، وما يسود العصر من الرؤى والتنبؤات .

وقد بدأت القصة بالرؤيا يقصها يوسف على أبيه ، فينبئه بأن سيكون له شأن عظيم ، وينصحه بألا يقصها على إخوته ؛ كي لا يثير حسدهم فيغريهم الشيطان به فيكيدون له ، ثم تسير القصة بعد ذلك ، وكأنما هي تأويل للرؤيا ولما توقعه يعقوب من ورائها حتى إذا اكتمل تأويل الرؤيا في النهاية أنهى السياق القصة ، ولم يسر فيها كما سار كتاب ( العهد القديم ) بعد هذا الختام الفني الدقيق الوافي بالغرض كل الوفاء .

وما يسمى : بالعقدة الفنية في القصة الحديثة واضح في قصة يوسف ، فهي تبدأ بالرؤيا ، ويظل تأويلها مجهولا ، ينكشف قليلا قليلا حتى تجيء الخاتمة فتحل العقدة حلا فنيا طبيعيا ، يرضى الذوق الفني الخالص ، ويرضى الوجدان الديني ، ويفي بدوره للقضية الكبرى التي سيقت القصة لها من الأساس .

والقصة مقسمة إلى حلقات كل حلقة تحتوي على جملة من مشاهد ، والسياق يترك فجوات بين المشهد والمشهد بحيث يترك بين كل مشهدين أو حلقتين فجوة يملؤها الخيال ، ويكمل فيها ما حذف من حركات وأقوال ، ويستمتع بإقامة الصلات بين المشهد السابق والمشهد اللاحق ، فيمنح القصة بعض خصائص التمثيلية ، ويملؤها بالحركة والحيوية وهذه الطريقة متبعة في جميع القصص القرآني على وجه التقريب وهي شديدة الوضوح في القصص الكبيرة ، وخاصة قصة يوسف الصديق .

يوسف بين إخوته وأبيه

أكرم الله نبيه يوسف بأصل كريم ؛ فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وقد رزق يعقوب اثني عشر ابنا هم الأسباط ، كان يوسف وبنيامين من أم تسمى : راحيل ، وبقية الأسباط من أمهات أخرى .

وقد ماتت راحيل أم يوسف وتركته في الثامنة عشرة من عمره أشد ما يكون حاجة إلى قلب الأم وعطفها ؛ ولهذا آثر يعقوب يوسف وبنيامين بالحب والحنان ، فسرى داء الحسد بين بقية الإخوة وقال قائل منهم : ألا ترون أن يوسف أحب إلى أبينا منا وأقرب منا جميعا .

وقال الثاني : إن حب يوسف قد تمكن من قلب يعقوب ولا شفاء ليعقوب من هذا المرض إلا بإبعاد يوسف عنه ، فيجب أن نقتل يوسف أو نتركه في أرض نائية مقطوعة حتى يموت .

وقال يهوذا : إن القتل لا يقره العقل ولا الدين فلا تقتلوا يوسف وإنما ألقوه في البئر العميق بجوار بيت المقدس ، فهذا البئر ملتقى الغادي والرائح وسيأخذه بعض القوافل ويبعدون به عنكم ، فوافقوا جميعا على رأي يهوذا ، وبيتوا أمرهم عليه .

رؤيا يوسف

أصبح يوسف فأخبر أباه : أنه رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدين له ، فعلم الأب أن ابنه سيكون له شأن عظيم ، وأن أسرته ستأتي له خاضعة معترفة بفضله فيسجد بين يديه يعقوب أبوه ، وخالته ليا وهي بمنزلة أمه ، وإخوته الأحد عشر ، ولكن يعقوب خشي على يوسف من حسد إخوته ؛ فأمره أن يكتم هذه الرؤيا وألا يخبر بها أحدا ، ولأمر ما تسرب خبر هذه الرؤيا إلى الإخوة ؛ فأشعل نار الغيرة بينهم واستأذنوا أباهم في مصاحبة يوسف يوما إلى المرعى حيث الهواء الطلق والمنظر الجميل ؛ فأذن لهم بعد تردد ، وأخذوا يوسف وألقوه في ظلام البئر بعد أن استغاث بهم فلم يغيثوه ، وألقى الله على يوسف السكينة ؛ فاطمأن لمصيره ، وجاءت قافلة تريد الماء وألقت بدلوها إلى البئر فتعلق يوسف بالدلو وفرحت القافلة بمنظر الغلام الجميل ، وقدموا به إلى أرض مصر فباعوه إلى عزيز مصر ووزيرها الأكبر بثمن بخس زهيد ، ولمح العزيز في يوسف كرم الأصل وشرف العنصر وجمال الخلق وطيب المنبت ، فقال العزيز لامرأته : أكرمي مثوى هذا الغلام ، وأحسني معاملته ، حاشاك أن تزجريه زجر الخدم أو تضربيه ضرب العبيد ؛ فإني لأرجو إذا اكتمل عوده ونضجت سنه أن ينفعنا أو نتخذه ولدا !

وانصرف يوسف إلى العمل ببيت العزيز في جد وأمان ، فمكن الله له في الأرض وأودع محبته في قلوب الجميع . فلما وصل إلى سن الرشد والقوة ، وهو يقع عادة بين العشرين والثلاثين ؛ آتاه الله حكما وعلما ، وصوابا في الحكم على الأمور ، ومعرفة بمصائر الأحاديث وتأويل الرؤيا .

وهكذا أراد إخوة به أمرا وأراد الله له أمرا ، ولكن أمر الله غالب ، ومشيئته نافذة ، فقد زادت ثقة العزيز في يوسف وظهر له مكنون حزمه وعقله ، وأمانته ونزاهته ؛ فأدخله فيما بين نفسه وأهله ، وبوأه مكان الأشراف الأحرار ووضعه من قلبه موضع الأبناء الأبرار .

يوسف وامرأة العزيز

نما يوسف وترعرع وبلغت سنه خمسا وعشرين سنة ، وصار أمينا في بيت العزيز ، وكانت امرأة العزيز في سن الأربعين ، ولها سلطان الملك وقدرة الأمر والنهي ، وسيطرة النفوذ والجاه ، ولكن سلطان الحب قد ملك قلبها وسيطر فؤادها ، وحاولت إغراء يوسف مستغلة كل فنون الإغراء ، قال تعالى : { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك } . ( يوسف : 23 ) .

فكلمة : راودته من راد ، يراود بالإبل ؛ إذا ذهب بها وجاء ، وهي تشير إلى فنون الأنثى مقبلة إلى فن مدبرة عن فن من فنون الإغراء الصامتة التي تحاول أن تثير يوسف ، فلما يئست من الصمت { غلقت الأبواب } بتشديد اللام ، كأنها أرادت أن تجعل الأبواب حيطانا ، ثم عرضت نفسها على يوسف ، { وقالت هيت لك } ، قد تهيأت لك راغبة فيك ، وهنا وقد خلعت المرأة ثياب الملك والعظمة والسيادة ، ولبست ثوب الإغراء والتوله والرغبة ، وقف يوسف في عزة وإباء وإيمان يقول : { مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } . ( يوسف : 23 ) .

فالمرأة في كل العصور أكثر عاطفة من الرجل ، وأكثر تدينا وإيمانا ، وأكثر مراعاة لحرمة الزوجية ، وأكثر نفورا من الظلم ولهذا عمد يوسف إلى عاطفة الإيمان بالله فقال : { معاذ الله } . أستعيذ بالله من الفحشاء والمنكر ، إن زوجك أكرمني وجعلني أمينا على بيته وعرضه فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ! { إنه ربي أحسن مثواي } . وهناك عين الله التي ترى وتعلم السر وأخفى ، وهذا ظلم وعدوان وإنه { لا يفلح الظالمون } .

ولكن المرأة كانت قد صمت أذنيها عن سماع كل موعظة وأغضت عينيها عن رؤية الحق ، ولم يبق في ذهنها إلا فكرة واحدة في مكان . . في رجل . . فهمت به صائلة عليه ؛ لتنتقم لنفسها وكرامتها ، أو لترغمه على طاعتها ، وهم بها ليضربها أو يقتلها ؛ دفاعا عن الفضيلة والشرف ، ولكن الله ألهمه أن الفرار خير من القتال ، والمسالمة خير من المواثبة ، وفتحت الأبواب أمامه فأسرع هاربا منها ولكنها عدت وراءه ؛ طمعا في تنفيذ رغبتها ، أو خوفا من افتضاح أمرها ، { واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر } . ( يوسف : 25 ) ؛ نتيجة جذبها له لترده عن الباب ، وعند الباب وقعت مفاجأة ، فقد كان العزيز يمر في تلك اللحظة فرأى يوسف واقفا وقميصه ممزقا ، وكان موقفا يبعث على الريبة ويثير الاتهام ، فاتهمت المرأة يوسف بأنه راودها عن نفسها وهجم عليها في مخدعها ولابد من سجنه أو إذاقته مر العذاب ! ! !

لم يجد يوسف بدا من الاعتراف بالواقع ، فقال : هي التي راودتني عن نفسي وجذبتني من ثوبي ، وهذا قميصي شاهد على صدقي ، وأمام تضارب الأقوال ؛ استدعى الملك ابن عمها وكبير أسرتها ، وكان فطنا لبيبا ، فسمع القضية من أطرافها ، وفطن لما وراء قصتها فقال : إن كان قميصه قد من الأمام ؛ فذلك إذن من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها ؛ فهي صادقة وهو من الكاذبين . وإن كان قميصه قد من الخلف ؛ فهو إذن من أثر هروبه منها ومطاردتها له حتى الباب ؛ فهي كاذبة وهو من الصادقين .

فلما رأى الملك بعينه أن القميص قد مزق من الخلف ؛ وضح الحق وظهرت براءة يوسف أمامه ، والتفت العزيز إلى امرأته وقال : إن هذا من كيد النساء ومكرهن ؛ فاستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ، وأنت يا يوسف أمسك لسانك عن الخوض في هذا الحديث ، واكتم أمره عن الناس أجمعين .

يوسف عزيز مصر

تعرض يوسف لحلقات متتابعة من الإغراء والوعد والوعيد ، وتوالت عليه حملات زليخا ، ونساء من وجوه المدينة ، فدعا يوسف ربه : أن ينجيه من كيدهن ومكرهن ، وقال : { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } . ( يوسف : 33 ) .

ورأى العزيز أن يضحى بهذا البريء النزيه حتى تسكت الألسنة وتخف عن زوجته التهمة ، فأدخل يوسف السجن ، وكان يوسف في السجن مثالا كريما في الدعوة إلى الإيمان وتفسير الأحلام وإرشاد الناس إلى الحق ، ثم رأى الملك في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف ، وفسر يوسف هذه الرؤيا : بأن البلد مقبلة على سبع سنين مخصبة يجود فيها النيل بالماء ، ثم تأتي بعدها سبع سنين مجدبة يجف فيها ماء النيل ، ويعقب ذلك عام طيب مثمر ، فأمر الملك بالعفو عن يوسف ، ولكنه أبى أن يخرج من السجن إلا بعد التثبت من براءته ونزاهته ، فاعترفت النسوة بنزاهته وقلن : { حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } . ( يوسف : 51 ) .

فخرج يوسف من السجن بريئا نزيها ، ثم نال إعجاب الملك والحظوة عنده ، وعلم يوسف أن مصر قادمة على مجاعة ، فالنيل سيجود بالماء سبع سنين ثم يمتنع عن الفيضان سبع سنين أخرى ، ورأى يوسف ثقة الملك فيه وإعجابه بنزاهته وأمانته فقال يوسف : { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } . ( يوسف : 55 ) .

واستطاع يوسف بحكمته أن ينجي مصر من المجاعة ، وأن يدخر القمح في سنابله ، والذرة في كيزانها ، وأن يدبر التموين والأموال ، وأن يحفظ لمصر مكانتها وفضلها ، فاستطاعت أن تساعد نفسها وأن تمد يد العون لما حولها من البلاد ووصل خبر يوسف إلى البلاد المجاورة ، وإلى أرض كنعان حيث يقيم نبي الله يعقوب وأبناؤه الأسباط .

فقال يعقوب لبنيه : يا بني ، إن الجدب عمنا والقحط يكاد يأتي علينا ، فاقصدوا هذا العزيز وأحضروا من عنده القمح والطعام واتركوا عندي أخاكم بنيامين أتعزى ببقائه عن فراقكم ، فرحل أبناء يعقوب إلى مصر ؛ قاصدين مقابلة العزيز .

واستأذن الحاجب على يوسف ، فقال : إن بالباب عشرة رجال تتشابه وجوههم وكأنهم غرباء عن هذه الديار يستأذنون في الدخول عليك ؛ فأذن يوسف لإخوته وعرفهم ولكنهم لم يعرفوه ، فقد تركوه في الجب ذليلا فريدا ، فأين منه هذا الأمير العزيز الذي يأمر فيطاع ، ويقول فيمتثل الجميع أمره . وأكرم يوسف وفادتهم ، وترك نقودهم داخل التموين الذي أمدهم به ، وطلب منهم أن يحضروا بنيامين معهم في المرة الثانية ، ولما حضر بنيامين مع إخوته استطاع يوسف أن يستبقيه معه بحيلة دبرها ، ثم ذهب الإخوة إلى أبيهم ، فاشتد حزنه لفراق يوسف وبعده بنيامين وجلس حزينا في محرابه يبكي أشد البكاء ويقول : { يا أسفي على يوسف } . ( يوسف : 74 ) .

ثم قال الأب لأبنائه : إني أحس في قرارة نفسي بوجود يوسف على قيد الحياة ؛ فاذهبوا إلى مصر وتحسسوا من يوسف وأخيه ، ولا تيأسوا من فضل الله ورحمته ، ودخل الإخوة على يوسف وقد اشتد بهم الضر والحاجة ، فطلبوا من يوسف أن يرفق بهم وأن يتصدق عليهم ، وهنا فاض قلب يوسف حنانا وعطفا على إخوته ، وسألهم عما فعلوه بيوسف في زمان جهلهم ، فقالوا : إنك لأنت يوسف ؟ قال : أنا يوسف وهذا أخي بنيامين ، { قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . ( يوسف : 90 ) .

لقد اتقى يوسف ربه وصبر عن الفحشاء وتحمل السجن في طاعة الله فلم يضع أجره ، وجعله الله على خزائن الأرض عزيزا كريما ، فالله يتولى الصالحين . وصفح يوسف عن إخوته وقال لهم : { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين } . ( يوسف : 93 ) .

وعاد الإخوة إلى أبيهم فأحس برائحة القميص من مسافة بعيدة ، ولما وضع القميص على وجهه ؛ عاد بصيرا ، ورحل يعقوب مع أسرته قادمين إلى مصر ودخلوا على يوسف وخروا له جميعا ساجدين ، الأب والأم والإخوة ، فقال يوسف : { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا } . ( يوسف : 100 ) .

وشكر يوسف ربه ؛ إذ أخرجه من السجن ، وجاء بإخوته من البادية ، وجمع شمل الأسرة ، ثم مكن الله ليوسف في الأرض ، وآتاه الملك والحكمة ؛ ليكون في قصته دليلا للعاملين ونبراسا للمخلصين ، وكأن الله يمهد الأسباب والمقدمات بلطفه وحكمته ؛ لتكون العاقبة للمتقين ، ومد يوسف يده لله طالبا منه حسن الخاتمة والسير في موكب الصالحين فقال : { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين } . ( يوسف : 101 ) .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ 1إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 2 نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ 3 } .

المفردات :

الر : هذه الأحرف التي تبدأ بها السور ، قيل : إنها أسرار علوية ، وقيل : إنها أقسام الله تعالى . أي : أقسم الله بهذه الأحرف التي ينطق بها الناس ، ويتكون منها القرآن الكريم .

وقيل : هي أسماء الله تعالى ، أو صفات .

وقيل : هي إشارات لابتداء كلام وانتهاء كلام .

وقيل : هي أسماء للسور .

وقيل : هي حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان : أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن مع أنه مكون من حروف عربية هي : الألف واللام والراء ، وهم ينطقون بها ويؤلفون منها كلامهم .

وقال بعضهم بجواز اشتمال هذه الأحرف على جميع المعاني التي ذكرها العلماء في تفسيرها ، فهي أسماء للسورة ، وهي رموز لأسماء الله تعالى أو صفاته ، وهي مما استأثر الله تعالى بعلمه ،

وهي حروف للتحدي والإعجاز . . . الخ .

1

التفسير :

1 { الر . . . } الآية .

هذه الأحرف قيل : هي مما استأثر الله بعلمه ، وقيل : هي حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان : أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن ، مع أنه مكون من حروف عربية ينطقون بها ويكونون منها كلامهم .

وقد اشتملت هذه الفواتح في أوائل السور على ( 14حرفا ) بعد حذف المكرر منها ، واشتملت هذه الفواتح على نصف صفات الحروف ؛ ففيها نصف الحروف الرخوة ، وفيها نصف حروف الاستفال ، ونصف حروف القلقلة ، وكأن الله تعالى يقول للمكذبين : جعلت من نصف هذه الحروف فواتح للسور ، وتركت لكم النصف ؛ لتصنعوا من قرآنا إن استطعتم !

والسور المبدوءة بهذه الحروف 29 سورة هي : البقرة ، آل عمران ، الأعراف ، يونس ، يوسف ، الرعد ، إبراهيم ، الحجر ، مريم ، طه ، الشعراء ، النمل ، القصص ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة ، يس ، ص ، غافر ، فصلت ، الشورى ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف ، ق ، القلم .

{ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } .

تلك الآيات الواردة في هذه السورة : آيات من الكتاب الواضح الظاهر في معانية وأغراضه ، المبين لحقائق الدين الحق ، ومصالح الدنيا والآخرة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام وهي مكية

{ 1 - 3 ْ } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ْ }

يخبر تعالى أن آيات القرآن هي { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ْ } أي : البين الواضحة ألفاظه ومعانيه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} (1)

مقدمة السورة:

تعريف بسورة يوسف –عليه السلام-

1- سورة يوسف –عليه السلام- هي السورة الثانية عشرة في ترتيب المصحف ، فقد سبقها في الترتيب سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس وهود . .

أما ترتيبها في النزول ، فكانت السورة الثالثة والخمسين ، وكان نزولها بعد سورة هود –عليه السلام- .

وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة آية .

وجه تسميتها بهذا الاسم ظاهر ، لأنها مشتملة على قصته –عليه السلام- مع إخوته ، ومع امرأة العزيز ، ومع ملك مصر في ذلك الوقت . .

ولم يذكر اسم يوسف –عليه السلام- في غير هذه السورة سوى مرتين : إحداهما في سورة الأنعام في قوله –تعالى- [ ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ، ونوحا هدينا من قبل ، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون . . . ] الآية 84 .

والثانية في سورة غافر في قوله –تعالى- [ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات . . . ] الآية 34 .

والقول الصحيح أن سورة يوسف جميعها مكية ، ولا التفات إلى قول من قال بأن فيها آيات مدنية ، لأن هذا القول لا دليل عليه .

قال الآلوسي : سورة يوسف مكية كلها على المعتمد ، وروى عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا : هي مكية إلا ثلاث آيات من أولها . واستثنى بعضهم رابعة وهي قوله –تعالى- : [ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ] .

2- وكل ذلك واه جدا لا يلتفت إليه ، وما اعتمدناه –كغيرنا- من أنها كلها مكية – هو الثابت عن الحبر أي عن ابن عباس " ( {[1]} ) .

3- وقد ورد في سبب نزولها روايات متعددة ، منها ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه على أصحابه زمانا ، فقالوا : يا رسول الله ، لو قصصت علينا فنزلت سورة يوسف . . . " ( {[2]} ) .

4- طبيعة الفترة التي نزلت فيها هذه السورة : قلنا إن سورة يوسف كان نزولها بعد سورة هود ، وسبق أن بينا عند تفسيرنا لسورة هود ، أن هذه السورة الكريمة كان نزولها –على الراجح- في الفترة التي أعقبت حادث الإسراء والمعراج . .

ويبدو أن سورة يوسف –أيضا- كان نزولها في هذه الفترة ، التي تعتبر من أشق الفترات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذ تعرض خلالها للكثير من أذى المشركين ، بعد أن فقد صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة عمه أبا طالب ، وزوجه السيدة خديجة – رضي الله عنها .

ونزول سورة يوسف في هذه الفترة ، كان من أعظم المسليات التي واسى الله –تعالى- بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقد أخبره عما دار بين يوسف وإخوته ، وعما تعرض له هذا النبي الكريم من مصائب وأذى . .

ولاشك أن في قصة يوسف وما يشبهها ، تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه .

5- والذي يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها قد اشتملت على أوضح الدلائل ، وأنصع البراهين ، التي تشهد بأن هذا القرآن من عند الله . . .

فقد قصت علينا قصة يوسف –عليه السلام- مع إخوته ومع غيرهم بأسلوب مشوق حكيم ، يهدي النفوس ، ويشرح الصدور ، ويكشف عن الخفايا التي لا يعلمها أحد إلا الله –تعالى- ، ويصور أحوال النفس الإنسانية تصويرا بديعا معجزا . .

كما يراها قد ساقت ما ساقت من حكم وأحكام ، وعبر وعظات ، بأسلوب يمتاز بحسن التقسيم ، وجمال العرض ، حتى إننا لنستطيع أن نقسم أهم الموضوعات التي تحدثت عنها إلى عشرة أقسام .

( أ‌ ) أما القسم الأول( {[3]} ) منها ، فنراها تتحدث فيه عن جانب من فضائل القرآن الكريم ، وعن رؤيا يوسف –عليه السلام- وعن نصيحة أبيه له بعد أن قصها عليه . .

قال –تعالى- [ ألر . تلك آيات الكتاب المبين* إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون* نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين* إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين* قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ] .

( ب‌ ) وفي القسم الثاني( {[4]} ) منها نراها تحدثنا عن مكر إخوة يوسف به ، وحسدهم له ، وتآمرهم على الانتقام منه وإجماعهم على أن يلقوا به في الجب ، وتنفيذهم لذلك بعد خداعهم لأبيهم ، وزعمهم له بأنهم سيحافظون على أخيهم يوسف . . .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكي كل ذلك بأسلوبه البديع المعجز فيقول : [ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين* إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ، إن أبانا لفي ضلال مبين* اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين* قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب . يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ] .

إلى أن يقول –سبحانه- : [ وجاءوا على قميصه بدم كذب ، قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ] .

( ج ) ثم نراها في القسم الثالث( {[5]} ) منها تحدثننا عن انتشال السيارة ليوسف من الجب ، وعن بيعهم له بثمن بخس دراهم معدودة ، وعن وصية من اشتراه لامرأته بإكرام مثواه ، وعن محنته مع تلك المرأة التي راودته عن نفسه [ وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ] وعن خروجه من هذه المحنة بريئا ، نقي العرض ، طاهر الذيل . . . بعد أن شهد ببراءته شاهد من أهلها .

قال –تعالى- : [ وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ، قال يا بشرى هذا غلام ، وأسروه بضاعة ، والله عليم بما يعملون* وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين* وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا . . . ] .

إلى أن يقول –سبحانه- : [ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون . . . ] .

ثم يختم –سبحانه- هذا القسم من السورة بحكاية ما قاله الزوج لامرأته وليوسف ، بعد أن تبين له صدق يوسف وكذب امرأته فيقول : [ فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم* يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ] .

( د ) ثم تحدثنا السورة بعد ذلك في القسم الرابع( {[6]} ) منها عن شيوع خير امرأة العزيز مع فتاها ، وعما فعلته تلك المرأة مع من أشاع هذا الخبر ، وعن لجوء يوسف –عليه السلام- إلى ربه يستجير به من كيد هؤلاء النسوة . .

قال –تعالى- حاكيا هذا المشهد بأسلوب معجز : [ وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ، قد شغفها حبا ، إنا لنراها في ضلال مبين* فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن . فلما رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهن ، وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم* قالت فذلكن الذي لمتني فيه ، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين* قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين* فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم* ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ] .

( ه ) ثم تحدثنا السورة الكريمة بعد ذلك في القسم( {[7]} ) الخامس منها ، عن يوسف السجين المظلوم ، وكيف أنه لم يمنعه السجن من دعوة رفاقه فيه إلى وحدانية الله ، وإلى إخلاص العبادة له –سبحانه- .

[ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار* ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ] .

( و ) ثم تحدثنا السورة الكريمة في القسم( {[8]} ) السادس منها عن الرؤيا المفزعة التي رآها ملك مصر في ذلك الوقت ، وكيف أن حاشيته عجزت عن تفسيرها ، ولكن يوسف الصديق فسرها تفسيرا صحيحا أعجب الملك ، وحمخله على دعوته للالتقاء به ، إلا أن يوسف –عليه السلام- أبى الالتقاء به إلا بعد أن يحقق الملك في قضيته بنفسه ، ويعلن براءته على رءوس الأشهاد . .

وبعد أن استجاب الملك لطلب يوسف ، وثبتت براءته –عليه السلام- حضر معززا مكرما وقال للملك بعزة وإباء : [ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ] .

استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكي هذا المشهد بأسلوبها الزاخر بالمحاورات والمفاجآت ، فتقول : [ وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، يأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون* قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين* وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون* يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون* قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون . . . ] .

وينتهي هذا المشهد ببيان سنة من سنن الله –تعالى- التي لا تتخلف ، والتي تتمثل في حسن عاقبة المؤمنين حيث يقول –سبحانه- : [ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين* ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ] .

( ز ) ثم تنتقل السورة الكريمة في القسم السابع( {[9]} ) منها إلى الحديث عن اللقاء الأول الذي تم بين يوسف وإخوته ، بعد أن حضروا من بلادهم بفلسطين إلى مصر يلتمسون الزاد والطعام . . . وكيف أنه عرفهم دون أن يعرفوه . . وكيف أنه –عليه السلام- طلب منهم بعد أن أكرمهم أن يحضروا إليه من بلادهم ومعهم أخوهم من أبيهم –وهو شقيقه " بنيامين " .

وكيف أن أباهم وافق على إرسال " بنايمين " معهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق لكي يحافظوا عليه . .

استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكي كل ذلك فتقول : [ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون* ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين* فإن لم تأتوني به فلا كيف لكم عندي ولا تقربون* قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون* وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون* فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون* قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ، فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين . . . ] .

( ح ) ثم حدثتنا السورة الكريمة في القسم الثامن( {[10]} ) منها عن اللقاء الثاني الذي تم بين يوسف وإخوته ، بعد أن حضروا إلي في هذه المرة ومعهم " بنيامين " شقيق يوسف ، وكيف قام يوسف بالتعرف عليه ، ثم كيف احتجزه عنده بحيلة دبرها بإلهام من الله –تعالى- وكيف رد على إخوته الذين طلبوا منه أن يأخذ أحدهم مكان " بنيامين " . . .

وماذا قال " يعقوب " –عليه السلام- بعد أن عاد إليه أبناؤه ، وليس معهم " بنيامين " .

استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكي كل هذه المشاهد والأحداث فتقول :

[ ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون* فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ، ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون* قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون* قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمخل بعير وأنا به زعيم* قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين* قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين* قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين* فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ، كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم . . . ] .

وينتهي هذا القسم بقول يعقوب –عليه السلام- لأبنائه بعد أن عادوا إليه وليس معهم أخوهم بنيامين : [ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم* وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم* قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين . قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون . يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ] .

( ط ) ثم حدثتنا السورة الكريمة بعد ذلك في القسم التاسع( {[11]} ) منها عن اللقاء الثالث والأخير بين يوسف وإخوته ، فحكت لنا أن يوسف –عليه السلام- كشف لإخوته عن نفسه في هذا اللقاء . وأمرهم بأن يذهبوا بقميصه ليلقوا به على وجه أبيه . . . كما أمرهم أن يعودوا إليه ومعه جميع أهلهم .

كما حكت لنا لقاء يوسف بأبويه ، وإكرامه لهما ، وشكره لله –تعالى- على ما وهبه من نعم . .

قال –تعالى- حاكيا ما دار بين يوسف وإخوته ، وبين يوسف وأبيه في هذا اللقاء : [ فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين* قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون* قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد منَّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ] .

[ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا . وأتوني بأهلكم أجمعين . . . ] .

[ فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ] .

ثم ختم –سبحانه- قصة يوسف بهذا الدعاء الذي حكاه –سبحانه- عنه في قوله : [ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ، فاطر السموات والأرض ، أنت وليي في الدنيا والآخرة ، توفني مسلما وألحقني بالصالحين ] .

( ي ) أما القسم العاشر( {[12]} ) والأخير من السورة الكريمة ، فقد كان تعقيبا على ما جاء في تلك القصة من حكم وأحكام ، ومن عبر وعظات ، ومن آداب وهدايات . .

وقد بين –سبحانه- في هذا القسم ما يدل على أن القرآن من عند الله ، وما يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه . .

كما بين –سبحانه- في هذا القسم ما يدل على أن القرآن من عند الله ، وما يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه . .

كما بين –سبحانه- وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف المشركين من دعوته وأنه صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من الرسل وأن العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين .

قال تعالى : [ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون* وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين* وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين* وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون* وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون . . . ] .

ثم يختتم –سبحانه- هذه السورة الكريمة بقوله : [ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ] .

6- هذا عرض مجمل لأهم الموضوعات التي اشتملت عليها سورة يوسف –عليه السلام- ومن هذا العرض نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتي :

( أ‌ ) إبراز الحقائق والهدايات ، بأسلوب المحاورات والمجادلات والمناقشات . . . ومن مظاهر ذلك :

المحاورات التي دارت حول إخوة يوسف في شأن الانتقام منه ، والتي منها قوله –تعالى- : [ لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين* إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين* اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ، وتكونوا من بعده قوما صالحين* قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ] .

والمحاورات التي دارت بينهم وبين أبيهم في شأن اصطحابهم ليوسف ، والتي منها قوله –تعالى- : [ قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون* أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون* قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون* قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ] .

والمحاورات التي دارت بين يوسف وإخوته ، بعد أن عرفهم وهم له منكرون ، وبعد أن ترددوا عليه ثلاث مرات للحصول على حاجتهم من الزاد . . والتي منها قوله –تعالى- : [ فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين . قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون* قالوا أئنك لأنت يوسف ، قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا ، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين* قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين* قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ] .

وهكذا نجد السورة الكريمة زاخرة بأسلوب المحاورات والمناقشات والمجادلات . تارة بين يوسف وإخوته ، وتارة بين إخوته فيما بينهم ، وتارة بينهم وبين أبيهم ، وتارة بين يوسف وامرأة العزيز ، وتارة بينه وبين ملك مصر في ذلك الوقت .

وهذه المحاورات التي حفلت بها السورة الكريمة ، قد أكسبتها لونا من العرض المشوق ، الذي يجعل القارئ لها يتعجل حفظ كل موضوع من موضوعاتها ، ليصل إلى الموضوع الذي يليه .

وهذا الأسلوب في عرض الحقائق من أسمى الأساليب التي تعين القارئ على حفظ القرآن الكريم ، وعلى تدبر معانيه ، وعلى الانتفاع بهداياته . . .

( ب‌ ) إبرازها لجوهر الأحداث ولبابها . . أما تفاصيل هذه الأحداث . فتركت معرفتها لفهم القارئ وفطنته ، وسلامة تفكيره ، وحسن تدبره لكلام الله –تعالى- . .

وهذا اللون من العرض للأحداث ، يسمى في عرف البلغاء ، بأسلوب الإيجاز بالحذف والقارئ لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها على رأس السور القرآنية التي كثر فيها هذا الأسلوب البليغ .

فمثلا قوله –تعالى- : [ وجاءوا على قميصه بدم كذب ، قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل . . . ] معطوف على كلام محذوف يفهم من السياق .

والتقدير : وبعد أن ألقى إخوة يوسف به في الجب وانصرفوا لشئونهم " جاءوا على قميصه بدم كذب " لكي يخدعوا أباهم ، فلما أخبروه بأن الذئب قد أكله قال : [ بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل . . . ] .

وكذلك قوله –تعالى- : [ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه . . . ] مترتب على كلام محذوف يفهم من سياق الآيات .

والتقدير : وبعد أن سمع ما قالته النسوة بشأنه عندما دخل عليهن بأمر من امرأة العزيز ، وسمع تهديد هذه المرأة له بقولها : [ قالت فذلكن الذي لمتني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ] .

بعد أن سمع يوسف كل ذلك ، وتيقن من مكرهن به ، لجأ إلى ربه مستجيرا به من كيدهن فقال : [ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه . . . ] .

وأيضا قوله –تعالى- : [ وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئتكم بتأويله فأرسلون* يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان . . . ] . يعتبر من بديع أسلوب الإيجاز بالحذف ، إذ تقدير الكلام :

وبعد أن عجز الملأ عن تفسير رؤيا الملك ، وقالوا له : إن رؤياك أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ، قال الذي نجا منهما ، أي : من صاحبي يوسف في السجن وهو الساقي [ وادكر بعد أمة ] أي وتذكر بعد نسيان طويل [ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ] إلى من عنده تفسير هذه الرؤيا تفسيرا صحيحا –وهو يوسف- فاستجابوا له وأرسلوه إلى يوسف ، فذهب إليه في السجن ، فلما دخل عليه قال له : يا يوسف يأيها الصديق ، أفتنا في سبع بقرات سمان . . . إلخ .

وهذا الأسلوب الذي زخرت به السورة الكريمة ، وهو أسلوب الإيجاز بالحذف ، من شأنه أنه ينشط العقول ، ويبعثها على التأمل والتدبر فيما تقرؤه ، ويعينها على الاتعاظ والاعتبار . .

وهو أسلوب أيضا تقتضيه هذه السورة الكريمة ، لأنها تتحدث عن قصة نبي من أنبياء الله –تعالى- . والحديث عن ذلك يستلزم إبراز جوهر الأحداث ولبابها ، لا إبراز تفاصيلها وما لا فائدة من ذكره .

فاشتمال السورة الكريمة على هذا الأسلوب البليغ ، هو من باب رعاية الكلام لمقتضى الحال ، وهو أصل البلاغة وركنها الركين .

( ج ) السورة الكريمة اهتمت اهتماما واضحا بشرح أحوال النفس البشرية وتحليل ما يصدر عنها في حال رضاها وغضبها ، وفي حال صفائها وحقدها . .

وقد حدثتنا عن الشخصيات التي وردت فيها حديثا صادقا أمينا ، كشفت لنا فيه عن جوانب متعددة من أخلاقهم ، وسلوكهم ، وميولهم ، وأفكارهم . . وأعطت كل واحد منهم حقه في الحديث عنه .

( 1 ) فيوسف –عليه السلام- وهو الشخصية الرئيسية في القصة –حدثتنا عنه حديثا مستفيضا نستطيع من خلاله ، أن نرى له –عليه السلام- مناقب ومزايا متنوعة من أهمها ما يأتي :

امتلاكه لنفسه ولشهوته مهما كانت المغريات ، بسب خوفه لمقام ربه ، ونهيه لنفسه عن الهوى . .

ولا أدل على ذلك من قوله –تعالى- : [ وراودتته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ، قال معاذ الله ، إنه ربي وأحسن مثواي ، إنه لا يفلح الظالمون . . ] .

قال الشيخ القاسمي : قال الإمام ابن القيم ما ملخصه : " لقد كانت دواعي متعددة تدعو يوسف إلى الاستجابة لطلب امرأة العزيز منها : ما ركبه الله في طبع الرجل من ميله إلى المرأة . .

ومنها : أنه كان شابا غير متزوج . . ومنها : أنها كانت ذات منصب وجمال . . وأنها كانت غير آبية ولا ممتنعة . . بل هي التي طلبت وأرادت وبذلت الجهد . .

ومنها : أنه كان في دارها وتحت سلطانها . . فلا يخشى أن تنم عليه .

ومنها : أنها استعانت عليه بآئمة المكر والاحتيال فأرته إياهن ، وشكت حالها إليهن . .

ومنها : أنها توعدته بالسجن والصغار إن لم يفعل ما تأمره به . .

ومع كل هذه الدواعي ، فقد آثر يوسف مرضاة الله ومراقبته ، وحمله خوفه من خالقه على أن يختار السجن على ارتكاب ما يغضبه . . " ( {[13]} ) .

2- صبره الجميل على المحن والبلايا ، ولجوؤه إلى ربه ليستجير به من كيد امرأة العزيز وصواحبها : [ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين . . ] .

3- نشره للدين الحق ، ودعوته لعبادة الله وحده ، حتى وهو بين جدران السجن ، فهو القائل لمن معه في السجن : [ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير ، أم الله الواحد القهار* ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان . . . ] .

4- حسن تدبيره للأمور ، وتوصله إلى ما يريده بأحكم الأساليب ، وحرصه الشديد على إنقاذ الأمة مما يضرها ويعرضها للهلاك ، [ قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون . . . ] .

5- عزة نفسه ، وسمو خلقه ، فقد أبى أن يذهب لمقابلة الملك إلا بعد إعلان براءته [ وقال الملك ائتوني به ، فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم . . ] .

6- تحدثه بنعمة الله ، ومعرفته لنفسه قدرها ، وطلبه المنصب الذي يناسبه ، ويثق بقدرته على القيام بحقوقه [ قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ] .

7- تحدثه بنعمة الله ، ومعرفته لنفسه قدرها ، وطلبه المنصب الذي يناسبه ، ويثق بقدرته على القيام بحقوقه [ قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ] .

7- ذكاؤه وفطنته ، فقد تعرف على إخوته مع طول فراقه لهم : [ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون . . . ] .

8- عفوه وصفحه عمن أساء إليه [ قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين . . ] .

9- وفاؤه لأسرته ولعشيرته [ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتي بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ] .

10- شكر الله –تعالى- على نعمه ومننه [ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ] .

هذا جانب من حديث السورة الكريمة عن يوسف –عليه السلام- ، وهو حديث يدل على أنه كان في الذروة العليا من مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم . .

( د ) وتحدثت السورة الكريمة عن يعقول –عليه السلام- فذكرت من بين ما ذكرت عنه ، صفات الصبر الجميل ، والأمل في رحمة الله مهما اشتدت الخطوب ، والحرص على سلامة أبنائه من كل ما يؤذيهم حتى ولو أساءوا إليه ، والنظر إلى الأمور بعين تختلف عن عيون أبنائه ، والحكم عليها بحكم يختلف عن أحكامهم . .

يدل على ذلك قوله –تعالى- [ وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ] .

وقوله –تعالى- : [ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا . . . ] .

وقوله -تعالى- : [ وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة . . . ] .

وقوله –تعالى- : [ ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون . قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم . فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ] .

( ه ) وتحدثت عن إخوة يوسف حديثا مستفيضا ، تبدو فيه غيرتهم من يوسف ، وحسدهم له ، وتآمرهم على حياته ، وحقدهم عليه حتى وهو بعيد عنهم . . ثم ندمهم في النهاية على ما فرط منهم في حقه بعد أن مكن الله له في الأرض . .

نرى ذلك في مثل قوله –تعالى- : [ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم . . ]

وفي قوله : [ قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ] .

وفي قوله –سبحانه- : [ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل . . . ] .

وفي قوله –سبحانه- : [ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ] .

( و ) وتحدثت عن امرأة العزيز حديثا يكشف عن حال المرأة عندما تحب . . وكيف أنها في سبيل الحصول على رغبتها تحطم كل الموانع النفسية والاجتماعية . . وتستخدم كل الوسائل التي تظن أنها ستوصلها إلى مرادها . حتى ولو كانت هذه الوسائل تخالف ما عرف عن المرأة من أنها حريصة على أن تكون مطلوبة من الرجل لا طالبة له . .

( ز ) وتحدثت عن العزيز حديثا قصيرا يناسب حجمه وسلوكه وتبلد شعوره ، فهو مع إيقانه بخطأ امرأته لم يزد على أن قال ليوسف ولها [ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ] .

( ح ) وتحدثت عن ملك مصر في ذلك الوقت . . . وعن البيئة التي وصل الحال بها أن تزج بيوسف البريء في السجن ، إرضاء لشهوات النفوس الجامحة . .

قال –تعالى- : [ ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ] .

وهكذا نجد السورة الكريمة تحدثنا عن نماذج من البشر ، فتصف كل نموذج بما يناسبه من صفات ، بصدق وأمانة ، وتحكم عليه بالحكم الذي يناسبه .

قال صاحب الظلال ما ملخصه : والسورة كلها لحمة واحدة عليها الطابع المكي واضحا في موضوعها وفي جوها وفي ظلالها وإيحاءاتها ، بل إن عليها طابع هذه الفترة الحرجة الموحشة بصفة خاصة . .

ففي الوقت الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعاني من الوحشة والغربة والانقطاع في جاهلية قريش –منذ عام الحزن- كان الله –تعالى- يقص عليه قصة أخ له كريم هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وهو يعاني صنوفا من المحن والابتلاءات . .

محنة كيد الإخوة ، ومحنة الجب ، ومحنة الرق ، ومحنة كيد امرأة العزيز ، ومحنة السجن ، ثم محنة الرخاء والجاه والسلطان . .

فلا عجب أن تكون هذه السورة بما احتوته من قصة ذلك النبي الكريم ، ومن التعقيبات عليها بعد ذلك . . تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عما أصابهم من أعدائهم ، وتسرية لقلوبهم وتطمينا لنفوسهم .

ولكأن الله –تعالى- يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : كما أخرج يوسف من حضن أبيه ليواجه هذه الابتلاءات كلها ، ثم لينتهي بعد ذلك إلى النصر والتمكين . .

كذلك أنت يا محمد ستخرج من بلدك مكة مهاجرا . . . ثم تعود إليها في الوقت الذي يشاؤه الله ظافرا منتصرا( {[14]} ) .

وبعد : فهذا تعريف لسورة يوسف ، رأينا أن نسوقه قبل البدء في تفسيرها ، لعله يعين على فهم ما اشتملت عليه من حكم وأحكام . ومن عبر وعظات . .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

د . محمد سيد طنطاوي .

افتتحت سورة يوسف - عليه السلام - ببعض الحروف المقطعة . وقد سبق أن تكلمنا عن آراء العلماء في هذه الحروف في سورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود .

وقلنا ما ملخصه : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض السور على سبيل الايقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن الكريم .

فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الجهائية التي تنظمون منها حروفكم . . فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم في ذلك .

ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التي تلى هذه الحروف المقطعة تراها تتحدث - صراحة أو ضمنا - عن القرآن الكريم وعن كونه من عند الله - تعالى - وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ففى مطلع سورة البقرة : { الاما . ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ . . . } وفى مطلع سورة آل عمران : { الاما . الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم . نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل . . } وفى أول سورة يونس : { الار تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم . أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ . . . } وفى أول سورة هود : { الار كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ . . . } وهكذا نجد أن معظم الآيات التي تلى الحروف المقطعة ، منها ما يتحدث عن أن هذا الكتاب من عند الله - سبحانه - ومنها ما يتحدث عن وحدانية الله - تعالى - ، ومنها ما يتحدث عن صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعوته . .

وهذا كله لتنبيه الغافلين إلى أن هذا القرآن من عند الله ، وأنه المعجزة الخالدة للرسول - صلى الله عليه وسلم - .

ثم قال - تعالى - : { تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين }

و " تلك " اسم إشارة ، المشار إليه الآيات ، والمراد بها آيات القرآن الكريم ويندرجح فيها آيات السورة التي معنا .

والكتاب : مصدر كتب كالكتب . وأصل الكتب ضم أديم إلى آخر بالخياطة . واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، والمراد به القرآن الكريم .

والمبين : أى الواضح الظاهر من أبان بمعنى بان أى ظهر .

والمعنى : تلك الآيات التي نتلوها عليك - أيها الرسول الكريم - في هذه السورة اوفى غيرها ، هي آيات الكتاب الظاهر أمره ، الواضح إعجازه ، بحيث لا تشتبه على العقلاء حقائقه ، ولا تلتبس عليهم هداياته .

وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب الكريم ، مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن الإِشارة إلى بعضها كالإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإِنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن عليه ، كما في قوله { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } ووعد الله - تعالى - لا يتخلف .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[3]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.
[4]:- سورة الجن: الآيتان 1، 2.
[5]:- سورة البقرة: الآيتان 23، 24.
[6]:- الأترجة: ثمرة حلوة الطعم، طيبة الرائحة، جميلة اللون، تشبه التفاحة.
[7]:- تفسير القرطبي: ج1 ص4 وما بعدها.
[8]:- سورة الحجر. الآية 9.
[9]:- تفسير القرطبي ج1 ص26.
[10]:- تفسير ابن كثير ج1 ص4 وما بعدها –بتصرف وتلخيص-.
[11]:- عرض الشيء: أظهره وأبرزه. المعجم ج2 ص593.
[12]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[13]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[14]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.