تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (89)

84

المفردات :

شهيدا على هؤلاء : المراد بهؤلاء : أمته ، الحاضر منهم بعد عصر التنزيل ، ومن بعدهم إلى يوم القيامة .

تبيانا : بيانا لأمور الدين ، إما نصا فيها ، أو ببيان الرسول واستنباط العلماء المجتهدين في كل عصر .

التفسير :

{ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } .

تستعرض الآيات موقف المشركين يوم القيامة ، وزيادة العذاب ومضاعفته لهم ، ويستكمل المشهد بمجيء النبيين والشهداء ، أي : الصالحين من أتباع الأنبياء ؛ ليشهدوا للمؤمنين بالإيمان والاستجابة للدعوة له وليشهدوا على الكافرين بالكفر والتكذيب ، ثم يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته ، وعلى أهل مكة ، وغيرهم ممن بلغتهم الدعوة ، ومنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة معروفة ، فقد آتاه الله الشفاعة والمقام المحمود الذي يحمده عليه جميع الخلائق ، ويرى بعض المفسرين : أن شهادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم تكون للأنبياء والأمم كلها ، لكن السياق يرجع أن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أرسل إليهم سابقا أو لاحقا ، وقريب من ذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ( اقرأ علي القرآن ) ، قلت : يا رسول الله ، أقرؤه عليك وعليك أنزل ؟ ! قال : ( نعم ، إني أحب أن أسمعه من غيري ) ، فقرأت صدرا من سورة النساء فلما وصلت إلى قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا }( النساء : 41 ) .

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( حسبك ) ، قال ابن مسعود : فالتفتت فإذا عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان55 .

{ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } . أي : نزلنا عليك القرآن مشتملا على أصول العقائد ، وبيان الحلال والحرام ، وبيان ألوان الهداية والرحمة ، وبشارة المسلمين بالجزاء الأوفى .

والسنة المطهرة مشتملة على بيان القرآن وتوضيحه وتفسيره .

قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } ( النحل : 44 ) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أوتيت الكتاب ومثله معه )56 .

ويلحق ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ، بيان الصحابة والتابعين ، قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضّوا عليها بالنواجذ )57 .

كما أوضح القرآن : وجوب اجتهاد من استكمل شروط الاجتهاد ، وبذل الجهد في استنباط الأحكام ، قال تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم . . . }( النساء : 83 ) .

وأوضح : أن إجماع المسلمين على أمر يجب إتباعه وعدم مخالفته ، وبذلك أصبح الإجماع من أصول التشريع .

قال تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى . . . }( النساء : 115 ) .

وأرشد القرآن إلى استخدام القياس بقوله تعالى : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ( الحشر : 2 ) .

والاعتبار هو النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس ، وهو حمل النظير على النظير ، وقياس أمر لا حكم له ، على أمر معروف الحكم ؛ لاشتراكهما في العلة ، وبهذه الطرق فتح الإسلام أبواب الاجتهاد والاستنباط ، أمام العلماء المختصين ، وأرشد الناس إلى إتباع العلماء في اجتهادهم .

قال تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }( النحل : 43 ) .

كما حث القرآن على استخدام العقل والفكر والرأي ، وأوجب على المسلمين أن تكون منهم أمة من أهل الاختصاص والنظر ، تتابع أمور المسلمين ، وتجتهد في شئونهم ، ومعرفة أحكام ما يستجد من أمور وأحداث ، قال تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة : 122 ) .

وبهذا فتح القرآن ينابيع الفكر والفقه والرأي ، ووضع أصول الاجتهاد ، وبين قواعد التشريع ، التي تعتمد على القرآن والسنة والاجتهاد والإجماع والقياس ، وسيظل القرآن الكريم كلي الشريعة وأصل أصولها فهو بحق تبيان وبيان وإرشاد لكل شيء ؛ لأنه حث على اتباع السنة ، وبين أصول الاجتهاد والاستنباط ، واشتمل القرآن على بيان الرحمة والتيسير ، والبشارة بالجنة للمؤمنين الطائعين ، وبالنار للمكذبين وأرشد إلى الفضائل ، ونهى عن الرذائل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (89)

{ 89 } { وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }

لما ذكر فيما تقدم أنه يبعث { فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } ، ذكر ذلك أيضا هنا ، وخص منهم هذا الرسول الكريم فقال : { وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ } ، أي : على أمتك تشهد عليهم بالخير والشر ، وهذا من كمال عدل الله تعالى ، أن كل رسول يشهد على أمته ؛ لأنه أعظم اطلاعا من غيره على أعمال أمته ، وأعدل وأشفق من أن يشهد عليهم إلا بما يستحقون . وهذا كقوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } . وقال تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ } . وقوله : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } ، في أصول الدين وفروعه ، وفي أحكام الدارين وكل ما يحتاج إليه العباد ، فهو مبين فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية ، حتى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت ، وإعادتها في كل ساعة ، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب ، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس ، واعتبر هذا بالآية التي بعد هذه الآية وما فيها من أنواع الأوامر والنواهي التي لا تحصى ، فلما كان هذا القرآن تبيانا لكل شيء صار حجة الله على العباد كلهم . فانقطعت به حجة الظالمين وانتفع به المسلمون ، فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم ، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة . فالهدى ما نالوه به من علم نافع وعمل صالح .

والرحمة ما ترتب على ذلك من ثواب الدنيا والآخرة ، كصلاح القلب وبره وطمأنينته ، وتمام العقل الذي لا يتم إلا بتربيته على معانيه التي هي أجل المعاني وأعلاها ، والأعمال الكريمة والأخلاق الفاضلة ، والرزق الواسع والنصر على الأعداء بالقول والفعل ، ونيل رضا الله تعالى وكرامته العظيمة التي لا يعلم ما فيها من النعيم المقيم إلا الرب الرحيم .