تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (90)

{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذّكرون90 وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون91 ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون92 ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون93 } .

المفردات :

العدل : المساواة في كل شيء بلا زيادة أو نقصان ، أو إعطاء كل ذي حق حقه بدون إفراط أو تفريط .

الإحسان : مصدر أحسن ، يحسن ، إحسانا ، ويطلق على إتقان العمل ، ومقابلة الخير بأكثر منه ، والشر بالعفو عنه .

إيتاء ذي القربى : إعطاء الأقارب حقهم من الصلة والبر .

الفحشاء : ما قبح من القول والفعل ، فيدخل فيه الزنا وشرب الخمر والحرص والطمع ، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال المذمومة ، وخص بعض المفسرين الفحشاء : بالزنا ؛ لأنه عدوان على الأعراض .

المنكر : كل ما أنكره الشرع بالنهي عنه ، فيعم جميع المعاصي و الدناءات والرذائل على اختلاف أنواعها .

البغي : تجاوز الحد في كل شيء ، ويشمل الاستعلاء على الناس ، والتجبر عليهم بالظلم والعدوان .

يعظكم : الوعظ : التنبيه إلى الخير بالنصح والإرشاد .

90

التفسير :

90 { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } .

هذه آية جامعة لخلال الخير ، ناهية عن الشر ، وخطباء المساجد يختمون بها خطبة الجمعة ، والعدل : هو الميزان بالحق بأن يأخذ كل ذي حق حقه ، وهو أمر أساسي في الحكم الذي يقوم في الإسلام على العدل والشورى ، واختيار الرجل المناسب ، أو حسن اختيار المسئولين المساعدين للحكم .

قال تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . . . }( النساء : 58 ) .

والعدل قاعدة أساسية في تعامل الأفراد والدول ، وبالعدل قامت السماوات والأرض ، وبالعدل يأخذ كل ذي حق حقه ، ويأمن الإنسان على نفسه ، ويلقى المعتدي جزاءه حسب جريمته . كتب أبو بكر الصديق إلى عمر بن الخطاب يقول : " إن الحق ثقيل ولكن مآله هنئ ، وإن الباطل خفيف ولكن مآله وبئ " .

{ والإحسان } . يطلق على شيئين :

أ إتقان العمل وإحسانه .

ب مقابلة الإساءة بالعفو ، ومقابلة الخير بما هو أزيد منه ، والإحسان يكمل العدل ، قال علي بن أبي طالب : العدل : الإنصاف ، الإحسان : التفضل .

والعدل والإحسان لهما أثرهما في سلامة المجتمع ، واقتناع الأفراد بوصول حقهم إليهم ، وبذلك تصفو الحياة ويتماسك المجتمع ، ويعم السلام النفسي والاجتماعي بين طوائف المجتمع : { وإيتاء ذي القربى } . أي : العطف على الأقارب ومساعدتهم ومعونتهم والبر بهم ماديا ومعنويا .

{ وينهى عن الفحشاء والمنكر } .

{ والفحشاء } : كل ما اشتد قبحه ، وخصه بعضهم بالزنا ؛ لأن فيها عدوانا على الأعراض ، وانتهاك الحرمات ، واختلاط الأنساب ، وانتشار الأمراض الفتاكة ، مثل : الزهري والسيلان وقمل العانة ، ومرض الإيدز الذي يجتاح بعض البلاد كالوباء ؛ عقوبة رادعة على استباحة الحرمات .

{ والمنكر } : كل فعل تنكره الفطرة ، ومن ثم تنكره الشريعة فهي شريعة الفطرة ، ويشمل المنكر جميع المعاصي والرذائل ، والدناءات على اختلاف أنواعها ، كالضرب والقتل والتطاول على الناس .

{ والبغي } : العدوان وتجاوز الحد ، وظلم الناس والتعدي على حقوقهم .

{ يعظكم لعلكم تذكرون } . أي : يرشدكم وينبهكم إلى ثلاث ، وينهاكم عن ثلاث ؛ لعلكم تنتبهون وتحسنون التذكر لما ينفعكم ، فتعملون بتلك الأوامر ، وتجتنبون النواهي ، وفي ذلك صلاح دنياكم وآخرتكم ، وقد اشتملت هذه الآية على مكارم الأخلاق .

جاء في تفسير ابن كثير :

أن أكثم بن صيفي أرسل رسولين إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، يسألاه عن نسبه وعن دعوته ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا محمد بن عبد الله وأنا عبد الله ورسوله ) ثم تلا عليهما هذه الآية : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . }الآية .

ثم حملا الآية إلى أكثم بن صيفي ، فقال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق ، وينهى عن ملائمها ، فكونوا في هذا الأمر رءوسا ، ولا تكونوا فيه أذنابا ، وكونوا فيه أو لا تكونوا فيه آخرا . قال سعيد بن جبير عن قتادة في قوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . } الآية .

ليس من خلق كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به ، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم ، إلا نهى عنه وقدّم فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها .

فضل الآية

أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي : عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : أعظم آية في كتاب الله تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }( البقرة : 255 ) .

وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . }( النحل : 90 ) .

وأكثر آية في كتاب الله تفويضا : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا* ويرزقه من حيث لا يحتسب }( الطلاق : 3 ، 2 ) .

وأشد آية في كتاب الله رجاء : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) .

وعن عكرمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية ، فقال : يا ابن أخي ، أعد علي ، فأعادها عليه ، فقال له الوليد : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما هو بقول بشر .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه : أنه قرأ هذه الآية : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . }الآية ، ثم قال : إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله ، والشر كله في آية واحدة ، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا ؛ إلا جمعه وأمر به ، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه وزجر عنه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (90)

{ 90 } { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .

فالعدل الذي أمر الله به ، يشمل العدل في حقه وفي حق عباده ، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة ، بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية ، والمركبة منهما في حقه وحق عباده ، ويعامل الخلق بالعدل التام ، فيؤدي كل وال ما عليه تحت ولايته ، سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى ، وولاية القضاء ونواب الخليفة ، ونواب القاضي .

والعدل هو ما فرضه الله عليهم في كتابه ، وعلى لسان رسوله ، وأمرهم بسلوكه ، ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات ، بإيفاء جميع ما عليك ، فلا تبخس لهم حقا ولا تغشهم ولا تخدعهم وتظلمهم . فالعدل واجب ، والإحسان فضيلة مستحب ، وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم ، وغير ذلك من أنواع النفع ، حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره .

وخص الله إيتاء ذي القربى -وإن كان داخلا في العموم- ؛ لتأكد حقهم وتعين صلتهم وبرهم ، والحرص على ذلك .

ويدخل في ذلك جميع الأقارب ، قريبهم وبعيدهم ، لكن كل ما كان أقرب كان أحق بالبر .

وقوله : { وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ } ، وهو كل ذنب عظيم استفحشته الشرائع والفطر ، كالشرك بالله ، والقتل بغير حق ، والزنا ، والسرقة ، والعجب ، والكبر ، واحتقار الخلق ، وغير ذلك من الفواحش .

ويدخل في المنكر كل ذنب ومعصية متعلق بحق الله تعالى .

وبالبغي كل عدوان على الخلق في الدماء والأموال والأعراض .

فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات ، لم يبق شيء إلا دخل فيها ، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات ، فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى ، فهي مما أمر الله به .

وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي ، فهي مما نهى الله عنه . وبها يعلم حسن ما أمر الله به وقبح ما نهى عنه ، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال وترد إليها سائر الأحوال ، فتبارك من جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور والفرقان بين جميع الأشياء .

ولهذا قال : { يَعِظُكُمْ بِهِ } ، أي : بما بينه لكم في كتابه ، بأمركم بما فيه غاية صلاحكم ، ونهيكم عما فيه مضرتكم .

{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، ما يعظكم به فتفهمونه وتعقلونه ، فإنكم إذا تذكرتموه وعقلتموه ، عملتم بمقتضاه ، فسعدتم سعادة لا شقاوة معها .