تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ} (67)

{ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ( 67 ) وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 68 ) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 69 ) }

التفسير :

67 - لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ . . .

منسكا : شريعة ومنهاجا ومتعبدا .

ناسكوه : عاملون به .

فلا ينازعنك : أي : لا ينبغي لهم أن ينازعوك ، في أمر الدين ، وهو نهي يراد به النفي ، أي : فلا يجوز لهم أن يخاصموك في أمر الإسلام أو يجادلوك في أوامره وتكاليفه ؛ لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع .

قيل : نزلت هذه الآية بسبب جدال الكفار في أمر الذبائح ، وهم كفار خزاعة ، قالوا للمسلمين : تأكلون ما ذبحتم ، ولا تأكلون ما ذبح الله من الميتة ؟ أو ، ما لكم تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ؟ فكان ما قتل الله أحق أن تأكلوه ، مما قتلتم أنتم بسكاكينكم ، فنزلت الآية بسبب هذه المنازعةxlii .

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ .

لكل أمة من الأمم جعلنا شريعة ومنهاجا يتعبدون بهذه الشريعة ؛ ويلتزمون بأحكامها ويتنسكون بتعاليمها ؛ مع تناسب هذه التعاليم مع مقتضيات الزمان والمكان ، فقد أنزل الله التوراة على موسى بنحو من الشدة ، لعلاج التمسك بالمادة ، ثم أنزل الإنجيل متمما لحكم التوراة ، مع علاج الروح وإشاعة المحبة ، والعناية بجوهر الدين ، لا بمجرد المظاهر والشكليات والطقوس ، ثم أنزل القرآن حينما نضج العقل البشري ؛ لإرساء معالم دستور الحق ، والجمع بين العناية بالمادة والروح ، والتركيز على معايير العلم ، واستخدام العقل ، فكان أول دين يضع أسس الحضارة الإنسانية الشاملة ، وكان تشريعه وسطا بين الشرائع ؛ وكانت هذه الأديان صالحة للزمان الذي جاءت فيه .

فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ .

أي : إذا كان هذا هو شأن التدرج في الشرائع ؛ فلا ينبغي لمعاصريك يا محمد أن ينازعوك في أمر الدين ، فلكل أمة شريعة خاصة ؛ تناسب الزمان الذي جاءت فيه ، ثم جاء القرآن ناسخا لتلك الشرائع ؛ ومهيمنا عليها ، يقر الصحيح ، وينبه إلى الزيف ، ويحذر من الباطل ، فلا ينبغي لهم منازعتك في أمور دينك ، والمراد : تهييج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتثبيته على الحق ، وعدم الالتفات إلى ما يثيره الآخرون ، من شبهات وتشكيك .

وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ .

أي : استمر في دعوتك إلى منهج الله ، وهو الإسلام ، فإن دينك هو الدين الحق ، وهو الهداية النافعة الناجحة الوسط ، والإسلام هو الصراط المستقيم ، والقرآن هو الركن الركين ، وتلك الدعوة الإسلامية هي الدعوة التي تناسب الزمان والمكان ، وهي دعوة وسط ؛ تناسب حال الناس إلى يوم القيامة ، فقد علم الله أنها خاتمة الرسالات ؛ فضمنها مقومات صلاحها وخلودها ، فهي شريعة خالدة ؛ فيها اليسر ومراعاة المصلحة العامة ، ورفع الحرج عن الناس ، وإعمال العقل ، والدعوة إلى الاجتهاد والاستنباط ، والتفقه في أحكام الدين ، حتى يستنبط العلماء من روح هذا الدين ونظامه ، ما يناسب مستجدات الأمة إلى يوم القيامة .

آراء في الآية :

ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآية : طريقة الذبح ، وأداء المناسك في موسم الحج ، والمكان الذي يذبحون فيه ذبائحهم .

قال الطبري :

واختلف أهل التأويل في معنى المنسك هنا ، فقيل : عيدا ، وقيل : إراقة الدم . . . والصواب من القول في ذلك أن يقال : عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى ، لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت إراقة الدم في هذه الأيام ، ولذلك قلنا : عنى بالمناسك في هذا الموضع الذبح . 1 ه .

وعند التأمل ، تجد أن الآية تتحدث عن نظام ومنهج ، لكل أمة من الأمم ، كما أن للإسلام نظامه ومنهجه ، فلا ينبغي لليهود أو النصارى أو المشركين ، مجادلتك أو منازعتك ، وعليك يا محمد ، أن تسير في طريقك ، وأن تجتهد في الدعوة إلى دين الله وهو الإسلام ، فإنه خاتمة الرسالات ، وهو الدين الوسط والصراط المستقيم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ} (67)

{ 67 - 70 } { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ * وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }

يخبر تعالى أنه جعل لكل أمة { مَنْسَكًا } أي : معبدا وعبادة ، قد تختلف في بعض الأمور ، مع اتفاقها على العدل والحكمة ، كما قال تعالى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } الآية ، { هُمْ نَاسِكُوهُ } أي : عاملون عليه ، بحسب أحوالهم ، فلا اعتراض على شريعة من الشرائع ، خصوصا من الأميين ، أهل الشرك والجهل المبين ، فإنه إذا ثبتت رسالة الرسول بأدلتها ، وجب أن يتلقى جميع ما جاء به بالقبول والتسليم ، وترك الاعتراض ، ولهذا قال : { فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ } أي : لا ينازعك المكذبون لك ، ويعترضون على بعض ما جئتهم به ، بعقولهم الفاسدة ، مثل منازعتهم في حل الميتة ، بقياسهم الفاسد ، يقولون : " تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله " وكقولهم { إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } ونحو ذلك من اعتراضاتهم ، التي لا يلزم الجواب عن أعيانها ، وهم منكرون لأصل الرسالة ، وليس فيها مجادلة ومحاجة بانفرادها ، بل لكل مقام مقال ، فصاحب هذا الاعتراض ، المنكر لرسالة الرسول ، إذا زعم أنه يجادل ليسترشد ، يقال له : الكلام معك في إثبات الرسالة وعدمها ، وإلا فالاقتصار على هذه ، دليل أن مقصوده التعنت والتعجيز ، ولهذا أمر الله رسوله أن يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويمضي على ذلك ، سواء اعترض المعترضون أم لا ، وأنه لا ينبغي أن يثنيك عن الدعوة شيء ، لأنك { على هُدًى مُسْتَقِيمٍ } أي : معتدل موصل للمقصود ، متضمن علم الحق والعمل به ، فأنت على ثقة من أمرك ، ويقين من دينك ، فيوجب ذلك لك الصلابة والمضي لما أمرك به ربك ، ولست على أمر مشكوك فيه ، أو حديث مفترى ، فتقف مع الناس ومع أهوائهم ، وآرائهم ، ويوقفك اعتراضهم ، ونظير هذا قوله تعالى : { فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ } مع أن في قوله : { إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ } إرشاد لأجوبة المعترضين على جزئيات الشرع ، بالعقل الصحيح ، فإن الهدى وصف لكل ما جاء به الرسول ، والهدى : ما تحصل به الهداية ، من مسائل الأصول والفروع ، وهي المسائل التي يعرف حسنها وعدلها وحكمتها بالعقل والفطرة السليمة ، وهذا يعرف بتدبر تفاصيل المأمورات والمنهيات .