تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

{ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكلفها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب }

المفردات :

فتقبلها : أي قبل مريم في النذر مكان الذكر .

أنبتها : أي رباها تربية طيبة .

و كلفها زكريا : وجعل زكريا كافلا وضامنا لها وزكريا من ولد سليمان بن داود عليهما السلام .

المحراب : المحراب هنا هو المسمى عند أهل الكتاب بالمذبح وهو مقصورة في مقدم المعبد لها باب يصعد إليه بسلم ذي درج قليلة يكون من فيه محجوبا عمن في المعبد .

أني لك هذا : أي من أين هذا والأيام أيام قحط وجدب .

بغير حساب : أي بغير عد ولا إحصاء لكثرته .

التفسير :

37- { فتقبلها ربها بقبول حسن . . . } أي فتقبل مريم من أمها ورضى أن تكون للعبادة وخدمة بيته على صغرها وأنوثتها وكان التحرير لا يجوز إلا لغلام عاقل قادر على خدمة البيت . :

{ وأنبتها نبتا حسنا } . أي رباها تربية حسنة كما يربي النبات في الأرض ونماها صلاحا وعفة وسداد رأي .

{ وكلفها زكريا } . أي جعل زكريا كافلا لها لتقتبس منه العلوم والمعارف لتمضي على سنته من الصلاح ، وكان زوج أختها كما ورد في الصحيح " فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة " ويحيى ابن زكريا عليهما السلام .

وهكذا تهيأت لها البيئة الصالحة كما تهيأت لها الوراثة الصالحة فكانت سيدة نساء العالمين .

{ كلما دخل عليهما زكريا المحراب وجد عندها رزقا } وجد ألوانا من الطعام لم تكن توجد في مثل تلك الأحيان .

{ قال يا مريم أني لك هذا } ؟ أي من أين لك هذا والأيام أيام جدب وقحط أو من أين لك هذا ولا كافل لك سواي ؟

{ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } . الله يرزق الناس جميعا بتسخير بعضهم لبعض وقد جرى العرف في كل زمان بإضافة الرزق إلى الله وليس في هذا دلالة أنه من خوارق العادات .

و يحتمل أن يكون جملة : { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } . من كلام الله تعالى وليس من كلا مهما سيقت : للإيذان أنه لا ينبغي أن تعجب من هذا الرزق فإن الله يرزق من يشاء بغير حساب .

والرزق قد يكون حسيا وقد يكون معنويا يشمل الهدى والتقى والربكة والتوفيق لصالح الأعمال . وفي الحديث الشريف : " ما رزق المرء بعد تقوى الله خيرا من المرأة الصالحة " .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

{ فتقبلها ربها بقبول حسن } أي : جعلها نذيرة مقبولة ، وأجارها وذريتها من الشيطان { وأنبتها نباتًا حسنًا } أي : نبتت نباتا حسنا في بدنها وخلقها وأخلاقها ، لأن الله تعالى قيض لها زكريا عليه السلام { وكفلها } إياه ، وهذا من رفقه بها ليربيها على أكمل الأحوال ، فنشأت في عبادة ربها وفاقت النساء ، وانقطعت لعبادة ربها ، ولزمت محرابها أي : مصلاها فكان { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا } أي : من غير كسب ولا تعب ، بل رزق ساقه الله إليها ، وكرامة أكرمها الله بها ، فيقول لها زكريا { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } فضلا وإحسانا { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } أي : من غير حسبان من العبد ولا كسب ، قال تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب } وفي هذه الآية دليل على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة كما قد تواترت الأخبار بذلك ، خلافا لمن نفى ذلك ، فلما رأى زكريا عليه السلام ما من الله به على مريم ، وما أكرمها به من رزقه الهنيء الذي أتاها بغير سعي منها ولا كسب ، طمعت نفسه بالولد ، فلهذا قال تعالى :