أورثتموها : أورثكم الله إياها .
ونزعنا ما في صدورهم من غل . . . الآية .
ينزع الله ما في قلوبهم من حقد بعضهم على بعض ، حتى تصفوا قلوبهم ويود بعضهم بعضا ، فإن الغل لو بقى في صدورهم كما كان في الدنيا ؛ لكان في ذلك تنغيص لنعيم الجنة ؛ لأن المتشاحنين لا يطيب لأحدهم عيش مه وجود الآخر .
والغل : الحقد الكامن في الصدور ، وقيل : نزع الغل في الجنة : ألا يحسد بعضهم في تفاضل المنازل .
قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن ( 47 ) :
( وعلام يتباغضون ؟ ! والخير يملأ كل ما حولهم ، ليس لأحد منهم حاجة في شيء إلا وجدها بين يديه ؛ فليس فيهم غني وفقير ، وشقي وسعيد ، إذ كلهم أغنياء من فضل الله سعداء برحمته ورضوانه ) .
تجري من تحتهم النهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا .
هم ينعمون في غرفهم والأنهار تجري من تحتهم ، وهم يلهجون بشكر ربهم ، الذي هداهم إلى الإيمان ووفقهم لمرضاة الله ، والفوز بهذا النعيم العظيم .
وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . أي : ما كنا نطيق أن نهتدي بهذا لأمر لولا هداية الله لنا .
لقد جاءت رسل ربنا بالحق . أي : قالوا ذلك اغتباطا بما صاروا فيه من نعمة .
ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون .
نادى المنادي من قبل الله تعالى لأهل الجنة ؛ تهنئة لهم بنعمة الله عليهم ، هذه هي الجنة وجبت لكم ، وحقت كما يحق الميراث لوارثه ، وقد ورثتموها بسبب أعمالكم في الدنيا ، وهذا من فضل الله ، فالعمل الصالح لا يؤهل لدخول الجنة وحده ، وإنما يدخل الناس الجنة بفضل الله تعالى . ويقتسمونها بأعمالهم في الدنيا .
روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لن يدخل أحدا عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته ، فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت ، إما محسنا فلعله أن يزداد في إحسانه ، وإما مسيئا فلعله أن يتوب ) ( 48 ) .
فأعمال الإنسان مهما عظمت لا تكافئ نعمة واحدة من الله على الإنسان ، وهي نعمة البصر .
والجنة جزاء عظيم ، والعمل مهما عظم ، فهو ثمن ضئيل لعظمة دخول الجنة .
ثم إن الله هو المتفضل على الإنسان بالتوفيق للعمل الصالح ، والمتفضل عليه بدخول الجنة .
قال ابن عباس : أنفس هو خالقها ؛ وأموال هو رازقها ، يطلبها منا ثم يمنحنا عليها الجنة إنها لصفقة رابحة .
وهذا عند تفسيره لقوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن . . . الآية ( التوبة : 111 ) .
{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ْ } وهذا من كرمه وإحسانه على أهل الجنة ، أن الغل الذي كان موجودا في قلوبهم ، والتنافس الذي بينهم ، أن اللّه يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانا متحابين ، وأخلاء متصافين .
قال تعالى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ْ } ويخلق اللّه لهم من الكرامة ما به يحصل لكل واحد منهم الغبطة والسرور ، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيم . فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض ، لأنه قد فقدت أسبابه .
وقوله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ْ } أي : يفجرونها تفجيرا ، حيث شاءوا ، وأين أرادوا ، إن شاءوا في خلال القصور ، أو في تلك الغرف العاليات ، أو في رياض الجنات ، من تحت تلك الحدائق الزاهرات .
أنهار تجري في غير أخدود ، وخيرات ليس لها حد محدود { و ْ } لهذا لما رأوا ما أنعم اللّه عليهم وأكرمهم به { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ْ } بأن من علينا وأوحى إلى قلوبنا ، فآمنت به ، وانقادت للأعمال الموصلة إلى هذه الدار ، وحفظ اللّه علينا إيماننا وأعمالنا ، حتى أوصلنا بها إلى هذه الدار ، فنعم الرب الكريم ، الذي ابتدأنا بالنعم ، وأسدى من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يحصيه المحصون ، ولا يعده العادون ، { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ْ } أي : ليس في نفوسنا قابلية للهدى ، لولا أنه تعالى منَّ بهدايته واتباع رسله .
{ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ْ } أي : حين كانوا يتمتعون بالنعيم الذي أخبرت به الرسل ، وصار حق يقين لهم بعد أن كان علم يقين [ لهم ] ، قالوا لقد تحققنا ، ورأينا ما وعدتنا به الرسل ، وأن جميع ما جاءوا به حق اليقين ، لا مرية فيه ولا إشكال ، { وَنُودُوا ْ } تهنئة لهم ، وإكراما ، وتحية واحتراما ، { أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا ْ } أي : كنتم الوارثين لها ، وصارت إقطاعا لكم ، إذ كان إقطاع الكفار النار ، أورثتموها { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ْ }
قال بعض السلف : أهل الجنة نجوا من النار بعفو اللّه ، وأدخلوا الجنة برحمة اللّه ، واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة وهي من رحمته ، بل من أعلى أنواع رحمته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.