{ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم94 ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون95 ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون96 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون97 } .
فتزل قدم بعد ثبوتها : مثل يقال لمن وقع في محنة بعد نعمة ، وبلاء بعد عافية .
وتذوقوا السوء : العذاب الدنيوي .
94 { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم } .
تأتي هذه الآية ؛ لتأكيد ما سبق ، ولتثبيت الناس على الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم .
جاء في تفسير الكشاف للزمخشري :
كان قوما ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش ، واستضعافهم المسلمين ، وإيذائهم لهم . اه .
وقال الفخر الرازي : قال المفسرون :
المراد من هذه الآية : نهى الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن نقض عهده ؛ لأن هذا الوعيد وهو قوله : { فتزل قدم بعد ثبوتها } . لا يليق بنقض عهد قبله ، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على الإيمان به وبشرائعه .
{ فتزل قدم بعد ثبوتها } . مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية ، ومحنة بعد نعمة ، فإن من نقض عهد الإسلام ؛ فقد سقط عن الدرجات العالية ، ووقع في مثل هذه الضلالة .
{ وتذوقوا السوء } . أي : العذاب .
{ بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم } .
فالرجوع عن الإسلام إلى الكفر ، يوقعهم في محظورات ثلاثة :
1 البعد عن محجة الحق والهدى ، بعد أن رسخت أقدامهم فيها .
2 إنهم يصبحون قدوة لغيرهم في ترك الحق ، والانضمام إلى الباطل ، وفي هذا صد عن سبيل ، ومنع للناس عن الإيمان .
وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء بالعهود ونهى عن نقضها بصفة عامة ، أتبع ذلك بالنهي عن الحنث في الإِيمان بصفة خاصة ، فقال تعالى : { وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . . . } .
فقوله - سبحانه - : { وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ } ، تصريح بالنهي عن اتخاذ الأيمان من أجل الغش والخديعة ، بعد النهي عن نقض العهود بصفة عامة . أي : ولا تتخذوا - أيها المؤمنون - الحلف بالله - تعالى - ذريعة إلى غش الناس وخداعهم واستلاب حقوقهم ، فقد جرت عادة الناس أن يطمئنوا إلى صدق من يقسم بالله - تعالى - ، فلا تجعلوا هذا الاطمئنان وسيلة للكذب عليهم ، ولإِفساد ما بينكم وبينهم من مودة .
ثم رتب - سبحانه - على هذا النهي ما من شأنه أن يردع النفوس عن اتخاذ الأيمان دخلا فقال : { فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } ، وأصل الزلل الخروج عن الطريق السليم . يقال : زل فلان يزل زللا وزلولا ، إذا دحضت قدمه ، ولم تصب موضعها الصحيح ، أي : لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديعة والإِفساد بين الناس ، فتزل أقدامكم عن طريق الإِسلام بعد ثبوتها عليها ، ورسوخها فيها ، قالوا : والجملة الكريمة مثل يُضْرَب لكل من وقع في بلية ومحنة ، بعد أن كان في عافية ونعمة .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وحدت القدم ونكرت ؟ قلت : لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق . بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة ؟ .
وقوله : { وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله } ، بيان لما يصيبهم من عذاب دنيوي بسبب اتخاذ أيمانهم دخلا بينهم . أي : وتذوقوا السوء ، وهو العذاب الدنيوي من المصائب والخوف والجوع ، بسبب صدودكم وإعراضكم عن أوامر الله ونواهيه ، أو بسبب صدكم لغيركم عن الدخول في دين الله ، حيث رأى منكم ما يجعله ينفر منكم ومن دينكم .
والتعبير بتذوقوا ، فيه إشارة إلى أن العذاب الدنيوي الذي سينزل بهم بسبب اتخاذهم أيمانهم دخلا بينهم ، سيكون عذابا شديدا يحسون آلامه إحساسا واضحا ، كما يحس الشارب للشيء المر مرارته ، ويتذوق آلامه .
قال ابن كثير : حذر الله - تعالى - عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا ، أي : خديعة ومكرا ، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها ؛ مثل لمن كان على الاستقامة وحاد عنها ، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة ، المشتملة على الصد عن سبيل الله ؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق بالدين ، فانصد بسببه عن الدخول فى الإِسلام .
وقوله : { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، لا يعلم مقدار شدته وهوله إلا الله - عز وجل - فأنت ترى أن الآية الكريمة قد رتبت على اتخاذ الأيمان دخلا ، انقلاب حالة الإِنسان من الخير إلى الشر ، ونزول العذاب الدنيوي والأخروي به .
قوله تعالى : { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ( 94 ) ولا تشتروا بعهد لله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ( 95 ) ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( 96 ) } ، كرر النهي عن اتخاذ الأيمان من أجل الخديعة وعلى سبيل المكر ، لفظاعة هذه الخطيئة وشدة نكرها ؛ إذ تخفون في أنفسكم قصد الخيانة والغدر ونقض العهد مع الآخرين ، ( فتزل قدم بعد ثبوتها ) ، ( فتزل ) : منصوب بإضمار أن على جواب النهي{[2601]} ، أي : فتضلوا وتزيغوا عن محجة الإسلام بعد ثبوتكم عليها . وقد وحّد القدم ونكرها كما قال الزمخشري : لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة ؟ ! .
قوله : ( وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ) ، أي : يذيقكم الله العذاب الذي يعذب به العصاة في الدنيا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم ، ( بما صددتم عن سبيل الله ) ، ما ، مصدرية . وصددتم من الصدود ، أي : بسبب صدودكم عن محجة الله وخروجكم عن دينه . أو من الصد ، ومفعوله محذوف ، أي : بسبب صدكم غيركم عن ملة الإسلام{[2602]} ، فهم بنقضهم أيمان البيعة على الإسلام وارتدادهم يفتنون الناس ويغرونهم بمجانبة الإسلام والصدود عنه .
قوله : ( ولكم عذاب عظيم ) ، وهو عذاب النار يوم القيامة . ويستفاد من مفهوم هذه الآية أن المراد بذلك الذين بايعوا رسول الله ( ص ) على الإسلام ونهوا عن مفارقة الإسلام لقلة أهله وكثرة المشركين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.