تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ} (43)

43 - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ .

يزجى سحابا : يسوق سحابا .

ثم يؤلف بينه : يجمع كل مفترقه .

ثم يجعله ركاما : متراكما بعضه على بعض .

فترى الودق يخرج من خلاله : الودق : المطر ، من خلاله : من خلال السحاب .

وينزل من السماء من جبال : في السماء مخلوقة هناك .

من برد : هن من برد ، كما يقال : جبال من طين .

فيصيب : يعذب به ، ويجوز أن يكون المعنى : يغيث به ، ويرحم به .

ويصرفه عمن يشاء : رحمة بهم ، أو عقابا لهم .

يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار : يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار .

إن يد الله تجزى السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان ، ثم يؤلف بينه ويجمع بين متفرقه ، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة ؛ فتشاهد المطر ينزل من خلال السحاب ، والسحب في تراكمها فوق بعضها أشبه بالجبال الضخمة الكثيفة فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة . . ومشهد السحب كالجبال لا يبدو كما يبدو لراكب الطائرة ، وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها ، فإذا المشهد مشهد الجبال حقا ، بضخامتها ومساقطها ، وارتفاعها وانخفاضها ، وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الإنسان إلا بعدما ركب الطائرات .

وهذه الجبال مسخرة بأمر الله ، وفق ناموسه الذي يحكم الكون ، ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء ، ويصرفه عمن يشاء . . وتكملة المشهد الضخم : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ . يضيء البرق بشدة وسرعة ، حتى ليكاد البرق أن يخطف الأبصار ، وهذا من أقوى الدلائل على كمال القدرة ، إذ فيه توليد الضد من الضد ، ففيه توليد النار من الماء .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ} (43)

ثم لفت - سبحانه - بعد ذلك أنظار عباده إلى مظاهر قدرته فى هذا الكون ، حيث يزجى السحاب ، ثم يؤلف بينه ، ثم يجعله ركاما . . . وحيث نوع مخلوقاته مع أنها جميعا من أصل واحد فقال - تعالى - : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ . . . . } .

قوله - تعالى - { يُزْجِي } من الإزجاء بمعنى الدفع بأناة ورفق . يقال : زجى الراعى إبله تزجية ، إذا ساقها برفق . وأزجت الريح السحاب ، أى : دفعته .

والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - ورأيت بعينيك ، أن الله - تعالى - يسوق بقدرته السحاب الذى فى الجو ، سوقا رفيقا إلى حيث يريد .

{ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ } أى : يسوق - سبحانه - السحاب سوقا هادئا سهلا . ثم بعد ذلك يصل بعضه ببعض ، ويجمع بعضه مع بعض ، ثم بعد ذلك { يَجْعَلُهُ رُكَاماً } أى : متراكما بعضه فوق بعض . يقال ركم فلان الشىء يركمه ركما ، إذا جمعه ، وألقى بعضه على بعض ، ومنه : الرمل المتراكم ، أى : المجتمع .

وهذا الذى حكاه القرآن من سوق الله - تعالى - للسحب ثم تجميعها ، ثم تحويلها إلى قطع ضخمة متراكمة متكاثفة كقطع الجبال ، يراه الراكب للطائرات بوضوح وتسليم بقدرة الله - تعالى - ، الذى أحسن كل شىء خلقه .

وقوله - سبحانه - : { فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } بيان لما يترتب على هذا السوق الرفيق ، والتجمع الدقيق من آثار .

والودق : المطر . وهو فى الأصل مصدر ودَق السحاب يدِق وَدْقاً ، إذا نزل منه المطر . والخلال : جمع خلل - كجبال وجبل - والمارد بها التفوق والشقوق .

قال القرطبى : فى " الودق " قولان : أحدهما : أنه البرق . . . والثانى : أنه المطر . وهو قول الجمهور يقال : ودقت السحابة فهى وادقة . وودق المطر يدق ودقا . أى : قطر .

أى : يسوق الله - تعالى - السحاب إلى حيث يشاء بقدرته ، ثم يؤلف بينه ، ثم يجعله متراكما بعضه فوق بعض ، فترى - أيها العاقل - المطر يخرج من فتوق هذا السحاب المتراكم ومن فروجه ، تارة بشدة وعنف ، وتارة بهدوء ورفق .

وقوله - تعالى - : { وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ . . . } بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - .

أى : وينزل - سبحانه - من جهة السماء قطعا من السحاب الكثير من البرد ، وهو شىء ينزل من السحاب يشبه الحصى ، ويسمى حب الغمام : وحب المزن

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما الفرق بين " من " الأولى ، والثانية ، والثالثة فى قوله { وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } ؟

قلت الأولى لابتداء الغاية ، والثانية للتبعيض ، والثالثة للبيان ، أو الأوليان للابتداء ، والآخرة للتبعيض .

فإن قلت : ما معنى " من جبال فيها من برد " ؟ قلت : فيه معنيان : أحدهما : أن يخلق الله فى السماء جبال برد . كما فى الأرض جبال حجر ، والثانى : أن يريد الكثرة بذكر الجبال ، كما يقال : فلان يملك جبالا من ذهب .

وقوله - تعالى - : { فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ } أى : فيصيب بالذى ينزله من هذا البرد من يشاء إصابته من عباده ، ويصرفه عمن يشاء صرفه عنهم ، إذ الإصابة والصرف بمقتضى حكمته وإرادته .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار } . والسنا : شدة الضوء . يقال : سنا الشىء يسنو سنا ، إذا أضاء .

أى : يكاد ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف والتراكم . . . يخطف الأبصار من شدة إضاءته ، وزيادة لمعانه وسرعة توهجه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ} (43)

قوله : ( ألم تر أن الله يزجي سحابا ) ( يزجي ) ، أي يسوق ، من الإزجاء وهو السّوق . زجّى الشيء تزجية ، دفعه برفق . وأزجى الإبل ، ساقها{[3272]} .

والمعنى : أن الله يسوق السحاب سوقا رفيقا ( ثم يؤلف بينه ) أي يضم بعضه إلى بعض بعد أن كان قزعا{[3273]} أو أجزاء متفرقة .

قوله : ( ثم يجعله ركاما ) الركام ، المتراكم بعضه فوق بعض ، ركم الشيء يركمه ركما أي جمعه وجعل بعضه على بعضه . وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع .

قوله : ( فترى الودق يخرج من خلاله ) ( الودق ) معناه المطر{[3274]} ؛ أي ترى المطر يخرج من فتوق السحاب المؤلف المركوم . وفتوقه يعني مخارج القطر فيه . وهذه من جملة الآيات الحكيمة التي تحكي أخبار الطبيعة ، كظاهرة المطر ونحوه من ظواهر هذا الكون مما يقطع في الدلالة على أن هذا الكلام رباني معجز .

قوله : ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) وهذا دليل مضاف إلى أدلة كثيرة على عظمة الله الخالق . و ( السماء ) بمعنى العالي ، من العلو . و ( من جبال ) يعني من قطع عظيمة تشبه الجبال في أحجامها العظام . و ( فيها ) ، في محل نصب على الحال . و ( من برد ) ، ( من ) للتبعيض ، وهو مفعول ينزل . وقيل : ( من ) زائدة . أي ينزل من السماء من جبال فيها برد{[3275]} ( فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء ) والمراد بضمير يُصيب ، جلال الله عز وعلا ؛ فهو سبحانه يصيب بالبرد النازل من السماء من يشاء إصابته من العباد . وهو كذلك يصرف البرد عمن لا يريد إصابتهم به من الناس . وذلك من كمال صنع الله وعظيم تقديره ؛ إذ ينزل من السماء المطر والبرد على نحو مقدور وموزون . سواء في ذلك مقاديره المنزلة بأحجامها وكمياتها المعلومة ، أو البقاع والأناسي الذين يصيبهم ما يتنزل من بركان السماء .

قوله : ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) السّنا ، معناه الضوء ؛ أي يكاد ضوء البرق المكون في السحاب يخطف الأبصار من شدة بريقه وسطوعه ، وفرط لمعانه وضوئه .


[3272]:- مختار الصحاح ص 269.
[3273]:- القزع: بفتحتين، قطع من السحاب رقيقة.الواحدة قزعة. انظر مختار الصحاح ص 533.
[3274]:- مختار الصحاح ص 715.
[3275]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 198.