تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ} (46)

36

المفردات :

غدوا وعشيا : صباحا ومساء ، أو دائما في البرزخ ، والمراد به : عذاب القبر ، حيث يشاهدون مكانهم في جهنم .

أشد العذاب : عذاب جهنم .

التفسير :

التفسير :

46- { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } .

يعذَّب آل فرعون في قبورهم ، فتُعرض أرواحهم على جهنم في الصباح والمساء ، لتزداد حسرتهم بمنازلهم في النار ، وفي القيامة يدخلون أشد العذاب في جهنم .

وتفيد الآية عذاب القبر ونعيمه ، حين تخرج الأرواح إلى البرزخ ، وتجد من ألوان السعادة والنعيم في القبر ، حيث تعرض الروح على الجنة في الصباح والمساء ؛ لتشاهد المنزلة التي أعدت لها يوم القيامة ، أما الكفّار فإن أرواحهم تُعرض على جهنم بالغداة والعشيّ ، لترى المنزلة التي ستكون عليها الروح بعد البعث .

وقد ذكر الشيخ محمد عبده أن عذاب القبر ونعيمه أشبه بما يراه النائم حين نومه ، فقد نجد اثنين في سرير واحد ، يقوم أحدهما مذعورا كئيبا وجلا مما شاهد ، بينما نجد الثاني يقوم من نومه مستبشرا فرحا سعيدا بما شاهده من ألوان المسرة والنعيم .

أخرج البخاري ، ومسلم ، وغيرهما ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " ، ثم قرأ صلى اله عليه وسلم : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا . . . } {[623]} .

وروى ابن أبي حاتم ، والبزار في مسنده ، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : " ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلاّ أثابه الله تعالى " ، قلنا : يا رسول الله ، ما إثابة الكافر ؟ فقال : " إن كان قد وصل رحما ، أو تصدق بصدقة ، أو عمل حسنة أثابه الله تعالى المال والولد والصحة وأشباه ذلك " ، قلنا : فما إثابته في الآخرة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " عذابا دون العذاب " وقرأ : { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } .

وقال جمهور المفسرين : هذه الآية تدل على عذاب القبر ونعيمه في الدنيا ، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة : { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } .


[623]:إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده. رواه البخاري في الجنائز (1379) وفي بدء الخلق (3240) وفي الرقاق (6515) ومسلم في الجنة (2866) والترمذي في الجنائز (1072) وأحمد في مسنده (4644) ومالك في الموطأ كتاب الجنائز (564) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ". تنبيه: قوله: ثم قرأ صلى الله عليه وسلم {النار يعرضون عليها...} قال السيوطي في الدر المنثور، وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده..." الحديث. ثم قال: زاد ابن مردويه {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا}. فَعُلِم من ذلك أن هذه الزيادة لم يذكرها الشيخان، فلينتبه.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ} (46)

ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بعد موتهم ، وعند قيام الساعة ، فقال : { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب } . .

والغدو : أول النهار . والعشى : آخره . وجملة : { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا . . } بدل من قوله - تعالى - { سواء العذاب } . بعرض أرواح فرعون وملئه على النار بعد موتهم وهم فى قبورهم فى الصباح والمساء ، { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة } يقال الملائكة العذاب : { أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب } وهو عذاب جهنم وبئس المصير مصيرهم .

قال القرطبى : والجمهور على أن هذا العرض فى البرزخ واحتج بعض أهل العلم فى تثبيت عذاب القبر بقوله - تعالى - : { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } ما دامت الدنيا . .

قال مجاهد وغيره : هذه الآية تدل على عذاب القبر فى الدنيا ألا تراه يقول - سبحانه - عن عذاب الآخرة : { أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب }

وفى الحديث عن ابن مسعود : إن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار ، تعرض على النار بالغداة والعشى ، فيقال : هذه داركم . .

هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة ، يرى أن القرآن قد ساق على لسان مؤمن آل فرعون ، أسمى الأساليب وأحكمها فى الدعوة إلى الحق ، فقد بدأ نصحه بنهى قومه عن قتل موسى - عليه السلام - ثم ذكرهم بنعم الله عليهم ، وبسوء عاقبة الظالمين ، وبأن نعيم الدنيا زائل ، أما نعيم الآخرة فباق ، وبأن ما يدعوهم إليه هو الحق ، وبأن ما يدعونه إليه هو الباطل .

ثم ختم تلك النصائح الغالية بتفويض أمره إلى الله فقال : { فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد } فكانت نتيجة هذا التفويض ، أن وقاه الله - تعالى - من سوء مكر أعدائه ، ونجاه من شرورهم ، وأن جعل مكرهم السيئ يحيق بهم .