إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود - أبو السعود  
{يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ} (41)

وبعد تحقيقِ الحقِّ ودعوتِهما إليه وبيانِه لهما مقدارَه الرفيعَ ومرتبةَ علمِه الواسِع شرع في تفسير ما استعبراه ولكونه بحثاً مغايِراً لما سبق فصلُه عنه بتكرير الخطاب فقال :{ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ } وهو الشرابيُّ وإنما لم يعيّنه ثقةً بدلالة التعبير وتوسلاً بذلك إلى إبهام أمرِ صاحبِه حِذارَ مشافهتِه بما يسوءه { فَيَسْقِى رَبَّهُ } أي سيدَه { خَمْرًا } روي أنه عليه السلام قال له : ما رأيت من الكرمة وحسنها فالملكُ وحسنُ حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فثلاثةُ أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه . وقرأ عكرمة فيسقى ربُّه على البناء للمفعول أي يُسقى ما يروى به { وَأَمَّا الآخر } وهو الخباز { فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رأْسِهِ } روي أنه عليه السلام قال له : ما رأيت من السلال ثلاثةُ أيام تمرّ ثم تخرج فتقتل { قُضِي } أي تم وأحكم { الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } وهو ما رأياه من الرؤييين قطعاً لا مآلُه الذي هو عبارة عن نجاة أحدِهما وهلاكِ الآخر كما يوهمه إسنادُ القضاء إليه إذ الاستفتاءُ إنما يكون في الحادثة لا في حكمِها يقال : استفتى الفقيهَ في الحادثة أي طلب منه بيانَ حكمِها ولا يقال استفتاه في حكمها ، وكذا الإفتاءُ فإنه يقال : أفتى فلانٌ في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال أفتى في حكمها أو جوابها بكذا ، ومما هو علَمٌ في ذلك قولُه تعالى : { يا يأَيُّهَا الملأ أفتوني في رؤياي } [ يوسف ، الآية 43 ] ومعنى استفتائهما فيه طلبُهما لتأويله بقولهما : نبئنا بتأويله وإنما عبر عن عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويلِه بالاستفتاء تهويلاً لأمره وتفخيماً لشأنه إذ الاستفتاءُ إنما يكون في النوازل المشكِلة والحُكمِ المبهم الجواب ، وإيثارُ صيغة الاستقبالِ مع سبق استفتائِهما في ذلك لما أنهما بصدده إلى أن يقضيَ عليه السلام من الجواب وطرَه ، وإسنادُ القضاءِ إليه مع أنه من أحوال مآلِه لأنه في الحقيقة عينُ ذلك المآلِ وقد ظهر في عالم المثالِ بتلك الصورةِ ، وأما توحيدُه مع تعدد رؤياهما فواردٌ على حسب ما وحّداه في قولهما : نبئنا بتأويله لا لأن الأمرَ ما اتُّهما به وسُجنا لأجله من سَمِّ الملكِ فإنهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورتُه بل فيما هو صورةٌ لمآله وعاقبتِه فتأمل . وإنما أخبرهما عليه السلام بذلك تحقيقاً لتعبيره وتأكيداً له ، وقيل : لما عبّر رؤياهما جحَدا وقالا : ما رأينا شيئاً فأخبرهما إن ذلك كائنٌ أصدقتما أو كذبتما ، ولعل الجحودَ من الخبّاز إذ لا داعيَ إلى جحود الشرابي إلا أن يكون ذلك لمراعاة جانبه .