نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ} (41)

ولما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهمّ لهما لو علما لمآله إلى الحياة الأبدية والرفعة السرمدية . أقبل على{[41371]} حاجتهما تمكيناً لما ذكره وتأكيداً للذي قرره ، فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له موقع عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير ، فقال : { ياصاحبي السجن } أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في القلب فتتخلص{[41372]} فيه المودة .

ولما كان في الجواب ما يسوء{[41373]} الخباز ، أبهم{[41374]} ليجوّز كل واحد أنه الفائز ، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذراً له في الخروج عن الأليق فقال : { أما أحدكما } وهو الساقي{[41375]} فيخلص ويقرب{[41376]} { فيسقي ربه } أي سيده الذي في خدمته { خمراً } كما كان { وأما الآخر } وهو الخباز .

ولما كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك ، بنى للمفعول قوله : { فيصلب }{[41377]} ويعطب{[41378]} { فتأكل } أي فيتسبب عن صلبه أنه{[41379]} تأكل { الطير من رأسه }{[41380]} والآية من الاحتباك : ذكر ملزوم السلامة والقرب أولاً دليلاً{[41381]} على العطب ثانياً ، وملزوم العطب ثانياً دليلاً على السلامة أولاً ، وسيأتي شرح تعبيره من التوراة ، فكأنه قيل : انظر جيداً ما الذي تقول ! وروى{[41382]} أنهما{[41383]} قالا : ما رأينا شيئاً ، إنما كنا نلعب ، فقال مشيراً بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة الله وسهولة الأمور عليه : { قضي الأمر } وبينه بقوله : { الذي فيه } أي{[41384]} {[41385]} لا في غيره{[41386]} { تستفتيان * } أي تطلبان الإفتاء فيه عملاً بالفتوة ، فسألتما عن تأويله ، وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما ، لم أقله عن جهل ولا غلط . وما أحسن إيلاء هذا العلم الثابت لختم الآية السالفة بنفي العلم عن الأكثر ، والأحد : المختص من المضاف إليه بمبهم له{[41387]} مثل{[41388]} صفة المضاف ، ولا كذلك " البعض {[41389]} " فلا يصدق{[41390]} : رأيت أحد الرجلين - إلا برجل منهما ، بخلاف " بعض " والفتيا : الجواب بحكم المعنى ، وهو غير الجواب بعلته - ذكره الرماني . ولعل رؤيتيهما تشيران{[41391]} إلى ما تشير{[41392]} إليه رؤيا الملك ، فالعصير يشير إلى السنابل الخضر والبقر السمان ، لأنه لا يكون إلا عن فضل ، والخبز - الذي طارت به الأطيار ، وسارت بروح صاحبه الأقدار -يشير إلى اليابسة والعجاف - والله أعلم .


[41371]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: إلى.
[41372]:في م: فتخلص.
[41373]:من م، وفي الأصل: يسر، وفي ظ: بسوء، وفي مد: تسوء.
[41374]:في الأصول: إنهم.
[41375]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41376]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41377]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41378]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41379]:في ظ و م: إن.
[41380]:العبارة من هنا إلى "السلامة أولا" ساقطة من م.
[41381]:في ظ: دليل.
[41382]:عن ابن مسعود رضي الله عنه- كما في لباب التأويل 3/233.
[41383]:في ظ: ايهما.
[41384]:زيد من ظ ومد.
[41385]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41386]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41387]:زيد من ظظ و م ومد.
[41388]:سقط من مد.
[41389]:في ظ: فيصدق.
[41390]:في ظ: فيصدق.
[41391]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يشيران.
[41392]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يشير.