وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته ، ختمها - أيضا - بالثناء والحمد ، فقد أثبت - عز وجل - أن علمه شامل لكل شئ . وأن قدرته نافذة على كل شئ ، وأنه - تعالى - هو المستحق للعبادة والطاعة ، فقال : { قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً . . . }
والمراد بالبحر : جنسه ، والمداد فى الأصل : اسم لكل ما يُمَد به الشئ ، واختص فى العرف لما تمد به الدواة من الحبر .
والمراد بكلمات ربى : علمه وحكمته وكلماته التى يصرف بها هذا الكون .
وقوله : { لنفد البحر } : أى لفنى وفرغ وانتهى . يقال : نفد الشئ ينفد نفادا ، إذا فنى وذهب ، ومنه قولهم : أنفد فلان الشئ واستنفده ، أى : أفناه .
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس : لو كان ماء البحر مدادا للأقلام التى تكتب بها كلمات ربى ومعلوماته وأحكامه . . لنفد ماء البحر ولم يبق منه شئ - مع سعته وغزارته - قبل أن تنفد كلمات ربى ، وذلك لأن ماء البحر ينقص وينتهى أما كلمات الله - تعالى - فلا تنقص ولا تنتهى .
وقوله - سبحانه - : { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } زيادة فى المبالغة وفى التأكيد لما قبله من شمول علم الله - تعالى - لكل شئ ، وعدم تناهيه .
أى : وبعد نفاد ماء البحر السابق ، لو جئنا بماء بحر آخر مثله فى السعة والغزارة ، وكتبنا به كلمات الله - تعالى - لنفد - أيضاً - ماء البحر الثانى دون أن تنفد كلمات ربى .
فالآية الكريمة تصور شمول علم الله - تعالى - لكل شئ ، وعدم تناهى كلماته ، تصويراً بديعاً ، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسة كمال علم الله - تعالى - وعدم تناهيه .
قال الآلوسى : وقوله : { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } : هذا كلام من جهته - تعالى شأنه - غير داخل فى الكلام الملقن ، جئ به لتحقيق مضمونه ، وتصديق مدلوله على أتم وجه . والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة ما ذكر عليها دلالة واضحة :
أى : لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته - تعالى - لو لم نجئ بمثله مدداً ، ولو جئنا بمثله مددا - لنفد أيضاً - .
وقال بعض العلماء : وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان ، لأن هذه الأشياء مخلوقة ، وجميع المخلوقات منقضية منتهية ، وأما كلام الله - تعالى - فهو من جملة صفاته ، وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى ، فأى سعة وعظمة تصورتها القلوب ، فالله - تعالى - فوق ذلك ، وهكذا سائر صفات الله - سبحانه - كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
قوله : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) قال ابن عباس : قالت اليهود ، لما قال لهم النبي ( ص ) : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) قالوا : وكيف وقد أوتينا التوراة ، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ) الآية . وقيل : قالت اليهود : إنك أوتيت الحكمة ، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . فرد عليهم بأنه : وإن أوتيت القرآن وأتيتم التوراة ؛ فهي بالنسبة لكلمات الله تعالى قليلة{[2875]} . والمراد بكلمات الله : حكمته البالغة وعلمه الذي لا ينتهي . والمداد ، ما يكتب به من الحبر .
والمعنى : أنه لو كان ماء البحار كلها مدادا لتكتب به كلمات علم الله لفني ماء البحار وزال ، وإن جيء إليها بأضعاف أخرى مضاعفة ، وبقيت كلمات علم الله قائمة لا تنتهي ولا تفنى ؛ أي أن البحار كيفما تكن من الاتساع والعظمة ومعها أضعافها فإنها متناهية ولا تفنى ؛ أي أن البحار كيفما تكن من الاتساع والعظمة ومعها أضعافها فإنها متناهية لكن معلومات الله غير متناهية . والمتناهي لا يفي بغير المتناهي ؛ ذلك أن علم الله صفة ظاهرة من صفاته العظيمة . وهو سبحانه بكماله المطلق منزه عن النقائص والعيوب . وما ينبغي لكماله أن يتناهى علمه أو تحيط به القيود والحدود ؛ بل الله عليم بما جرى وما هو جار من أخبار وأحوال وعلوم وأسرار وأقدار وحقائق لا يعلمها إلا هو ؛ فعلمه المطلق لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأكوان والكائنات ؛ فهو بذلك لا يحصيه المداد ولو كان في سعة الأمواج والمحيطات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.