وقد وبخهم الله - تعالى - على جهلهم هذا بقوله : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } فالاستفهام للإِنكار والتهكم بهم ، والتعجب من تفكيرهم .
والمراد بالرحمة : ما يشمل النبوة ، وما أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من وحى ، وما منحه إياه من خلق كريم ، وخير عميم .
أى : كيف بلغ الجهل والغباء بهؤلاء المشركين إلى هذه الدرجة ؟ إنهم ليس بيدهم ولا بيد غيرهم عطاء ربك ، وليس عندهم مفاتيح الرسالة ليضعوها حيث شاؤا ، وليختاروا لها من أرادوا . وما دام الأمر كذلك فكيف يعترضون على نزول القرآن عليك - أيها الرسول الكريم - ؟ .
ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلقه فقال : { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا . . } أى : نحن قسمنا بينهم أرزاقهم فى هذه الدنيا ، ولم نترك تقسيمها لأحد منهم ، ونحن الذين - بحكمتنا - تولينا تدبير أسبابها ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم . ونحن الذين رفعنا بعضهم فوق بعض درجات فى الدنيا ، فهذا غنى وذاك فقير ، هذا مخدوم ، وذاك خادم ، وهذا قوى ، وذاك ضعيف .
ثم ذكر - سبحانه - الحكمة من هذا التفاوت فى الأرزاق فقال : { لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } .
أى : فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا فى حوائجهم ، ويعاون بعضهم بعضا فى مصالحهم ، وبذلك تنتظم الحياة ، وينهض العمران . ويعم الخير بين الناس ، ويصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدر الله - تعالى - له من رزق واستعداد . .
ولو أنا تركنا أم تقسيم الأرزاق إليهم لتهارجوا وتقاتلوا ، وعم الخراب فى الأرض ، لأن كل واحد منهم يريد أن يأخذ ما ليس من حقه ، لأن الحرص والطمع من طبيعته .
وإذا كان هذا هو حالهم بالنسبة لأمور دنياهم فكيف أباحوا لأنفسهم التحكم فى منصب النبوة ، وهو بلا شك أعلى شأنا ، وأبعد شأوا من أمور الدنيا .
وقوله { سُخْرِيّاً } بضم السين - من التسخير ، بمعنى تسخير بعضهم لبعض وخدمة بعضهم لبعض ، وعمل بعضهم لبعض ، فالغنى - مثلا - يقدم المال لغيره ، نظير ما يقدمه له ذلك الغير من عمل معين . .
وبذلك تنتظم أمور الحياة ، وتسير فى طريقها الذى رسمه - سبحانه - لها .
قال الجمل ما ملخصه : قوله : { لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } أى : ليستخدم بعضهم بعضا ، فيسخر الأغنياء بأموالهم ، الأجراء الفقراء بالعمل ، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض ، هذا بماله ، وهذا بأعماله ، فيلتئم قوام العالم ، لأن الأرزاق لو تساوت لتعطلت المعايش ، فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنئ ، فكيف يطمعون فى الاعتراض فى أمر النبوة ، أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ، ونكل العالى إلى غيرنا . .
هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تقرر سنة من سنن الله - تعالى - التى لا تغيير لها ولا بتديل ، والتى تؤيدها المشاهدة فى كل زمان ومكان ، فحتى الدول التى تدعى المساواة فى كل شئ . . ترى سمة التفاوت فى الأرزاق وفى غيرها وضحة جلية ، وصدق الله فى قوله : { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } .
ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : { والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق . . . } وقوله - سبحانه - : { انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً }
قوله : { أهم يقسمون رحمت ربّك } الاستفهام للإنكار . وذلك رد لاعتراض المشركين على بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الله وحده الذي يصطفي من عباده من يشاء لحمل الرسالة ، وليكون للناس بشيرا ونذيرا ، و الله جل وعلا أعلم حيث يجعل رسالته ، فليس ذلك من شأن هؤلاء المشركين الجاهلين .
قوله : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدّنيا } أي كما قسم الله رحمته وكرامته بين من شاء من عباده الأخيار ليكونوا نبيين ومرسلين كذلك قسم الله بين العباد معيشتهم في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأموال ومختلف أنواع النعم ، فيكون فيهم الكيّس والخامل ، والغبي والفطن ، والعيي واللّسن ، والأغنياء والفقراء . فكان الناس بذلك مختلفين في الطاقات والقدرات ، والمواهب والاستعدادات ، ليكونوا بذلك متفاوتين في الدرجات . وهو قوله سبحانه : { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } أي فاضل الله بين عباده فجعل بعضهم أفضل من بعض في حاجات الدنيا وفي مظاهرها ومتاعها ، كالرزق والرياسة والعلم والفهم ، فهم في ذلك كله متفاوتون متباينون ، فإن فيهم الغني والفقير ، والذكي والغبي ، والعالم والجاهل ، والناشط والعاجز ، ، والشجاع والخائر . وفيهم ذو الهمة المترفع والصفيق المتبلّد . وهكذا الناس جميعا مختلفون في جبلاتهم وطبائعهم واستعدادتهم . وذلك يفضي بالضرورة إلى الاختلاف والتفاوت في أرزاق العباد ، وفي درجاتهم في الحياة الدنيا { ليتّخذ بعضهم بعضا سخريّا } أي ليستخدم بعضهم بعضا ، فيستخدم الغني الفقير ، والرئيس المرءوس ، والقوي الضعيف ، والعالم الجاهل ، والذكي من دونه من أولي الغباوة وهوان العقل .
قوله : { ورحمت ربّك خير مما يجمعون } المراد بالرحمة ما كتبه الله لعباده الصالحين من وجوه النعم وعظيم الجزاء في الآخرة . لا جرم أن ذلك خير مما يجمعه الغافلون من الأموال وأوجه المتاع في حياتهم الدنيا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.