ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك سبع آيات بينت فيها ما يجب أن يكون عليه موقف المسلمين من المنحرفين من أهل الكتاب ، كما حكت بعض أقوالهم الذميمة ، وأفعالهم القبيحة ، التي تدعو المسلمين إلى قتالهم حتى يخضعوا لسلطان الإِسلام ، وقد بدئت هذه الآيات بقوله - تعالى - { قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ . . . . } .
قال الإِمام الرازى : اعلم أنه لما ذكر - سبحانه - حكم المشركين في إظهار البراءة من عهدهم ، وفى إظهار البراءة عنهم في أنفسهم ، وفى وجوب مقاتلتهم ، وفى تبعيدهم عن المسجد الحرام . . ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد .
وقال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب - اليهود والنصارى . وكان ذلك في سنة تسع ، ولهذا " تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة ، فندبهم فأوعبوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة . ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك في عام جدب ، ووقت قيظ حر . وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ، ونزل بها ، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً ، ثم استخار الله في الرجوع ، فرجع عامه ذلك لضيق الحال ، وضعف الناس . . . " .
وقوله : { قَاتِلُواْ الذين } أمر منه - سبحانه - للمؤمنين بقتال أهل الكتاب ، وبيان للأسباب التي اقتضت هذا الأمر ، وهى أنهم :
أولاً : { لاَ يُؤْمِنُونَ بالله } لأنهم لو كانوا مؤمنين به إيماناً صحيحاً ، لاتبعوا رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ، ولأن منهم من قال : { عُزَيْرٌ ابن الله } ومنهم من قال : { المسيح ابن الله } وقولهم هذا كفر صريح ، لأنه - سبحانه - منزله عما يقولون .
قال - تعالى - { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } وثانياً : أنهم " لا يؤمنون باليوم الآخر " على الوجه الذي أمر الله - تعالى - به ، ومن كان كذلك كان إيمانه . على فرض وجوده . كلا إيمان .
قال الجمل ما ملخصه : فإن قلت : اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف نفى الله عنهم ذلك ؟
قلت : إن إيمانهم بهما باطل لا يفيد ، بدليل أنهم لم يؤمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فلما لم يؤمنوا به كان إيمانهم بالله واليوم الآخر كالعدم فصح نفيه في الآية ولأن إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه ، والنصارى يعتقدون الحلول ، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله بل هو مشرك .
وأيضاً فإن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك لأنهم يعقتدون بعث الأرواح دون الأجساد ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون - أى أنهم يرون نعيم الجنة وعذاب النار يتعلقان بالروح فقط ولا شأن للجسد بذلك .
ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن .
وثالثاً : أنهم { وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ } أى : لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة ، وفضلاً عن ذلك فهم لا يلتزمون ما حرمته شريعتهم على ألسنة رسلهم ، وإنما غيروا وبدلوا فيها على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم . أى أنهم لا يحرمون ما حرمه الله لا في شريعتنا ولا في شريعتهم .
فاليهود - بجانب كفرهم بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم ، بدليل أنهم استحلوا أكل أموال الناس بالباطل مع أنها . أى شريعتهم . نهتهم عن ذلك .
قال - تعالى - { وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل . . . } والنصارى - بجانب كفرهم - أيضاً - بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم بدليل أنهم ابتدعوا الرهبانية مع أن شريعتهم لم تشرع لهم ذلك .
قال - تعالى - { ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } ورابعاً : { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق } وقوله : { يَدِينُونَ } بمعنى يعتقدون ويطيعون . يقال : فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده وأطاع أوامره ونواهيه .
والمراد بدين الحق : دين الإِسلام الناسخ لغيره من الأديان .
أى : أنهم لا يتخذون دين الإِسلام ديناً لهم ، مع أنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده ، والذى لا يقبل - سبحانه - ديناً سواه . قال - تعالى - : { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . . . } وقال - تعالى - : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين } ويصح أن يكون المراد بدين الحق . ما يشمل دين الإِسلام وغيره من الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون .
أى : ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم .
وعبر عنهم في قوله : { قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ . . } بالاسم الموصول للإِيذان بعلية ما في حيز الصلة للأمر بالقتال .
أى أن العلة في الأمر بقتالهم ، كونهم لا يؤمنون باللهو لا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق .
وقوله : { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } بيان للمتصفين بهذه الصفات الأربعة وهم اليهود والنصارى ؛ لأن الحديث عنهم ، وعن الأسباب التي توجب قتالهم .
والمراد بالكتاب : جنسه الشامل للتوراة والإِنجيل .
أى : قاتلوا من هذه صفاتهم ، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل - عن طريق موسى وعيسى - عليهما السلام - ولكنهم لم يعملوا بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم .
والمقصود بقوله : { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم ، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا ، أما حكم أهل الكتاب فهو القتال ، أو الإِسلام ، أو الجزية :
وقوله : { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } غاية لإِنهاء القتال .
أى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يعطو الجزية عن طوع وانقياد ، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم .
والجزية : ضرب من الخراج يدفعه أهل الكتاب للمسلمين وهى - كما يقول القرطبى : - من جزى يجزى - مجازاة - إذا كافأ من اسدى إليه . فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ما منحوا من الأمن ، وهى كالقعدة والجلسة ، ومن هذا المعنى قول الشاعر :
يجزيك أو يثنى عليك وإن من . . . أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
والمراد بإعطائها في قوله : { حتى يُعْطُواْ الجزية } ، التزام دفعها وإن لم يذكر الوقت المحدد لذلك .
واليد هنا : يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد . أى : حتى يعطوا الجزية عن خضوع وإنقياد .
ويحتمل أن تكون كناية و " عن " الدفع نقداً بدون تأجيل . أى : حتى يعطوها نقداً بدون تسويف أو تأخير .
ويحتمل أن تكون على معناها الحقيقى ، و " عن " بمعنى الباء أى : حتى يعطوها بيدهم إلى المسلمين لا أن يبعثوا بها بيد أحد سواهم .
وهذه المعانى لليد إنما تتأتى إذا أريد بها يد المعطى . أى : يد الكتابى .
أما إذا أردنا بها اليد الآخذة - وهى يد الحاكم المسلم - ففى هذه الحالة يكون معناها القوة والقهر والغلبة .
أى : حتى يعطوها عن يد غالبة قوية لا قبل لهم بالوقوف أمامها .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : قوله : " عن يد " إما أن يراد يد المعطى أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطى حتى يعطوها عن يده ، أى عن يد مؤاتيه غير ممتنعة ، إذ أن من أبى وامتنع لم يعط يده ، بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك قالوا : أعطى بيده ، إذا انقاد وأصحب - أى : سهل بعد صعوبة - ألا ترى إلى قولهم : نزع يده عن الطاعة ، كما يقال : خلع ربقة الطاعة عن عنقه .
أو المعنى : حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة ، لا مبعوثاً بها على يد أحد ، ولكن يد المعطى إلى يد الآخذ .
ومعناه على إرادة يد الآخذ : حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية - وهى يد المسلمين - أو حتى يعطوها عن إنعام عليهم ، لأن قبول الجزية منهم ، وترك أرواحهم لهم ، نعمة عظيمة عليهم .
وقوله : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } من الصغار بمعنى الذل والهوان . يقال : صغر فلان يصغر صغراً وصغاراً إذا ذل وهان وخضع لغيره .
والمعنى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يدفعوا لكم الجزية عن طواعية وانقياد . وهم أذلاء خاضعون لولايتكم عليهم . . فإن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله .
ولا يتخذون الدين الحق ديناً لهم . يستحقون هذا الهوان في الدنيا ، أما في الآخرة فعذابهم أشد وأبقى .
هذا . ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
1- إن هذه الآية أصل في مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء - لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإِسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشركى العرب فلا يخيرون إلا بين الإِسلام أو القتال .
قال القرطبى ما ملخصه : وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية فقال الشافعى : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجماً لهذه الآية : فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ، لقوله - تعالى - في شأن المشركين : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } ولم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب .
وقال الشافعى : وتقبل من المجوس لحديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أى : في أخذ الجزية منهم .
وبه قال وأبو ثور . وهو مذهب الثورى وأبى حنيفة وأصحابه وقال الأوزاعى : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .
وكلذلك مذهب مالك : فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجمياً تغليبا أو قرشياً ؛ كئنا من كان إلا المرتد . .
2- أن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم ، وكفنا عن قتالهم ، ومساهمة منهم في رفع شأن الدولة الإِسلامية التي أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم . ومقدساتهم . . وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة . .
وفى تاريخ الإِسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك ، ما جاء في كتاب الخراج لأبى يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد " وينبغى يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد - صلى الله عليه وسلم - والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ، ولا يؤخذ شئ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ؛ فقد روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من ظلم من أمتى معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه " .
وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدى بذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم .
وجاء في كتاب " أشهر مشاهير الإِسلام " أن جيوش التتار ، لما اكتسحت بلاد الإِسلام من حدود الصين إلى الشام ، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار ، ودان ملوكهم بالإِسلام ، خاطب شيخ الإِسلام ابن تيمية ، أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأُبى أن يسمح بأهل الذمة ، فقال له شيخ الإِسلام : لا بد من إطلاق وجميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فأطلقهم له .
وجاء في كتاب " الإِسلام والنصرانية " للأستاذ الإِمام محمد عبده ما ملخصه :
" . . . الإِسلام كان يكتفى من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين . ثم يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عوناً على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة " .
خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديرة للعبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال .
جاءت السنة بالنهى عن إيذاء أهل الذمة ، وبتقرير ما لهم من الحقوق على المسلمين ، " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " و " من آذى ذميا فليس منا " .
واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإِسلام . ولست أبلى إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف في أبناء الإِسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف .
ثم قال : أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله ، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم ، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم - بعد العجز عن إخراجهم من دينهم - طردتهم عن ديارهم ، وغسلت الديار عن آثارهم ، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقاً .
ولا يمنع غير المسيحى من تعدى المسيحى إلا كثرة العدد أو شدة العضد ، كما شهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه .
ثم قال : فأنت ترى الإِسلام يكتفى من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها ، بشئ من المال ، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن يعيشوا في هدوء ، لا يعكرون معه صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة العامة ، ثم يرخى لهم بعد ذلك عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم ، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم .
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : قال السيوطى : استدل بقوله - تعالى - { وَهُمْ صَاغِرُونَ وَهُمْ صَاغِرُونَ } من قال إنها تؤخذ بإهانة ، بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمى ويطأطئ رأسه ، ويجنى ظهره ، ويقبض الآخذ لحيته . . . إلخ .
وقد رد الإِمام ابن القيم على هذا القائل بقوله : هذا كله مما لا دليل عليه ، ولا هو من مقتضى الآية ، ولا نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه .
والصواب في الآية ، أن الصغار : هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم ، وإعطاء الجزية ، فإن ذلك هو الصغار ، وبه قال الشافعى .
والذى ناره أن ما قاله الإِمام ابن القيم في رده هو عين الصواب ، وأن ما نقله السيوطى عن بعضهم . . . يتنافى مع سماحة الإِسلام وعدله ورحمته بالناس .
هذا ، وهناك أحكام أخرى تتعلق بالجزية لا محال لذكرها هنا ، فليرجع إليها من شاء في بعض كتب الفقه والتفسير .
قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .
بعد استقرار الحال في جزيرة العرب ودخول المشركين في دين الله أفواجا مسلمين ، أمر الله في هذه الآية بقتال أهل الكتاب . بذلك أمر الله في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستعداد لقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وذلك في سنة تسع . ومن أجل ذلك تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم في تبوك . وقد اجتمع له من المقاتلة نحو ثلاثين ألفان ويستدل من هذه الآية أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب فقط أو من أشبههم المجوس ؛ فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر . وبذلك لا تؤخذ الجزية من غير أهل الكتاب كالمشركين والوثنين ، وهذا مذهب الشافعية والحنبلية ، أما الحنفية الجزية عندهم من جميع الأعاجم سواء فيهم أهل الكتاب أو المشركين ، لكنها لا تؤاخذ من العرب من غير أهل الكتاب ولا من المرتدين ؛ لأن كفر هؤلاء قد تغلظ ؛ فمشركو العرب قد نشأ النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ، والقرآن نزل بلغتهم ، فالمعجزة في حقهم أظهر . أما المرتد : فلأنه كفر بربه بعد أن هدى للإسلام ووقف على روائعه وكماله ، فلا يقبل من الفريقين سوى الإسلام أو القتال زيادة في العقوبة .
أما الإمام مالك فقال بجواز أخذ الجزية من جميع الكفار ، من أهل الكتاب والمجوس والوثنين{[1749]} .
قوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر } نفي الله بالإيمان بالله عن أهل الكتاب ؛ لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن بالله ؛ إذ يصفون الله بما لا يليق أن يوصف به ؛ فقد جعلوا له والدا ؛ كيهود جعلت عزيزا ابن الله ، والنصارى جعلوا المسيح ابن الله وقالوا بالأقانيم الثلاثة ، إلى غير ذلك من المقولات المفتراة الظالمة فصارت بذلك عقائدهم مجرد تخيلات موهومة وتصورات مظنونة لا تطوي على غير التخريص الفاضح والضلال الشاطح دون استناد إلى ذرة من دليل سليم . من أجل ذلك نفي الله عنهم الإيمان به . وفوق ذلك فإنهم كفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحسبهم ذلك ضلالة وكفرنا ، مع أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .
وكذلك فإن إيمانهم بالآخرة مريب ومصطنع ؛ فقد أنقل عن اليهود والنصارى إنكار البعث الجسماني ، فكأنهم يعتقدون البعث الروحاني . ومثل هذا التصور لا يستحق مجرد التسمية بالإيمان ؛ لأن ما يتقولونه ويهرفون به ليس إلا ضربا من التصور المريض الواهم ، أو الحلم المطوح في الخيالات من عالم اللاشعور . وليس ذلك من الإيمان في شيء .
قوله : { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يتبعوا دينه ولا شريعته ففيهما ما احل الله ورسوله أو حرم . وقيل : المراد بالرسول رسولهم الذي يزعمون أنهم يتبعونه ؛ فإنهم بدلوا شريعته ، واحلوا ما حرم الله عليهم وحرموا ما احل الله لهم . وكل ذلك من عند أنفسهم اتباعا لأهوائهم ؛ فهم بذلك لم يتبعوا شريعة الإسلام القائمة على الكتاب والسنة ، ولم يتبعوا شريعتهم المنزلة على رسلهم ؛ فهم بذلك غير مؤمنين إيمانا صحيحا لا بشريعتنا ولا بشريعتهم الخالصة المبرأة من التزييف والتحريف ، فما يزعمون لأنفسهم من إيمانا بما ليس له وزن أو اعتبار لما بيناه ؛ فوجب بذلك قتالهم .
قوله : { ولا يدينون دين الحق } أي الدين الثابت الكامل ، الدين الحقيق الصحيح الذي تصلح عليه البشرية طيلة الدهر ، الدين الذي تجتمع فيه مزايا الصلوح للحياة في كل مكان وزمان ؛ وذلكم هو الإسلام دون غيره من الأديان والملل والشرائع . لكن أهل الكتاب إنما يدينون ما تسوله لهم أهواؤهم وغرائزهم وشهواتهم ومنافعهن الدنيوية ؛ فهم بذلك دينا سماويا حقيقا سليما من التلاعب والتبديل ، وما يزعمونه أنهم أهل كتاب ليس إلا التوهيم المكشوف الذي لا يخفى على أحد ، وهو ليس إلا التحذلق المصطنع الذي لا يغني من الحق شيئا . لا جرم أن اليهود والنصارى أبعد الناس كافة عن حقيقة التوراة العظيمة ذات التشريع الرباني النافع ، وعن حقيقة الإنجيل الرفاف الساطع الذي ينهي أشد النهي عن الفساد والشر والعدوان وظلم الإنسان لأخليه الإنسان . وما نجده أو نسمعه أو نقرأه من أخبار مذهلة عن فظائع اقترافها اليهود والنصارى في حق البشرية والمسلمين خصوصا يبرأ منها كليم الله موسى وروح الله عيسى المسيح . وهي فظائع شنيعة تجعل من انتساب هؤلاء الظالمين للتوراة والإنجيل شيئا مستهجنا ، مثيرا للسخرية والاشمئزاز . إن هذه الفظائع تطبع هؤلاء الجناة بطابع الوحوش الكواسر في الغابات ، لا جرم أن دين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام مبرآن من أفاعيل هؤلاء الطغاة الذين نكلوا بالشعوب المسلمة تنكيلا ، والذين أذاقوا المسلمين وغيرهم عبر زمان طويل أعتى النوازل والويلات ، وما زالوا على هذه الحال من تقتيل للمسلمين وترويعهم في كل بقاع الدنيا .
قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } والجزية ، من الجزاء وهي للإجزاء عن حقن دم الذمي . والجزية اسم مفرد وجمعه جزي مثل : لحية ولحي{[1750]} . أما الجزية في اصطلاح الشرعي : فهي المال الذي يؤخذ بعقد من أهل الكتاب لإقامتهم بدار الإسلام آمنين ، وذلك على سبيل الإسهام في بناء الدولة التي ينعمون بالأمن والخير في ظلها{[1751]} .
اجمع المسلمون على قبول الجزية من أهل الكتاب وهم اليهود ومن دان بدينهم كالسامرة الذين يدينون بالتوراة ويعملون بشريعة موسى . وكذلك النصارى وفرقهم من اليعقوبية والنسطورية وغيرهم ممن دان بالإنجيل .
أما الصابئة : فملتهم وعقيدتهم موضع خلاف ؛ فقد قيل : إنهم جنس من النصارى . وقيل : إنهم من اليهود ؛ لأنهم يسبتون ، وقيل غير ذلك .
أما الذين لهم شبهة كتاب : فهم المجوس ؛ فإنه يروي أنه كان لهم كتاب قديم فصار لهم بذلك شبهة وجب بها أن تحقن دماؤهم ، وأن تؤخذ منهم الجزية لكنهم لا تنكح نساؤهم ولا تحل ذبائحهم . وقد ذهب إلى هذا أكثر العلماء{[1752]} .
والمراد بهم الكافرون من غير اليهود والنصارى والمجوس ؛ أي بعدة الأوثان الذين ليس لهم كتاب منزل كعبدة الناس والشمس والقمر والكواكب والتماثيل والأحجار وغير ذلك من أشكال الأوثان . ويحلق بهم الدهريون والماديون والملحدون الذين يجحدون النبوة والأديان والرسالات جميعا ؛ فهؤلاء من حيث وجوب الجزية في حقهم موضع خلاف . وثمة أقوال في ذلك :
القول الأول : وهو أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم ، ولا تؤخذ من عبدة الأوثان من العرب ؛ لأن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قد نشأ بين أظهرهم ، وقد أنزل القرآن بلغتهم ، فالمعجزة في حقهم أظهر ؛ فلا يقبل منهم غير الإسلام أو قتالهم . وهو قول الحنفية .
القول الثاني : وهو أن الجزية مال يضربه الإمام على كل كافر سواء كتابيا أو مشركا أو غيرهما ولو كان قرشيا . وهو قول المالكية{[1753]} .
القول الثالث : وهو قول الشافعية والحنبلية وأهل الظاهر ؛ فقد ذهب هؤلاء إلى أنه لا يقر عبدة الأوثان والملائكة والشمس والقمر والنجوم ونظائرهم ؛ فلا تؤخذ منهم الجزية ، ولا يقبل منهم غير الإسلام أو القتال . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وذلك عام وقد خص منه أهل الكتاب . وكذلك خص فيه المجوس بالخبر : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) {[1754]} .
الركن الأول : الصيغة . وهي الإيجاب والقبول ، فالإيجاب من الإمام أو نائبه ؛ فهو الموجب ؛ إذ يقول لهم : أقررتكم ، أو أقركم . ثم القبول من الطرف الآخر وهو المؤدي للجزية ، فيقول : قبلت أو رضيت بذلك .
الركن الثاني : العاقد ، وهو الإمام أو نائبه ، ولا يصح عقد الجزية من غيرهما .
الركن الثالث : المعقود له ، وله شروط هي :
أولا : العقل ؛ فلا تجب الجزية على المجنون ذي الجنون المطبق ؛ لعدم تكليفه .
ثانيا : البلوغ ؛ فلا تجب الجزية على الصبي لعدم تكليفه .
ثالثا : الحرية ؛ فلا تجب على العبد ؛ لأنه مملوك لصاحبه ؛ فهو غير مكلف .
رابعا : الذكورة ؛ فلا تجب الجزية على النساء ؛ لأنهن لسن من أهل القتال .
خامسا : أن يكون المعقود له كتابيا وهم النصارى واليهود . وكذلك المجوس لما فيهم من شبهة كتاب .
الركن الرابع : المكان القابل للتقرير ، وهو سائر بلاد الإسلام باستثناء الحجاز{[1755]} .
على أن الجزية لا تؤخذ من كل من الزمن وهو الذي أصابته هاعة أو آفة ولا يرجي برؤه منها ولا يقدر على القتال .
ثم الأعمى ؛ لأنه ليس من أهل القتال ؛ لعدم قدرته على ذلك ؛ فهو في ذلك كالصبيان والنساء . وهو قول أكثر أهل العلم .
وكذلك الشيخ الهرم ؛ وهو الكبير الفاني ؛ فغنه غير مطالب بالجزية في قول أكثر العلماء ، وهو قول الحنفية والمالكية والحنبلية ، والشافعية في أحد القولين لهم . وعلى هذا لا تجب الجزية على كل من الزمن والأعمى والشيخ الكبير الفاني . وهم في ذلك كالنساء والصبيان ؛ لعجزهم عن القتال .
وكذلك الفقير غير المعتمر ؛ فإنه غير مطالب بأداء الجزية ، وهو قول أكثر العلماء . ووجه ذلك : أن الفقير العاجز غير مكلف ؛ لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } واحتجوا أيضا بما أخرجه البيهقي عن محمد بن عبد الله الثقفي قال : وضع عمر بن الخطاب –يعني الجزية- على رؤوس الرجال ، على الغني ثمانية وأربعين درهما ، وعلى الوسط أربعة وعشرون درهما ، وعلى الفيقر اثني عشر درهما . وقالوا المراد بالفقير هنا غير المعتل .
وكذلك الرهبان من النصارى ، ومصدره الرهبة والرهبانية ، وتعني التعبد بما فيه الاختصاء واعتناق السلاسل وليس المسوح ونحو ذلك{[1756]} ؛ فإن هؤلاء على العموم لا تجب في حقهم الجزية ، وهو قول الحنفية والمالكية ، خلافا للشافعية وأهل الظاهر{[1757]} .
قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } { حتى } ، للغاية التي تمتد إليها العقوبة ، وهذه ترتفع بالبدل وهي الجزية . و { عن يد } ، يراد بها يد المعطي ؛ وهي أن تكون مؤاتية غير ممتنعة لأن من أبي وامتنع لم يعط يده ، وذلك بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك يقال : أعطى يده إذا انقاد أطاعه . وقيل : حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة ليس مبعوثا عن يد أحد ولكن عن يد المعطي على يد الآخر . وقيل غير ذلك .
أما قوله : { وهم صاغرون } يعني أذلاء خاضعون مطيعون للدولة التي يعيشون في ظلها وه دولة الإسلام .
وهذه واحدة من المسائل التي يثار من اجلها اللغط والتهويش والتشويش على الإسلام بقصد الطعن فيه وتجريحه والإساءة إليه ، أو لكي ينفروا منه أهل الكتاب تنفيرا بعد أن يغرسوا في نفوسهم الحقد والكراهية لهذا الدين .
إن مسألة الجزية قد اتخذها الصليبيون والمستشرقون والاستعماريون والعملاء والأتباع الناعقون من ورائهم –سبيلا يلجون منه على الإسلام من اجل تشويهه في أنظار الناس . ولقد سيق كثير من المثقفين والدارسين خلف هذه الدعاية الخبيثة التي أثارها أسيادهم من جهابذة الاستعمار والصليبية والاستشراق ؛ أولئك الذين تتقطع قلوبهم وأعصابهم تغيظا من الإسلام ، فهم دائما عاكفون بغير كلالة ولا كلل على الكيد للإسلام بكل أساليب الطعن والقدح والتشويه ، وهم في ذلك كله لا يسندهم منطق ولا تشفع لهم حجة سليمة إلا الغيظ ومحض التعصب والجهالة .
والمسألة في غاية البساطة لو تصورها الخصوم والجاهلون والمارقون فأحسنوا تصورها . وهي أن الجزية مبلغ محمد من المال يؤديه غير المسلم إسهاما منه في بناء الدولة التي يعيش في ظلها والتي ينعم في أمنها ورخائها كغيره من الناس . وهي في مقابل فريضة الزكاة التي يؤديها المسلم للدول ، بل إن الجزية دون الزكاة كثيرا ، وهي لا يؤديها غير القادرين من العاجزين كالفقراء والصبيان والنساء والشيوخ ؛ فلا داعي إذن لكل هذه الضجة المصطنعة الفاجرة ولمثل هذا اللغط المستعمر المحموم ! لا داعي لكل هذا الافتراء على الإسلام والإساءة إليه ما دامت المسألة مجرد مبلغ محدود وهين من المال يؤديه غير المسلم ليشارك المسلمين في بناء البلاد وإعمارها . وهذا المبلغ من المال لا يعدو أن يكون نظيرا للضريبة التي يؤديها المواطن للدولة التي يستظل بظلها . وهل كان إلزام الناس بدفع الضرائب قسرا ، مثيرا لمثل هذا الصخب العارم الذي يثيره الاستعماريون والصليبيون والمستشرقون وأتباعهم من العملاء حول الإسلام ؟ ! إنه لا شيء من ذلك . لكنه الحقد الطاغي والمركوز ، والكراهية المسيطرة العمياء ، والتعصب الجهول الذي تتعطل من خلاله العزائم والضمائر والإرادات .