{ والله جعل لكم مما خلق } ، من البيوت والشجر والغمام ، { ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا } ، يعني : الغيران والأسراب ، { وجعل لكم سرابيل } ، قمصا ، { تقيكم الحر } ، تمنعكم الحر والبرد ؛ فترك ذكر البرد لأن ما وقى الحر وقى البرد فهو معلوم ، { وسرابيل } ، يعني : دروع الحديد ، { تقيكم } ، تمنعكم ، { بأسكم } ، شدة الطعن والضرب والرمي ، { كذلك } ، مثل ما خلق هذه الأشياء لكم ، { يتم نعمته عليكم } ، يريد نعمة الدنيا ، والخطاب لأهل مكة ، { لعلكم تسلمون } ، تنقادون لربوبيته فتوحدونه .
ولما ذكر ما يخصهم ، أتبعه ما يشاركون فيه سائر الحيوانات ، فقال : { والله } ، أي : الذي له الجلال والإكرام ، { جعل لكم } ، أي : من غير حاجة منه سبحانه ، { مما خلق ظلالاً } ، من الأشجار والجبال وغيرها ، { وجعل لكم } ، أي : مع غناه المطلق ، { من الجبال أكناناً } ، جمع كن ، وهو : ما يستكن به - أي : يستتر - من الكهوف ونحوها ، ولو كان الخالق غير مختار لكانت على سنن واحد لا ظلال ولا أكنان ؛ ثم أتبع ذلك ما هداهم إليه عوضاً مما جعله لسائر الحيوان فقال : { وجعل لكم } ، أي : مَنّاً منه عليكم ، { سرابيل } ، أي : ثياباً ، { تقيكم الحر } ، وهي : كل ما لبس من قميص وغيره - كما قال الزجاج .
ولما كانت السرابيل نوعاً واحداً ، لم يكرر " جعل " ، فقال تعالى : { وسرابيل } ، أي : دروعاً ومغافر وغيرها ، { تقيكم بأسكم } ، أضافه إليهم إفهاماً لأنه الحرب ، وذلك كما جعل لبقية الحيوان - من الأصواف ونحوها والأنياب والأظفار ونحوها - ما هو نحو ذلك يمنع من الحر والبرد ، ومن سلاح العدو ، ولم يذكر سبحانه هنا وقاية البرد لتقدمها في قوله تعالى :{ لكم فيها دفء }[ النحل :5 ] . ولما تم ذلك كان كأنه قيل : نبهنا سبحانه بهذا الكلام على تمام نعمة الإيجاد ، فهل بعدها من نعمة ؟ فقال : نعم ! { كذلك } ، أي : كما أتم نعمة الإيجاد عليكم هذا الإتمام العظيم بهذه الأمور ونبهكم عليها ، { يتم نعمته عليكم } في الدنيا والدين بالهداية والبيان لطريق النجاة والمنافع ، والتنبيه على دقائق ذلك بعد جلائله ، { لعلكم تسلمون * } ، أي : ليكون حالكم - بما ترون من كثرة إحسانه بما لا يقدر عليه غيره مع وضوح الأمر ، - حال من يرجى منه إسلام انقياده لربه ، فلا يسكن ولا يتحرك إلا في طاعته .
قوله : ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) ، الظلال ، جمع ظل : وهو كل ما يستظل به من شجرة ونحوها . وقد يستظل كذلك بالغمام أو السحاب{[2581]} .
والظل الرخي الرطيب بفيئة الوارف المرغوب يحتاجه المسافرون والراحلون من مكان إلى آخر في ساعات الهجير حيث استعار الشمس والحرور ، فيدركون عندئذ أن الظل نعمة أيما نعمة . على أن خلْق الظل في ذاته لا جرم دليل على قدرة الصانع ، الذي أوجد في مركبات الطبيعة خواصها ، فجعل فيها الحرارة والبرودة والظل الظليل .
قوله : ( وجعل لكم من الجبال أكنانا ) ، الأكنان ، والأكنة ، جمع ومفرده كنان بالكسر . وهو وقاء كل شيء وستره . واستكن ، استتر . كن الشيء ، أي : ستره وصانه من الشمس . وأكنه في نفسه ؛ أي : أسرّه . والكن بالضم ، بمعنى : الستر . والأكنة : الأغطية{[2582]} . والله يمن على عباده أن جعل لهم من الجبال أماكن يسكنون بها ويستترون ، وذلك كالغيران والكهوف والبيوت المنحوثة . جعلها الله عدة للناس عند الحاجة ، فيأوون إليها ويتحصنون بها من الرياح والمطر والحر ، ويعتزلون بداخلها عن الناس . وها هو رسول رب العالمين ، سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قد أوى إلى كهف في حراء للتحنث{[2583]} ، ثم من بعده في ثور في طريقه مهاجرا إلى مكة .
قوله : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) ، السرابيل ، جمع ومفرده السربال ، وهو القميص المتخذ من القطن أو الكتان أو الصوف . وقد اكتفى بذكر الحر في الآية ؛ لأن العلم بأحد الضدين وهو الحر ، يستلزم العلم بالضد الآخر وهو البرد .
قوله : ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) ، البأس معناه الشدة . والمراد بها ههنا : شدة الطعن والضرب والرمي . والسرابيل التي تدرأ أذى المعتدين عمن يلبسها ، يراد بها : الدروع من الحديد . وهذا يدل على اتخاذ العدة للجهاد للاستعانة بها على قتال الأعداء . ولا مساغ للمسلم أن يستسلم للهوان والطعن والضرب من غير أن يحتاط لنفسه تمام الحيطة ، وأن يتخذ لذلك عدته من لبس لأمة{[2584]} الحرب .
قوله : ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) ، الكاف في اسم الإشارة ، صفة لمصدر محذوف ؛ أي مثل ذلك الإتمام يتم الله نعمته عليكم . فمثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم ؛ فإنه يتم عليكم نعمة الدنيا والدين ، ( لعلكم تسلمون ) بضم التاء ، وهو قول أكثر المفسرين ؛ أي : تخلصون لله الربوبية ، وتستسلمون لأمره ، وتبادرون لطاعته شكرا لنعمه عليكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.