{ واضرب لهم } لقومك { مثل الحياة الدنيا كماء } أي هو كماء { أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض } أي شرب منه فبدا فيه الري { فأصبح } أي النبات { هشيما } كسيرا متفتتا { تذروه الرياح } تحمله وتفرقه وهذه الآية مختصرة من قوله تعالى { إنما مثل الحياة الدنيا } الآية { وكان الله على كل شيء } من الإنشاء والإفناء { مقتدرا } قادرا أنشأ النبات ولم يكن ثم أفناه
ولما أتم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي{[46392]} أبطرتهم ، فكانت سبب إشقائهم وهم يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في{[46393]} قلة بقائها وسرعة فنائها ، وأن من تكبر بها{[46394]} كان أخس منها فقال تعالى : { واضرب لهم } {[46395]}أي لهؤلاء الكفار المغترين بالعرض الفاني ، المفتخرين بكثرة الأموال والأولاد وعزة النفر{[46396]} { مثل الحياة الدنيا } {[46397]}أي التي صفتها - التي هم بها ناطقون - تدل على {[46398]}أن ضدها{[46399]} الأخرى ، في ينوعها{[46400]} ونضرتها ، واختلابها{[46401]} للنفوس ببهجتها{[46402]} ، واستيلائها على الأهواء بزهرتها ، واختداعها لذوي الشهوات بزينتها ، ثم اضمحلالها وسرعة زوالها ، أفرح ما كانوا بها ، وأرغب ما كانوا فيها{[46403]} مرة بعد أخرى ، على مر الأيام وكر{[46404]} الشهور ، وتوالي الأعوام وتعاقب الدهور ، بحيث نادت على نفسها بالتحذير منها والتنفير عنها للعاقل اللقن ، {[46405]}والكيس الفطن ، رغبة إلى الباقي الذي يدوم سروره ، ويبقى نعيمه وحبوره ، وذلك المثل { كماء أنزلناه } بعظمتنا واقتدارنا{[46406]} بعد يبس الأرض وجفاف ما فيها وزواله ، وبقلعه{[46407]} كما تشاهدونه واستئصاله ، وقال : { من السماء } تنبيهاً على بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة على الوجه النافع { فاختلط } أي فتعقب وتسبب عن {[46408]}إنزاله أنه اختلط { به نبات الأرض } {[46409]}أي التراب الذي كان نباتاً ارفت بطول العهد{[46410]} في بطنها ، {[46411]}فاجتمع بالماء والتفّ{[46412]} وتكاثف ، فهيأناه بالتخمير والصنع الذي لا يقدر عليه سوانا حتى أخرجناه من الأرض أخضر يهتز على ألوان مختلفة ومقادير متفاوتة ثم أيبسناه { فأصبح هشيماً } {[46413]}أي يابساً{[46414]} مكسراً مفتتاً{[46415]} { تذروه } أي {[46416]}تثيره و{[46417]}تفرقه {[46418]}وتذهب به{[46419]} { الرياح } حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن { وكان الله } {[46420]}أي المختص بصفات الكمال{[46421]} { على كل شيء } من ذلك وغيره إنشاء وإفناء وإعادة { مقتدراً * } أزلاً وأبداً ، فلا تظنوا أن ما تشاهدونه من قدرته حادث .
قوله تعالى : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ( 45 ) المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ( 46 ) } .
هذا مثل كاشف يضربه الله للناس فيصف فيه حقيقة الدنيا في سرعة زوالها وانقضائها وأنها حطام دائر ما يلبث أن يفنى ويتبدد ليكون بعد ذلك أثرا بعد عين .
مثل يضربه الله للناس وفيهم المغرورون والغافلون والتائهون السادرون في الضلال والتفريط والغفلة ، الغائرون في الشهوات والملذات بكل صورها وضروبها .
والحياة برمتها- في الحقيقة- أشبه بماء المطر النازل من السماء إلى الأرض ليختلط به نباتها المختلف . فينمو ويزهو ويستوي على سوقه ويكون في غاية النضارة والحسْن ، ثم يأخذ بعد ذلك في الذبول والانحناء والتكسر ويأتي عليه الجفاف واليُبس ليصبح بعد ذلك ( هشيما تذروه الرياح ) من الهشم وهو كسر الشيء اليابس . والهشيم معناه النبات اليابس المتكسر ، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء{[2825]} .
قوله : ( تذروه الرياح ) أي تسفّه وتفرقه ليتطاير في الفضاء وفي أجواء السماء ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) الله قادر على كل شيء . سواء في ذلك إنشاء الخلق أو إفناؤه أو أحياؤه من جديد .
هذه هي الدنيا حقيقتها ؛ فإنما هي مركبات من الأموال والأهواء والملذات والزخرف . أو هي أصناف مختلفة من الزينة والشهوات والتفاخر بالوجاهات والأموال وغير ذلك من المستلذات مما تشتهيه نفوس البشر . ثم قال ذلك كله إلى الفناء والزوال . وهكذا الإنسان يكون لا هيا سادرا في الشهوات والمستلذات وهو يمتد به العمر ليدنو به رويدا رويدا من الهرم وخرف الكبر . فما يلبث بعد ذلك أن يصير إلى الموت المحتوم . وحينئذ تفنى الأهواء والشهوات وتنقضي الحياة برمتها ، ليحين بعد ذلك وقت الحساب والمساءلات بدءا بالقبر حيث الظلمة وهول العذاب فيه ، ومرورا بالحشر وما فيه من فظائع الزحام والعطاش والذعر والكرب الشديد ، وانتهاء بالحساب الفاصل ، فإما إلى النجاة والجنة ، وإما إلى الهوان والنار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.