{ يا أهل الكتاب } يريد النصارى { لا تغلوا } لا تتجاوزوا الحد ولا تتشددوا { في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } فليس له ولد ولا زوجة ولا شريك وقوله { وكلمته ألقاها } يعني أنه قال له كن فيكون { وروح منه } أي روح
172 176 مخلوق من عنده { ولا تقولوا ثلاثة } أي لا تقولوا آلهتنا ثلاثة يعني قولهم اللة وصاحبته وابنه تعالى اللة عن ذلك { انتهوا خيرا لكم } أي ائتوا بالانتهاء عن هذا خيرا لكم مما أنتم عليه
ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم ، وكان{[23934]} ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك ، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره ، وغلا في شأنه اليهود بخفضه ، والنصارى برفعه ؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه{[23935]} فقال : { يا أهل الكتاب } أي{[23936]} عامة { لا تغلوا في دينكم } أي لا تفرطوا في أمره ، فتجاوزوا بسببه حدود{[23937]} الشرع وقوانين العقل { ولا تقولوا على الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئاً من القول { إلا الحق } أي الذي يطابقه الواقع ، فمن قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة ، فقد أغرق في الباطل ، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات ، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات ، ولا تكلم هو في المهد ، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة ، ولا قدر على إحياء الموتى ، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر{[23938]} المعجزات على يد من لا يحبه ، وذلك منافٍ للحكمة ، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه ، ومن قال : إن الله أو ابن الله ، فهو أبطل وأبطل ، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثاً ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما ، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله ، فلم يصلح للإلهية ، وذلك أبطل الباطل .
ولما ادعى اليهود أنه غير رسول ، والنصارى أنه إله ، حسن تعقيبه بقوله : { إنما المسيح } أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه{[23939]} الإمام بدهن القدس ، لما فيه من صلاحية الإمامة ، وهو أهل أيضاً{[23940]} لأن يمسح الناس ويطهرهم . لما له من الكرامة ، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر ، وكان قد{[23941]} يوصف به غيره بيّنه بقوله : { عيسى } ثم أخبر عنه بقوله : { ابن مريم } أتصل بها اتصال{[23942]} الأولاد بأمهاتهم ، لا يصح نسبته للبنوة{[23943]} إلى غيرها ، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى { رسول الله } لا أنه لغير رشدة - كما كذب{[23944]} اليهود .
ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر ، جعل نفس{[23945]} الكلمة فقال : { وكلمته } لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل ، كوناً خارقاً للعوائد { ألقاها } أي أوصلها على [ علو {[23946]} ] أمره وعظيم قدرته إيصالا سريعا { إلى مريم } وحصلها{[23947]} فيها وزاده {[23948]} تشريفاً بقوله : { وروح } أي عظيمة نفخها فيما تكّون{[23949]} في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة ، لا بمادة من ذكر ، والروح هو{[23950]} النفخ في لسان العرب ، وهو كالريح{[23951]} إلا أنه أقوى ، بما له من الواو والحركة المجانسة لها ، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد ، وأكمل شرفه بقوله : { منه } أي{[23952]} وإن كان جبرئيل هو النافخ ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل{[23953]} : روح ، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن .
ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله : { فآمنوا بالله } أي الذي لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء { ورسله } أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة ، من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض ، فإن ذلك حقاً هو الكفر الكامل - كما مر .
ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم{[23954]} عن التلبس بالباطل فقال : { ولا تقولوا } أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { ثلاثة } أي استمروا أيها{[23955]} اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى ، ولا تقولوا{[23956]} : إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث ، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم{[23957]} إليه أنه إله واحد ، لأن ذلك بديهي البطلان ، فالحاصل أنه نهى كلاً عن التثليث وإن كان المرادان به مختلِفَين ، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم ، فهما اثنان لا غير ، وهو عبدالله ورسوله وكلمته وروح منه .
ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغباً مرهباً{[23958]} في صيغة الأمر بقوله : { انتهوا } أي عن التثليث الذي نسبتموه{[23959]} إلى الله بسببه ، وعن كل كفر ، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير : إن تنتهوا يكن الانتهاء { خيراً{[23960]} لكم } .
ولما نفى أن يكون هو الله{[23961]} ، كما تضمن قولهم ، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك ، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال : { إنما الله } أي الذي له الكمال كله ؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية ، لا من حيث الذات قال : { إله واحد } أي لا تعدد فيه بوجه .
ولما كان المقام عظيماً زاد في تقديره ، فنزهه{[23962]} عما قالوه فقال : { سبحانه } أي تنزه {[23963]}وبعد بعداً{[23964]} عظيماً وعلا علواً كبيراً{[23965]} { أن } أي عن أن { يكون{[23966]} له ولد } أي كما قلتم أيها النصارى ! فإن ذلك يقتضي{[23967]} الحاجة ، ويقتضي التركيب والمجانسة ، فلا يكون واحداً ؛ ثم علل ذلك بقوله : { له } أي لأنه إله واحد لا شريك له له{[23968]} { ما في السماوات } وأكد لأن المقام له فقال : { وما في الأرض } أي خلقاً ومِلكاَ ومُلكاً{[23969]} ، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما{[23970]} ولا إلى شيء متحيّز فيهما ، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءاً منه وولداً له ، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك ، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود .
ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما{[23971]} وما فيهما ، لأن الأرض في السماء ، وكل سماء في التي فوقها ، والسابعة في الكرسي ، والكرسي في العرش ، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك ، وذلك هو وظيفة الوكيل {[23972]}بالحقيقة ليكفي{[23973]} من وكله كل{[23974]} ما يهمه ؛ كان{[23975]} كأنه قيل : وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في{[23976]} تدبير مصالحكم ، فبنى عليه قوله : { وكفى بالله } أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة { وكيلاً * } أي يحتاج إليه كل شيء ، ولا يحتاج هو{[23977]} إلى شيء ، وإلا لما كان كافياً .
قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) يخاطب الله في هذه الآية النصارى ناهيا إياهم عن الغلو وهو الإفراط والمغالاة أو مجاوزة الحد . وبالفعل فقد غالى النصارى مغالاة تتجاوز الحد . لقد غالوا مغالاة ظالمة ممجوجة لا يتصورها العقل السليم وتربأ عنها رسالات السماء التي لم يخالطها زيف أو تحريف ، لقد غالى هؤلاء في إفراط بغيض إذ رفعوا عيسى المسيح حتى جاوزوا به وبقدره نطاق البشرية والناسوتية إلى نطاق الإلهية والربوبية . وذلك ضرب من التجني الخطير يهذي به هؤلاء في غير هدى ولا بصيرة إلا الشطط والهذيان والضلال ؛ إن ذلك تصور فاسد يراود الأذهان الواهمة وهي تتخيل هذه القضية المظنونة لتحسبها حقيقة وما هي بحقيقة . وإنما هي الوهم المخادع المريض الذي يسوّل للمضللين الجهلة وجه الباطل والتحريف .
وقوله : ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) يوجب الله على هؤلاء في تحذير وترشيد ألا يفتروا على الله افتراء مشينا مختلفا ، وألا يتجرأوا عليه بالتقول الظالم المكذوب ، وأن يتورعوا عن إطراء المسيح بما ليس له مما هو إشراك بالله كبير . ثم قال سبحانه : ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) المسيح مرفوع على الابتداء ، وعيسى بدل منه وكذلك ابن بدل ، ورسول خبر المبتدأ . وفي هذه الآية حصر قاطع لحقيقة المسيح في النبوة الكاملة المتولدة عن أمه مريم عليها السلام بعد أن حملت به حملا حقيقيا بإذن الله ، ثم أجاءها المخاض إلى جذع النخلة حتى وضعته وليدا رضيعا ينطق كأنما هو كبير مكتهل . وتؤكد الآية بعد أداة الحصر ( إنما ) على أن المسيح عيسى لهو ابن مريم ، وأنه ليس له أب ، وأنه من عباد الله المرسلين كغيره من إخوانه النبيين الذين يشاركونه جميعا في حقائق كبرى ثلاث وهي : العبودية لله والنبوة والرسالة . وأي تجاوز لهذا المفهوم يشكل انزلاقة خطيرة تلج بالمنزلقين في وهدة الضلالة والإشراك بالله ، وتجعلهم يجاهرون في اجترار أحمق بنسبة الولد إلى الله أو حاجته سبحانه لصاحبة وقد تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
وقوله : ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) المقصود بالكلمة هنا قوله : ( كن ) فإنه بعد أن قالها تحقق الحمل والولادة بغير أبوة أو نكاح . وقيل يقصد بها الآية . فإن المسيح عليه السلام من حيث ولادته بغير أب ولا نكاح كان آية دالة على عظمة الله سبحانه وعلى قدرته في الخلق بغير قيود وقيل غير ذلك .
وقوله : ( وروح منه ) معطوف على كلمته مرفوع . وقد ورد في المراد بالروح هنا أقوال كثيرة نقتصر منها على قولين أحسبهما الراجحين والله تعالى أعلم . فقد قيل : إن سبب تسميته بالروح أن نفخة من روح الله عن طريق جبريل عليه السلام . والقول الثاني أن كلمة روح في الآية تعني رحمة . فالمسيح قد كان رحمة من الله للناس أي أن الله قد امتن على عباده فبعث إليهم رحمة منه تجسدت في هذا النبي الكريم عيسى عليه السلام .
قوله : ( فآمنوا بالله ورسله ) يدعو الله للإيمان به وحده لا شريك له فهو خالق الكون والحياة وخالق الناس والنبيين جميعا وخالق المسيح بن مريم نفسه .
وقوله : ( ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ) ثلاثة خبر لمبتدأ محذوف تقديره آلهتنا{[860]} . ذلك نهي شديد عن مقارفة خطيرة تشبث بها النصارى منذ أن كانوا ولا يزالون فقد أشركوا بالله أشد إشراك ، وزعموا أنه اتخذ ولدا . ولهم في ذلك حذلقات عقيمة تقوم على التكلف واصطناع العبارات الباهتة الغامضة . العبارات المسوقة في خلط وإبهام والتي غالبا ما تثير في الأذهان الحيرة والتساؤل أو تبعث في النفس الشك والارتياب والتردد . عبارات مضطربة غوامض ليس لها في ميزان الواقعية والمنطق أيما حساب .
ومن الحذلقات قولهم بالأقانيم الثلاثة . ومفردها أقنوم وهو يعبر عن إله والأقانيم الثلاثة ترمز إلى الأب والابن وروح القدس ، وكل شطر من هذه الشطور إنما- يعني- في تصور النصارى- إلها ينبثق عن جوهر الإله الأكبر . وقد تفرقوا في تفسير هذه الاصطلاحات فرقا شتى وافترقوا كذلك في التفصيلات افتراقا يدل على تبلد في التفكير بما ينتفي معه الإخلاص للحقيقة الإلهية من أول لحظة .
ومن جملة ما قالوه في الثلاثة : الآلهة ثلاثة . الله سبحانه ، والمسيح ، ومريم وقالوا : إن الله تعالى جوهر ، وأحد ثلاثة أقانيم : أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس . وهم يريدون بالأول الذات أو الوجود ، وبالثاني العلم أي الكلمة . وبالثالث الحياة . وقالوا : إن الله واحد بالجوهرية ، وثلاثة بالأقنومية . والأقانيم صفات للجوهر القديم وهي الوجود والعلم والحياة . وعبروا عن الوجود بالأب ، والحياة بروح القدس ، والعلم بالكلمة . ثم اختلفوا أكثر من ذلك فذهبت الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم ، وأن كل واحد منها إله ، وصرحوا بإثبات التثليث . وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة وسبحانه وتعالى عما يشركون . وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر ، وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي ، وهو قديم أزلي ، وأن مريم ولدت إلها أزليا . واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم ، وأن القتل الصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا ، وأطلقوا لفظ الأب على الله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وأطلقوا كذلك لفظ الابن على عيسى عليه السلام .
وذهب نسطور الحكيم إلى أن الله تعالى واحد والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته ، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج ، بل بمعنى الإشراق . أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور .
ومن النسطورية من قال : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود . وصرحوا بالتثليث كالملكانية . ومنهم من منع ذلك . ومنهم من زعم أن الابن لم يزل متولدا من الأب ، وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد . والحدوث راجع إلى الناسوت . فالمسيح إله تام وإنسان تام وهما قديم وحادث . وقالوا إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوات . وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو المسيح ، إلى غير ذلك من الأقوال الغامضة المتناقضة . الأقوال التي يضرب بعضها بعضا ويكذب بعضها الآخر تكذيبا . أقوال في غاية الضعف والتهافت والركاكة فلا تثير غير مزيد من الحيرة والشك والإبهام{[861]} .
أقوال لا تستند إلى أدنى نصيب من البرهان ولا يسعفها شيء من المنطق والتفكير السليم ، وما هي إلا ترهات تقال في تخريص متخبط ، وفي هوى جامح مجانب للصواب .
وما أروع العقيدة الإسلامية في هذا الصدد ، فإنها تقوم على السهولة والبساطة واليسر وتنبذ التعقيد والتكلف ؛ لأنها عقيدة الحق والفطرة وعقيدة الإنسان المتكامل السوي الذي يمشي على صراط واضح ومستقيم لا عوج فيه . وهذه حقيقة ناصعة مكشوفة نعيها تماما ونحن نقرأ قوله سبحانه في سورة قصيرة من أعظم سور القرآن ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) وهذه عبارات قاطعة حاسمة لا تحتمل شيئا من التكلف المضطرب أو الإغراق في متاهات التصور الشاطح والمغالاة في هذيان مريض .
فالله جل وعلا أحد لا شريك له ، فليس له ولد ، ولم يتخذ صاحبة وليس له نديد مكافئ في خلقه . هذا هو جوهر العقيدة في الإسلام . فهو واضح كل الوضوح وميسور كل التيسير ، بحيث يلائم الفطرة البشرية تماما ولا يستعصي إدراكه على العقل ، ويجتمع على وعيه واستيعابه الناس جميعا . وليس غير ذلك إلا البعد عن الحقيقة والصواب أو السقوط في الكفر وهو طريق إلى النار ؛ يتقاحم فيها المشركون الذين غلوا في إطراء المسيح والثناء عليه حتى جعلوه إلها أو ثالث ثلاثة . وفي ذلك يقول سبحانه : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) وقال عز من قائل في آية أخرى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) فلم يبق بعد هذا البيان القرآني الحاسم أي مجال لانتزاع الحجج الدالة على عدم كفران أهل الكتاب من يهود أو نصارى . إنه لا مجال للتقوّل بأنهم ليسوا كافرين ؛ بل إنهم كافرون لما بينّاه من أدلة في القرآن .
وقوله : ( انتهوا خيرا لكم ) خيرا منصوب على الخبرية لكان المحذوفة ، وتقدير العبارة : انتهوا يكن خيرا لكم . وهو نص ينهى عن الإشراك بالله ويحذر من مغبة الوقوع في هذا الظلم العظيم فإن عاقبته وخيمة . وإذا انتهى المحذرون وأقلعوا عن شركهم بالله فإنهم سيمضون إلى خير وأن عاقبتهم ستكون حسنة مرضية .
ثم يعقب ذلك تأكيد قاطع بأن الله جلت قدرته واحد معبود وليس دونه من إله . فإنه سبحانه متفرد بالألوهية ولا يشاركه في هذه الخصيصة الكبرى أحد . وهو كذلك لا حاجة له في نسل أو ذرية ، وما ذلك إلا شأن الضعفاء الذين يجدون أنفسهم محتاجين إلى الأعوان والأنصار كالأولاد والأحفاد والزوجات . لكنه سبحانه غني عن ذلك كله فهو مالك كل شيء بما في ذلك عيسى ومريم والناس والخلائق جميعا وكذلك السماوات والأرض ومن فيهن وما بينهن . وهو يقول في ذلك : ( إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) أي الله وكيل على كل شيء ، ويتصرف في خلقه وملكوته بمثل ما يشاء . وكيلا منصوب على التمييز . والوكيل بمعنى الحافظ .