{ إن الذين كذبوا بآياتنا } بحججنا التي تدل على توحيد الله ونبوة الأنبياء { واستكبروا عنها } ترفعوا عن الإيمان بها والانقياد لأحكامها { لا تفتح لهم أبواب السماء } لا تصعد أرواحهم ولا أعمالهم ولا شيء مما يريدون الله به إلى السماء { ولا يدخلون الجنة حتى يلج } يدخل { الجمل في سم الخياط } ثقب ا لإبرة يعني أبدا { وكذلك } وكما وصفنا { نجزي المجرمين } أي المكذبين بآيات الله
ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص{[32233]} ، أخبر أن هؤلاء ليسوا كذلك ، لأنهم أنجاس فليسوا أهلاً لمواطن الأقداس ، فقال مستأنفاً لجواب من كأنه قال : أما لهؤلاء خلاص ؟ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف : { إن الذين كذبوا بآياتنا } أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة إلينا { واستكبروا عنها } أي وأوجدوا الكبر{[32234]} متجاوزين عن اتباعها { لا تفتح لهم } أي لصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا أرواحهم ولا لنزول البركات عليهم { أبواب السماء } لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت{[32235]} أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك إلى سجين { ولا يدخلون الجنة } أي التي هي أطهر المنازل وأشرفها { حتى } يكون ما لا يكون بأن { يلج } أي يدخل ويجوز{[32236]} { الجمل } على كبره { في سم } أي في خرق { الخياط } أي الإبرة{[32237]} اي حتى يكون ما لا يكون ، إذاً{[32238]} فهو تعليق على محال{[32239]} ، فإن الجمل مثل في عظم الجرم عند العرب ، وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك ، يقال : أضيق من خرق الإبرة ، ومنه الماهر الخريت للدليل الذي يهتدي في المضايق المشبهة بأخراق الإبر ؛ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الجمل فقال : زوج الناقة - استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن{[32240]} طلب معنى آخر غير هذا الظاهر تكلف .
ولما كان هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين أيضاً فقال : { وكذلك } أي و{[32241]}مثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة{[32242]} { نجزي المجرمين* } أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل وإن كانوا أذناباً مقلدين للمستكبرين المكذبين{[32243]} ؛
قوله تعالى : { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين 40 لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين } هذا نذير غليظ شديد من الله للكافرين الذين كذبوا بآيات الله ، وهي ما أنزل من الأدلة والحجج والعلامات الدالة على وجوده وقدرته وعظيم سلطانه وعلى صدق كتابه الحكيم ورسوله النبي الكريم ، فكذبوا بذلك كله وجحدوه وأعرضوا عنه مستكبرين مدبرين ، هذا نذير من الله مخوف لهؤلاء الضالين بأنهم سيبوءون بالخسران والحرمان فلا يجدون من نسائهم رحمة الله ما يجيرهم أو ينجيهم بل إنهم ملاقوا مصيرهم الرعيب من الإبعاد والتنكيل والإهانة . هؤلاء قد قال الله فيهم : { لا تفتح لهم أبواب السماء } أي لا تنفتح لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبواب السماء ولا يصعد لهم في حياتهم الدنيا إلى الله قول أو عمل ؛ لأن ما يصدر عنهم من شيء فهو مردود عليهم بسبب كفرهم ؛ إذ لا يقبل الله من الكافرين أعمالهم . وقيل : لا يرتفع لهم عمل و لادعاء . والصواب ، عموم ذلك كله ؛ إذ لا يتقبل الله من الكافرين الجاحدين عملهم ولا دعائهم ، والسماء موصدة في وجوههم فلا تلجها أرواحهم بل تصد دونها صدودا إلى أسفل سافلين .
قوله : { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } الجمل هو البعير ، أي ذكر الناقة . وسم الخياط معناه ثقب المخيط أو الإبرة{[1398]} ذلك تيئيس من الله للكافرين المضلين الذين شاقوا الله ورسوله ، والذين استكبروا عن دينه وشرعه وأبوا إلا الجحد والصد عن سبيل الله بكل الوسائل والحيل ؛ فقد أخبر الله في هذه الآية كغيرها من آيات أخريات ان هؤلاء المضلين المفسدين المعاندين لن يدخلوا الجنة البتة ولا رجاء لهم في دخلوها أبدا كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة أبدا . ذلك تصوير بالغ ومؤثر يرتسم للخيال والذهن في مثل هذه العبارة البليغة القصيرة ليتبدد كل احتمال أو ظن في دخول الكافرين الجنة . لا جرم أن دخلوهم الجنة كحال قطعا . وهذه حقيقة لا تقبل الخلاف أو الجدل استنادا إلى العبارة الربانية القطعية في معناه ومدلولها .
قوله : { وكذلك نجزي المجرمين } أي مثل ذلك الجزاء الغليظ والعقاب الأليم نجزي المجرمين . وهم الكافرون الذين أجرموا وفرطوا في دين الله الحق . أولئك يتوعدهم الله بالعذاب الأليم يوم القيامة فضلا عن حرمانهم من دخول الجنة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.