{ ومنهم الذين يؤذون النبي } بنقل حديثه وعيبه { ويقولون هو أذن } أنهم قالوا فيما بينهم نقول ما شئنا ثم نأتيه فنخلف له فيصدقنا لأنه أذن والاذن الذي يسمع كل ما يقال له فقال الله تعالى { قل أذن خير لكم } أي مستمع خير وصلاح لا مستمع شر وفساد ثم أكد هذا وبينه فقال { يؤمن بالله } أي يسمع ما ينزله الله عليه فيصدق به { ويؤمن للمؤمنين } ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه لا الكافرين { ورحمة للذين آمنوا منكم } أي وهو رحمة لأنه كان سبب إيمانهم
ولما بين الصنفين السالفين ، وختم أمرهما بصفتي العلم والحكمة ، أتبعهما بصنف آخر يؤذي بما يجعله نقصاً في صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فليزم الطعن في علم مرسله وحكمته فقال : { ومنهم الذين يؤذون النبي } أي الذي أعلى الله مقداره ، فهو ينبئه بما يريد سبحانه من خفايا الأسرار ؛ ولما أخبر بمطلق الأذى الشامل للقول والفعل ، عطف عليه قوله : { ويقولون هو } أي من فرط سماعه لما يقال له { أذن } ومرادهم أنه يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد - كما سمي الجاسوس عيناً ؛ قال أبو حيان : كان خذام{[36603]} بن خالد وعبيد بن هلال والجلاس بن سويد في آخرين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا ، فقال الجلاس : بل نقول ما شئنا فإن محمداً أذن سامعة ، ثم نأتيه فيصدقنا ، فنزلت ، وقيل غير ذلك .
يقال : رجل أذن - إذا كان يسمع مقال كل أحد ، يستوي فيه الواحد والجمع{[36604]} - انتهى . ومرادهم أنه صلى الله عليه وسلم لا يعرف مكر{[36605]} من يمكر به وخداع من يخادعه وكذبوا ، هو أعرف الناس بذلك ، ولكنه يعرض عند المصالح ، لا يليق بمحاسن الدين غيرها ، بينها تعالى بقوله : { قل أذن خير } ثم بين أن{[36606]} نفع ذلك عائد إليهم بقوله : { لكم } ثم فسر ذلك بقوله : { يؤمن } أي يوقع الإيمان للملائكة الذين يأتونه عن الله من التكذيب بأن يصدقهم معترفاً { بالله } أي بسبب ما يخبرونه عنه به حق الإيمان لما له من كمال العلم بما له سبحانه من صفات الجلال والإكرام ؛ وحاصله أن فعل الإيمان ضمن فعل التصديق ثم حذف وانتزعت منه حال أقيمت مقامه ثم حذفت وأتى بصلة تدل عليها كما قالوا في قوله تعالى{ ولتكبروا الله على ما هداكم }{[36607]}[ البقرة : 185 ] أن التقدير : حامدين على ما هداكم ، فالتقدير هنا : يؤمن مصدقاً بالله ، فهذا حقيقته وهو يثمر محبة المؤمنين وولايتهم ، ولذا أتبعه قوله : { ويؤمن للمؤمنين } أي الراسخين ، يوقع الإيمان لهم من التكذيب بأن يصدقهم في كل ما يخبرونه به مما يحتمل التصديق ، وذلك لأجل مصالحهم والتأليف بينهم مع ما ثبت من صدقهم ، فإنه لو حملهم على عقله ومبلغ علمه يحبه الكاذب وعاقب الخائن بمجرد علمه وتفرسه ، لقصرت عن ذلك غالب الأفهام وتاهت بسببه أكثر الأوهام ، فنفرت القلوب ووقع من الأغلب الاتهام . ولما كان التصديق بوجود الإله على ما له من صفات الكمال المقتضي للأمر والنهي عدي بالباء ، وهنا كان التصديق إنما هو للإخبار بأيّ شيء كان عدي باللام وأشير - بقصر الفعل وهو متعد - إلى المبالغة في التصديق بحيث كأنه لا تصديق {[36608]}غيره .
ولما بين سبحانه أن تصديقه ظاهراً وباطناً إنما هو للراسخين في الإيمان ، بين أن تصديقه لغيرهم إنما هو الظاهر فقال : { ورحمة } أي وهو رحمة { للذين آمنوا } أي أظهروا الإيمان بألسنتهم { منكم } فهو - والله أعلم - إشارة إلى المنافقين ومن في حكمهم ممن جزم لسانه وقلبه مزلزل ، أي أن إظهار تصديقهم قبولاً لما ظهر منهم وستر قبائح أسرارهم سبب للكف عن دمائهم ، وإظهار المؤمنين لمقتهم ربما كان ذلك سبباً لصدق إيمانهم بما يرون من محاسن الإيمان بتمادي الزمان ، ولا يستبعد كون التعبير بالماضي إشارة إلى المنافقين لا سيما بعد التعبير باسم الفاعل ، فقد قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح ما نصه : الباب الرابع في رتب البيان عن تطور الإنسان بترقيه في درج الإيمان وترديه في درك الكفران : اعلم أن الله محيط بكل شيء خلقاً وأمراً أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً وهو حمده ، وله علو في ظهور أمره وكبير خلقه ، واحتجاب{[36609]} في مقابل ذلك من خلقه وأمره بما أبداه من حكمته وأسباب هداه وفتنته ، وذلك العلو هو إلهيته ، والاحتجاب هو ملكه ، وبينهما إقامة كل خلق لما خلق له وتأييد كل أمر من الأمرين لما أقيم له ، وذلك هو ربانيته{[36610]} ولكل فتق من خلفه وأمره رتق سابق .
ولكل تفاوت سواء ، وذلك هو{[36611]} رحمانيته ، ولكل أقرب في مدد الحجاب اختصاص وذلك هو رحيميته ، ولكل أبعد في مدد الحجاب بطش منه شديد في رده إلى القرب وتلك هي نقمته ، ولكل من تنزلاته العلية ظاهراً وباطناً أمر خاص ، ولكل أمر خلق ، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب كنه ذاته واختصاص رتبة قربه ومحل بعده ، وأن الله سبحانه جعل آدم وذراه خليفة له في جميع أمره وتفصيله ، وأنزل القرآن بناء على{[36612]} جملة ذلك ، فأردأ الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي سمي{[36613]} فيه بالإنسان ، وهو حيث أنس بنفسه وغيره ونسي عهد ربه ، فيرد لذلك بناؤه بالذم في القرآن{ قتل الإنسان ما أكفره }{[36614]}[ عبس : 17 ] { إن الإنسان لربه لكنود }{[36615]}[ العاديات : 6 ] ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه{[36616]} لسماع الزجر من ربه ، وهو له بمنزلة سن الميّز لابن سبع ، ولا يقع إلا عن اجتماع وتراء ، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس لنوسهم ، أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم وغلبة أهوائهم عليهم ، فيرد لذلك بناؤهم بذم أكثرهم في القرآن{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون }[ الأعراف : 187 ] - { ولا يشكرون } ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق ، لكنهم يتزلزلون{[36617]} عنه كثيراً عند كل عارضة نيل وخادعة رفعة ، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي قد ذاق طعم بدو النطفة من باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات ، وذلك هو السن الذي يسمون{[36618]} فيه { الذين آمنوا } وهو أول سن التلقي ، فلذلك جميع{[36619]} آداب القرآن وتعليمه إنما مورده أهل هذا السن ، كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول{[36620]} : إذا سمعت الله عز وجل يقول{[36621]} { يا أيها الذين آمنوا } فأعرها{[36622]} سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهي عنه ، وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لا يدخل فيه الصبي المميز ، وما يخص المميز لا يدخل فيه البالغ ، كذلك خطاب { الذين آمنوا } لم يصل إليه الناس بعد ، وخطاب الناس قد جاوزه { الذين آمنوا } لأنهم قد انزجروا بما قبلت قلوبهم عما ينزجر عنه الناس ، وقد ائتمروا بما يأتمر به الناس ؛ وهذه الأسنان الخالية عند أولي البصائر ، وخاص خطابها أشد ظهوراً من أسنان الأبدان عند أصحاب الأبصار ، وعدم التبصرة بهذه المراتب في الأحوال والبيان هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن ، وكذلك ما فوق سن " الذين آمنوا " من سن { الذين يؤمنون } وهم في أول حد القرب منزلة بلوغ الأشد ، وسن { الذين آمنوا } و { الناس } في مدد حد البعد ولذلك يخاطبون بحرف " يا " المرسلة إلى حد البعد : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله }{[36623]}[ الصف : 1011 ] وفوق ذلك سن المؤمنين وأدنى قرباً ، ولذلك لم يرد في القرآن{[36624]} في خطابهم { يا } البعد ، وهذا السن بمنزلة الاكتهال وسن الشيب ، وتمام سنهم { المؤمنون حقاً } وكذلك إلى سن { المحسنين } إلى غيب سن { الموقنين } إلى ما وراء ذلك ، فإن أسنان الجسم أرابيع ، وأسنان القلب أسابيع ، يعرفها من تطور فيها ، ويجهلها من نبت سن قلبه على الجهل وتطور سن جسمه إلى الهرم " يهرم ابن آدم ويشيب منه اثنتان : الحرص والأمل " فالحرص فقره ولو ملك الدنيا ، والأمل همه وتعبه ، فمن لم يتحقق أسنان القلب وتفاوت خطابها لم ينفتح له الباب إلى فهم القرآن ، ومن لم يتضح له تنزلات الخطاب لم يبن{[36625]} له خطاب الله من خطاب الرحمن من خطاب الملك الديان - انتهى .
ولما بين ما لمن صدقه باطناً أو ظاهراً من الرحمة ، بين ما على من كذبه فآذاه من النقمة فقال : { والذين يؤذون } أي هؤلاء ومن غيرهم { رسول الله } أي الذي أظهر - وهو الملك الأعلى - شرفه وعظمته بالجمع بين الوصفين وأعلاه بإضافته إليه ، وزاد في رفعته بالتعبير باسمه الأعظم الجامع ، وهو واسطة بين الحق والخلق في إصلاح أحوالهم فإنما يستحق منهم الشكر والإكرام لا الأذى والإيلام .
ولما كان أذاهم مؤلماً جعل جزاءهم من جنسه فقال : { لهم عذاب أليم * }
قوله تعالى : { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } نزلت هذه في رجل من المنافقين يقال له نيتل بن الحارث ، وكان رجلا أذلم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة ، وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : من أراد أن ينظر الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث . وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له : لا تفعل ، فقال : إنما محمد أذن ، من حديثه شيئا صدقه ، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية{[1832]} .
وهذا صنف آخر من المنافقين الذين كانوا يبسطون ألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوء والأذية والتشويه ؛ إذ يأفكون بالباطل والزور إفكا ظالما كاذبا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أذن } أي مستمع قابل ، أو يقبل كل ما قيل له ، أو هو أذن سامعه يسمع من كل أحد ما يقول فيقبله ويصدقه . لا جرم أن ما يفتريه المنافقون من إيذاء خبيث لهو الباطل . فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يوهمون ويخصون ، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مستمع في العالمين لخير الكلام وليس دونه من شر الكلام وسوءه . وهو قوله سبحانه { قل إذن خير لكم } { أذن خير } ، خبر لمبتدأ مقدر ، وتقديره : هو أذن خير ؛ أي هو مستمع شر وفساد{[1833]} ؛ أي هو أذن خير لا أذن شر ؛ إذ يسمع الخير ولا يسمع الشر ، ويعرف الصادق من الكاذب .
قوله : { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } أي يصدق بالله وحده لا شريك له ، إلها خالقا معبودا ، ويصدق المؤمنين لا الكافرين ولا المنافقين . وهذا رد لمقالة المنافقين والكافرين بأن محمدا صلى الله عليه وسلم مستمع خبر ، مصدق بالله وما أوحي إليه من عنده سبحانه ، ومصدق المؤمنين وليس المنافقين والكافرين .
قوله : { ورحمة للذين آمنوا منكم } أي جعل الله رسوله رحمة لمن اتبعه من الناس واهتدى بهديه ؛ بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة للعالمين كافة ، يهيديهم إلى سوء السبيل ويقودهم إلى النجاة والسلامة في الدارين ، دار الفناء ودار البقاء .
قوله : { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } هذا وعيد من الله للمنافقين الخبثاء الذين يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يصفونه بأنه { أذن } أن لهم جهنم حيث العذاب الأليم{[1834]} .