الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (25)

{ ومن لم يستطع منكم طولا } أي قدرة وغنى { أن ينكح المحصنات } الحرائر

26 27 { المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم } أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم يعني جارية غيره { من فتياتكم } أي مملوكاتكم { المؤمنات والله أعلم بإيمانكم } أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر والله يتولى السرائر { بعضكم من بعض } أي دينكم واحد فأنتم متساوون من هذه الجهة فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزوج الأمة { فانكحوهن بإذن أهلهن } أي اخطبوهن إلى ساداتهن { وآتوهن أجورهن } مهورهن { بالمعروف } من غير مطل وضرار { محصنات } عفائف { غير مسافحات } غير زوان علانية { ولا متخذات أخدان } زوان سرا { فإذا أحصن } تزوجن { فإن أتين بفاحشة } بزنا { فعليهن نصف ما على المحصنات } الأبكار الحرائر { من العذاب } أي الحد { ذلك } أي ذلك النكاح نكاح الأمة { لمن خشي العنت منكم } أي خاف أن تحمله شدة الغلمة على الزنا فيلقى العنت أي الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة أباح الله نكاح الأمة بشرطين أحدهما عدم الطول الثاني خوف العنت ثم قال { وإن تصبروا } أي عن نكاح الإماء { خير لكم } لئلا يصير الولد عبدا

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (25)

{ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } معناها إباحة تزويج الفتيات وهن الإماء للرجل إذا لم يجد طولا للمحصنات ، والطول هنا هو السعة في المال والمحصنات هنا يراد بهن الحرائر غير المملوكات ومذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحر نكاح أمة إلا بشرطين : أحدهما عدم الطول ؛ وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة ، والآخر خوف العنت وهو الزنا لقوله بعد هذا :{ ذلك لمن خشي العنت منكم } ، وأجاز ابن القاسم ، نكاحهن دون الشرطين على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر ، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة التي تتزوج لقوله تعالى :{ من فتياتكم المؤمنات } إلا أهل العراق فلم يشترطوه ، وإعراب طولا ، مفعولا بالاستطاعة وأن ينكح بدل منه وهو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح ؛ ويحتمل أن يكون طولا منصوبا على المصدر والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى يتقارب ، وأن ينكح على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر .

{ والله أعلم بإيمانكم } معناه أنه يعلم بواطن الأمور ولكم ظواهرها ، فإذا كانت الأمة ظاهرة الإيمان ، فنكاحها صحيح ، وعلم باطنها إلى الله .

{ بعضكم من بعض } أي : إماؤكم منكم ، وهذا تأنيس بنكاح الإماء ، لأن بعض العرب كان يأنف من ذلك .

{ فانكحوهن بإذن أهلهن } أي : بإذن ساداتهن المالكين لهن .

{ وآتوهن أجورهن } أي : صدقاتهن ، وهذا يقتضي أنهن أحق بصدقاتهن من ساداتهن ، وهو مذهب مالك .

{ بالمعروف } أي : بالشرع على ما تقتضيه السنة .

{ محصنات غير مسافحات } أي : عفيفات غير زانيات ، وهو منصوب على الحال والعامل فيه فانكحوهن .

{ ولا متخذات أخدان } جمع خدن وهو الخليل ، وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدنا تزنى معه خاصة ، ومنهن من كانت لا ترد يد لامس .

{ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } معنى ذلك أن الأمة إذا زنت بعد أن أحصنت فعليها نصف حد الحرة ، فإن الحرة تجلد في الزنا مائة جلدة ، والأمة تجلد خمسين ، فإذا أحصن يريد به هنا تزوجن ، والفاحشة هنا الزنا ، والمحصنات هنا الحرائر ، والعذاب هنا الحد فاقتضت الآية حد الأمة إذا زنت بعد أن تزوجت ويؤخذ حد غير المتزوجة من السنة وهو مثل حد المتزوجة وهذا على قراءة أحصن بضم الهمزة وكسر الصاد ، وقرئ بفتحهما ، ومعناه أسلمن ، وقيل : تزوجن .

{ ذلك لمن خشي العنت منكم } الإشارة إلى تزوج الأمة أي إنما يجوز لمن خشي على نفسه الزنا ، لا لمن يملك نفسه .

{ وأن تصبروا خير لكم } المراد الصبر عن نكاح الإماء ، وهذا يندب إلى تركه ، وعلته ما يؤدي إليه من استرقاق الولد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (25)

قوله تعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن آتينا بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ) . . من لا يملك الطول وهو المال والسعة وخشي العنت وهو الزنا فلا عليه أن يتزوج من أمة مؤمنة . والأصل الذي يدعو إليه الدين أن يكون الزواج من النساء الحرائر فذلك أفضل . وفي الآية ما يدل على جواز النكاح من الإماء بشرطين : أولهما عدم السعة والمال ، وثانيهما خشية الوقوع في الزنا . وانعدام أحد الشرطين هذين يمنع من جواز نكاح الإماء المؤمنات . وعلى أية حال فإن الأمة المؤمنة لهي خير من الحرة المشركة ولو كانت تعجب الناظر ؛ ولذلك قال : ( والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ) وإذا ما توفر الشرطان المذكوران من أجل نكاح الفتيات المؤمنات بقي أن يكون ذلك بإذن أهلهن ، وأن يؤتين مهورا بالمعروف أي بالشرع والسنة والأداء الحسن . وليس لأحد أن يواعد إحداهن سرا ، بل وجب أن يكون النكاح بإذن واضح مشهور من أهلهن ليكنّ بذلك محصنات أي عفائف لا مسافحات أي زانيات ولا مُتخذات أخدان . ومفردها : خدن . وهو الصاحب في السر أو الخليل . فهن إذا ارتكبن فاحشة الزنا وجب عليهن من العقاب نصف ما على المحصنات وهن الحرائر . وذلك مراعاة لحال الإماء من الابتذال وسهولة الطمع فيهن وهو ما درجن عليه عبر الأزمنة والعصور . فكان في ذلك مدعاة لسهولة التحرش بهن والنيل منهن مما اقتضى تسهيلا في العقاب عليهن بنصف ما على الحرة من عقاب كل حال فإن الصبر عن هذا . وعلى النكاح حتى يتيسر المال والسعة ليمكن الزواج من الحرة لهو أفضل . وقد بينا سابقا عند مناقشة مسألة الرقيق كيف أن هذا النظام كان متفشيا في سائر أنحاء الدنيا وفي كل مواقف الحياة ومجالات المجتمع حتى أن الرق والاسترقاق كان أمرا مألوفا وطبيعيا لا يلاقي أدنى غرابة أو عجب ، بل كان هذا النظام ساريا ومستطيرا . وقد أقرته عامة الشرائع والملل والفلسفات التي سبقت الإسلام سواء في ذلك اليهودية والمسيحية والقانون الروماني وفلسفة الإغريق وعلى رأسها أرسطو وأفلاطون . فما كان الرقيق إذ ذاك إلا شائعا مرغوبا لا يخالط أذهان الناس فيه أيما استقباح أو نفور . إلى أن جاء الإسلام فما كان ليستطيع هدم هذا النظام المستشري من خلال آية أو تعليم . وإنما ركّز الإسلام على استئصال هذا النظام من أساسه ولكن في هدوء وضمن مراحل وخطى ثابتة وئيدة . وقد بينا كذلك أن الإسلام قد سلك في ذلك مسلكين : احدهما إبادة أسباب الرق والقضاء على كل بواعثه ودواعيه من إجراءات مسلكية ظالمة . وثانيهما التحرير وهو عملية واسعة كبيرة شملت جوانب شتى من السلوك فيما يضطر معه المسلم من العتق ولو كلّفه ذلك بذل المال لشراء الرقيق من أجل إعتاقهم وتحريرهم .