{ والمحصنات } وذوات الأزواج { من النساء } وهن محرمات على كل أحد غير أزواجهن إلا ما ملكتموهن بالسبي من دار الحرب فإنها تحل لمالكها بعد الاستبراء بحيضة { كتاب الله عليكم } كتب تحريم ما ذكر من النساء عليكم { وأحل لكم ما وراء ذلكم } أي ما سوى ذلكم من النساء { أن تبتغوا } أي تطلبوا بأموالكم إما بنكاح وصداق أو بملك يمين { محصنين } ناكحين { غير مسافحين } زانين { فما استمتعتم } فما انتفعتم وتلذذتم { به منهن } أي من النساء بالنكاح الصحيح { فآتوهن أجورهن } أي مهورهن { فريضة } فإن استمتع بالدخول بها آتى المهر تاما وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } من حط المهر أو إبراء من بعض الصداق أو كله { إن الله كان عليما } بما يصلح أمر العباد { حكيما } فيما بين لهم من عقد النكاح
{ والمحصنات من النساء } المراد هنا : ذوات الأزواج وهو معطوف على المحرمات المذكورة قبله ، والمعنى : أنه لا يحل نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل .
{ إلا ما ملكت أيمانكم } يريد السبايا في أشهر الأقوال ، والاستثناء متصل ، والمعنى أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج ، ثم سبيت : جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها ، وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبايا من العدو لهن أزواج من المشركين فتأثم المسلمون من غشيانهن ، فنزلت الآية مبيحة لذلك ، ومذهب مالك أن السبي يهدم النكاح سواء سبي الزوجان الكافران معا أو سبي أحدهما قبل الآخر ، وقال ابن المواز : لا يهدم السبي النكاح .
{ كتاب الله عليكم } منصوب على المصدرية : أي كتب الله عليكم كتابا وهو تحريم ما حرم ؛ وهو عند الكوفيين منصوب على الإغراء { وأحل لكم ما وراء ذلكم } معناه أحل لكم تزويج من سوى ما حرم من النساء ، وعطف أحل على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله ، والفاعل هو الله أي كتب الله عليكم تحريم من ذكر ، وأحل لكم ما وراء ذلكم .
{ أن تبتغوا } مفعول من أجله ، أو بدل مما وراء ذلكم ، وحذف مفعوله وهو النساء .
{ محصنين } هنا العفة ، ونصبه على الحال من الفاعل في تبتغوا .
{ غير مسافحين }أي : غير زناة ، والسفاح هو الزنا .
{ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } قال ابن عباس وغيره ، معناها إذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء فقد وجب إعطاء الأجر وهو الصداق كاملا وقيل : إنها في نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل من غير ميراث ، وكان جائزا في أول الإسلام فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه ، ثم حرم عند جمهور العلماء ، فالآية على هذا منسوخة بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة ، وقيل : نسختها آية الفرائض لأن نكاح المتعة لا ميراث فيه ، وقيل : نسختها { والذين هم لفروجهم حافظون }[ المؤمنون :5 ] . وروي عن ابن عباس : " جواز نكاح المتعة " ، وروي : " أنه رجع عنه " .
{ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به } من قال إن الآية المتقدمة في مهور النساء فمعنى هذه جواز ما يتراضون به من حظ النساء من الصداق أو تأخيره بعد استقرار الفريضة ومن قال : إن الآية في نكاح المتعة . فمعنى هذا جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر .
ولما ذكر مضارة الجمع أتبعه مضارة الإغارة على الحق والأول جمع بين المنكوحين وهذا جمع بين{[20931]} الناكحين{[20932]} فقال - عاطفاً على النائب عن فاعل { حرمت } : { والمحصنات } أي الحرائر المزوجات لأنهن منعت فروجهن بالنكاح عن غير الأزواج { من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } أي من أزواج أهل الحرب ، فإن الملك بالأسر يقطع النكاح .
ولما أتم ذلك قال مؤكداً له ومبيناً عظمته : { كتاب الله } أي خذوا فرض الملك الأعظم الذي أوجبه عليكم إيجاب ما هو موصول في الشيء بقطعه منه ، والزموه غير ملتفتين إلى غيره ، وزاد في تأكيده{[20933]} بأداة الوجوب فقال : { عليكم } ولما أفهم ذلك حل ما سواه أفصح به احتياطاً للإيضاح{[20934]} وتعظيماً لحرمتها في قوله : { وأحل لكم } وبين عظمة هذا التحريم{[20935]} بأداة البعد فقال : { ما وراء ذلكم } أي الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة .
ولما كان الكلام في المنع لمن يصرح بالفاعل بل قال ؛ " حرمت " - ترفقاً{[20936]} في الخطاب حثاً على الآداب{[20937]} ، فلما وصل الأمر إلى الحل أظهره تطييباً للقلوب وتأنيساً{[20938]} للنفوس في قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر بفتح الهمزة والحاء{[20939]} ، وأبهمه في قراءة الباقين على نسق { حرمت } لأن فاعل الحل والحرمة عند أهل هذا{[20940]} الكتاب معروف أنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه أصلاً ، ثم أتبع التحليل{[20941]} علته فقال : { أن } أي إرادة أن { تبتغوا } أي تطلبوا متبعين{[20942]} من شئتم مما أحل لكم { بأموالكم } اللاتي تدفعونها{[20943]} مهوراً حال كونكم { محصنين } أي قاصدين بذلك العفة لأنفسكم ولهن { غير مسافحين } أي : قاصدين قضاء الشهوة وصب الماء الدافق لذلك فقط ، وهو على هذا الوجه لا يكون إلا زنًى سراً وجهراً ، فيكون فيه حينئذ إضاعة المال وإهلاك الدين ، ولا مفسدة أعظم مما يجمع هذين الخسرانين .
ولما تقدم أول السورة وأثناءهها الأمر بدفع الصداق والنهي عن أخذ شيء مما دفع إلى المرأة{[20944]} ، وكان ذلك أعم من أن يكون بعد الدخول أو قبله ، مسمى{[20945]} أو لا{[20946]} قال هنا مسبباً عن الابتغاء المذكور : { فما استمتعتم } أي أوجدتم المتاع وهو الانتفاع { به منهن } بالبناء بها ، متطلبين لذلك{[20947]} من وجوهه الصحيحة راغبين فيه { فآتوهن أجورهن } أي عليه{[20948]} كاملة ، وهي المهور { فريضة } أي حال كونها واجبة من الله ومسماة مقدرة قدرتموها على أنفسكم{[20949]} ، ويجوز كونه تأكيداً لآتوا بمصدر من معناه { ولا جناح } أي حرج وميل { عليكم فيما تراضيتم به{[20950]} } أي{[20951]} أنتم والأزواج { من بعد الفريضة } أي من طلاق أو فراق أو زيادة أو نقص إن كانت موجودة مقدرة ، أو من مهر المثل من بعد تقديره إن لم تكن مسماة فيمن عقد عليها من غير تسمية صداق .
ولما ذكر في هذه الآيات أنواعاً من التكاليف هي{[20952]} في غاية الحكمة ، والتعبير عنها في الذروة العليا من العظمة ، وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى ، وكان الرضى أمراً باطناً لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى ، حث على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن فقال مرغباً في امتثال أوامره ونواهيه : { إن الله } أي : الذي له الإحاطة التامة علماً وقدرة { كان عليماً } أي : بمن يقدم{[20953]} متحرياً لرضى صاحبه أو غير متحرٍّ لذلك { حكيماَ * } أي : يضع الأشياء في أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره .