مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا} (60)

قوله تعالى :{ وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا . فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا . فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا . قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا }

اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي أن موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه العلم ، وهذا وإن كان كلاما مستقلا في نفسه إلا أنه يعين على ما هو المقصود في القصتين السابقتين . أما نفع هذه القصة في الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار ، فهو أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له وذلك يدل على أن التواضع خير من التكبر ، وأما نفع هذه القصة في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا لكفار مكة : إن أخبركم محمد عن هذه القصة فهو نبي وإلا فلا ، وهذا ليس بشيء لأنه لا يلزم من كونه نبيا من عند الله تعالى أن يكون عالما بجميع القصص والوقائع ، كما أن كون موسى عليه السلام نبيا صادقا من عند الله لم يمنع من أمر الله إياه بأن يذهب إلى الخضر ليتعلم منه فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة قصة مستقلة بنفسها ، ومع ذلك فهي نافعة في تقرير المقصود في القصتين المتقدمتين .

المسألة الثانية : أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة . وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس : إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس صاحب موسى بن عمران ، وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب ، وقيل هو كان نبيا قبل موسى بن عمران فقال ابن عباس كذب عدو الله ، واعلم أنه كان ليوسف عليه السلام ولدان أفرائيم وميشا فولد افرائيم نون وولد نون يوشع ابن نون وهو صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته ، وأما ولد ميشا فقيل إنه جاءته النبوة قبل موسى بن عمران ، ويزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب هذا العلم ليتعلم والخضر هو الذي خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وأقام الجدار ، وموسى بن ميشا معه ، هذا هو قول جمهور اليهود ، واحتج القفال على صحة قولنا إن موسى هذا هو صاحب التوراة ، قال إن الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلا وأراد به صاحب التوراة فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه ، ولو كان المراد شخصا آخر مسمى بموسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة ، كما أنه لما كان المشهور في العرف من أبي حنيفة رحمه الله هو الرجل المعين فلو ذكرنا هذا الاسم وأردنا به رجلا سواء لقيدناه مثل أن نقول قال أبو حنيفة الدينوري ، وحجة الذين قالوا : موسى هذا غير صاحب التوراة أنه تعالى بعد أن أنزل التوراة عليه وكلمه بلا واسطة وحج خصمه بالمعجزات القاهرة العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك لتعلم الاستفادة ، وأجيب عنه بأنه لا يبعد أن العالم الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء فيحتاج في تعلمها إلى من دونه وهذا أمر متعارف معلوم .

المسألة الثالثة : اختلفوا في فتى موسى فالأكثرون على أنه يوشع بن نون ، وروى القفال عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي هريرة عن أبي ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فتاه يوشع بن نون . والقول الثاني : أن فتى موسى أخو يوشع وكان صاحبا لموسى عليه السلام في هذا السفر . والقول الثالث : روى عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله : { وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح } قال يعني عبده ، قال القفال واللغة تحتمل ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ، وليقل فتاي وفتاتي » وهذا يدل على أنهم كانوا يسمون العبد فتى والأمة فتاة .

المسألة الرابعة : قيل إن موسى عليه السلام لما أعطي الألواح وكلمه الله تعالى قال : من الذي أفضل مني وأعلم ؟ فقيل عبد لله يسكن جزائر البحر وهو الخضر ، وفي رواية أخرى أن موسى عليه السلام لما أوتي من العلم ما أوتي ظن أنه لا أحد مثله فأتاه جبريل عليه السلام وهو بساحل البحر قال : يا موسى انظر إلى هذا الطير الصغير يهوي إلى البحر يضرب بمنقاره فيه ثم يرتفع فأنت فيما أوتيت من العلم دون قدر ما يحمل هذا الطير بمنقاره من البحر ، قال الأصوليون : هذه الرواية ضعيفة لأن الأنبياء يجب أن يعلموا أن معلومات الله لا نهاية لها وأن يعلموا أن معلومات الخلق يجب كونها متناهية وكل قدر متناه فإن الزائد عليه ممكن فلا مرتبة من مراتب العلم إلا وفوقها مرتبة ولهذا قال تعالى : { وفوق كل ذي علم عليم } وإذا كانت هذه المقدمات معلومة فمن المستبعد جدا أن يقطع العاقل بأنه لا أحد أعلم مني لا سيما موسى عليه السلام مع علمه الوافر بحقائق الأشياء وشدة براءته عن الأخلاق الذميمة كالعجب والتيه والصلف . والرواية الثالثة : قيل إن موسى عليه السلام سأل ربه : أي عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني ، قال فأي عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى . قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردي ، فقال موسى عليه السلام : إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه ، فقال : اعلم منك الخضر ، قال فأين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة . قال يا رب : كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك . فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان ورقد موسى واضطرب الحوت وطفر إلى البحر فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فرجع من ذلك الموضع إلى الموضع الذي طفر الحوت فيه إلى البحر فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال : وأني بأرضك السلام ! فعرفه نفسه ، فقال : يا موسى أنا على علم علمني الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمك الله لا أعلمه أنا ، فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر : ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر أقول نسبة ذلك القدر القليل الذي أخذه ذلك العصفور من ذلك الماء إلى كلية ماء البحر نسبة متناه إلى متناه ونسبة معلومات جميع المخلوقات إلى معلومات الله تعالى نسبة متناه إلى غير متناه ، فأين إحدى النسبتين من الأخرى والله العالم بحقائق الأمور ، ونرجع إلى التفسير ، أما قوله تعالى : { لا أبرح } قال الزجاج قوله : { لا أبرح } ليس معناه لا أزول ، لأنه لو كان كذلك لم يقطع أرضا ، أقول يمكن أن يجاب عنه بأن الزوال عن الشيء عبارة عن تركه والإعراض عنه ، يقال : زال فلان عن طريقته في الجود أي تركها ، فقوله : لا أبرح بمعنى لا أزول عن السير والذهاب بمعنى لا أترك هذا العمل وهذا الفعل وأقول المشهور عند الجمهور أن قوله لا أبرح معناه لا أزول ، والعرب تقول : لا أبرح ولا أزال ولا أنفك ولا أفتأ بمعنى واحد . قال القفال : وقالوا أصل قولهم لا أبرح من البراح كما أن أصل لا أزال من الزوال . يقال : زال يزال ويزول كما يقال دام يدام ويدوم ومات يمات ويموت إلا أن المستعمل في هذه اللفظة يزال فقوله : لا أبرح أي أقيم لأن البراح هو العدم فقوله لا أبرح يكون عدما للعدم فيكون ثبوتا ، فقوله : لا أزال ولا أبرح يفيد الدوام والثبات على العمل فإن قيل : إذا كان قوله لا أبرح بمعنى لا أزال فلا بد من الخبر ، قلنا : حذف الخبر لأن الحال والكلام يدلان عليه ، أما الحال فلأنها كانت حال سفر ، وأما الكلام فلأن قوله : { حتى أبلغ مجمع البحرين } غاية مضروبة تستدعي شيئا هي غاية له فيكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين ويحتمل أن يكون المعنى لا أبرح مما أنا عليه يعني ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ كما تقول لا أبرح المكان . وأما مجمع البحرين فهو المكان الذي وعد فيه موسى بلقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وقيل غيره وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح بالخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه ، ومن الناس من قال : البحران موسى والخضر لأنهما كانا بحري العلم وقرئ مجمع بكسر الميم ثم قال أو أمضى حقبا أي أسير زمانا طويلا وقيل الحقب : ثمانون سنة وقد تكلمنا في هذا اللفظ في قوله تعالى :{ لابثين فيها أحقابا } وحاصل الكلام أن الله عز وجل كان أعلم موسى حال هذا العالم ، وما أعلمه موضعه بعينه ، فقال موسى عليه السلام : لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحرا واحدا أو أمضي دهرا طويلا حتى أجد هذا العالم ، وهذا إخبار من موسى بأنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر لأجل طلب العلم وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا} (60)

{ وَإِذْ قَالَ موسى } هو ابن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام على الصحيح ، فقد أخرج الشيخان . والترمذي . والنسائي . وجماعة من طريق سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن نوفا( {[593]} ) البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل فقال : كذب عدو الله ثم ذكر حديثاً طويلاً فيه الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو نص في أنه موسى بني إسرائيل ، وإلى إنكار ذلك ذهب أيضاً أهل الكتاب وتبعهم من تبعهم من المحدثين والمؤرخين وزعموا أن موسى هنا هو موسى بن ميشا بالمعجمة ابن يوسف بن يعقوب ، وقيل : موسى بن افراثيم بن يوسف وهو موسى الأول ، قيل وإنما أنكره أهل الكتاب لإنكارهم تعلم النبي من غيره . وأجيب بالتزام أن التعلم من نبي ولا غضاضة في تعلم نبي من نبي . وتعقب بأنه ولو التزموا ذلك وسلموا نبوة الخضر عليه السلام لا يسلمون أنه موسى بن عمران لأنهم لا تسمح أنفسهم بالقول بتعلم نبيهم الأفضل ممن ليس مثله في الفضل فإن الخضر عليه السلام على القول بنبوته بل القول برسالته لم يبلغ درجة موسى عليه السلام ، وقال بعض المحققين : ليس إنكارهم لمجرد ذلك بل لذلك ولقولهم إن موسى عليه السلام بعد الخروج من مصر حصل هو وقومه في التيه وتوفي فيه ولم يخرج قومه منه إلا بعد وفاته ؛ والقصة تقتضي خروجه علي السلام من التيه لأنها لم تكن وهو في مصر بالإجماع ، وتقتضي أيضاف الغيبة أياماً ولو وقعت لعلمها كثير من بني إسرائيل الذين كانوا معه ولو علمت لنقلت لتضمنها أمراً عريباً تتوفر الدواعي على نقله فحيث لم يكن لم تكن . وأجيب بأن عدم سماح نفوسهم بالقول بتعلم نبيهم عليه السلام ممن ليس مثله في الفضل أمر لا يساعده العقل وليس هو إلا كالحمية الجاهلية إذ لا يعبد عقلاً تعلم الأفضل الأعلم شيئاً ليس عنده ممن هو دونه في الفضل والعلم . ومن الأمثال المشهورة قد يوجد في الإسقاط ما لا يوجد في الاسفاط . وقالوا : قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل . وقال بعضهم : لا مانع من أن يكون قد أخفي الله سبحانه وتعالى علم المسائل التي تضمنتها القصة عن موسى عليه السلام على مزيد علمه وفضله لحكمة ولا يقدح ذلك في كونه أفضل وأعلم من الخضر عليه السلام وليس بشيء كما لا يخفي ، وبأنه سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً القول بأن القصة كانت بعد أن ظهر موسى عليه السلام على مصر مع بني إسرائيل واستقر بعد هلاك القبط فلا إجماع على أنها لم تكن بمصر ، نعم اليهود لا يقولون باستقرارهم في مصر بعد هلاك القبط وعليه كثير منا وحينئذ يقال : إن عدم خروج موسى عليه السلام من التيه غير مسلم ، وكذلك اقتضاء ذلك الغيبة أياماً لجواز أن يكون على وجه خارق للعادة كالتيه الذي وقعوا فيه وكنتق الجبل عليهم وغير ذلك من الخوارق التي وقت فيهم ، وقد يقال : يجوز أن يكون عليه السلام خرج وغاب أياماً لكن لم يعلموا أنه عليه السلام ذهب لهذا الأمر وظنوا أنه ذهب يناجي ويتعبد ولم يوقفهم على حقيقة غيبته بعد أن رجع لعلمه بقصور فهمهم فخاف من حط قدره عندهم فهم القائلون { أجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] و { أرِنا الله جَهْرَةً } [ النساء : 153 ] وأوصى فتاه بكتم ذلك عنهم أيضاً ، ويجوز أن يكون غاب عليه السلام وعلموا حقيقة غيبته لكن لم يتناقلوها جيلاً بعد جيل لتوهم أن فيها شيئاً مما يحط من قدره الشريف عليه السلام فلا زالت نقلتها تقل حتى هلكوا في وقت بختنصر كما هلك أكثر حملة التوراة ، ويجوز أن يكون قد بقى منهم أقل قليل إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم فتواصوا على كتمها وإنكارها ليوقعوا الشك في قلوب ضعفاء المسلمين ثم هلك ذلك القليل ولم تنقل عنه ، ولا يخفي أن باب الاحتمال واسع ؛ وبالجملة لا يبالي بإنكارهم بع جواز الوقوع عقلاً وإخبار الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن الآية ظاهرة في ذلك ، ويقرب من هذا الإنكار إنكار النصارى تكلم عيسى عليه السلام في المهد وقد قدمنا أنه لا يلتفت إليه بعد إخبار الله تعالى به فعليك بكتاب الله تعالى ودع عنك الوساوس .

و { إِذْ } نصب على المفعولية باذكر محذوفاً والمراد قل قال موسى { لفتايه } يوضع بن نون بن افراثيم بن يوسف عليه السلام فإنه كان يخدمه ويتعلم منه ولذا أضيف إليه ، والعرب تسمى الخادم فتى لأن الخدم أكثر ما يكونون في سن الفتوّة ، وكان فيما يقال ابن أخت موسى عليه السلام ، وقيل : هو أخو يوشع عليه السلام ، وأنكر اليهود أن يكون له أخ ، وقيل : لعبده فالإضافة للملك وأطلق على العبد فتى لما في الحديث الصحيح { ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي } وهو من آداب الشريعة ، وليس إطلاق ذلك بمكروه خلافاً لبعض بل خلاف الأولى ، وهذا القول مخالف للمشهور وحكم النووي بأنه قول باطل وفي حل تملك النفس في بني إسرائيل كلام ، ومثله في البطلان القول الثاني لمنافاة كل الأخبار الصحيحة { ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا وَإِذْ قَالَ موسى لفتاه لا أَبْرَحُ } من برح الناقص كزال يزال أي لا أزال أسير فحذف الخبر اعتماداً على قرينة الحال إذ كان ذلك عند التوجه إلى السفر واتكالاً على ما يعقبه من قوله { حتى أَبْلُغَ } إذ الغاية لا بد لها من مغيا والمناسب لها هنا السير وفيما بعد أيضاٍ ما يدل على ذلك ؛ وحذف الخبر فيها قليل كما ذكره الرضي ، ومنه قول الفرزدق :

فما برحوا حتى تهادت نساؤهم*** ببطحاء ذي قار عياب اللطائم

/ وقال أبو حيان : نص أصحابنا على أن حذف خبر كان وأخواتها لا يجوز وإن دل الدليل على حذفه إلا ما جاء في الشعر من قوله :

لهفي عليك كلهفة من خائف*** يبغي جوارك حين ليس مجير

أي حين ليس في الدنيا ، وجوز الزمخشري . وأبو البقاء أن يكون الأصل لا يبرح سيري حتى أبلغ فالخبر متعلق حتى مع مجرورها فحذف المضاف إليه( {[594]} ) وهو سير فانقلب الضمير من البروز والجر إلى الرفع والاستتار وانقلب الفعل من الغيبة إلى التكلم ، قيل وكذا الفعل الواقع في الخبر وهو { أَبْلُغُ } كأن أصله يبلغ ليحصل الربط ؛ والإسناد مجازي وإلا يخل الخبر من الرابط إلا أن يقدر حتى أبلغ به أو يقال إن الضمير المستتر في كائن يكفي للربط أو أن وجود الربط بعد التغيير صورة يكفي فيه وإن كان المقدر في قوة المذكور ، وعندي لألطف في هذا الوجه وإن استلطفه الزمخشري .

وجوز أيضاً أن يكون { أَبْرَحَ } من برح التام كزال يزول فلا يحتاج إلى خبر ، نعم قيل لا بد من تقدير مفعول ليتم المعنى أي لا فارق ما أنا بصدده حتى أبلغ { مَجْمَعَ البحرين } وتعقبه في البحر بأنه يحتاج إلى صحة نقل .

والمجمع الملتقى وهو اسم مكان ، وقيل مصدر وليس بذاك ، والبحران بحر فارس والروم كما روى عن مجاهد .

وقتادة . وغيرهما ، وملتقاهما مما يلي المشرق ، ولعل المراد مكان يقرب فيه التقاؤهما وإلا فهما لا يلتقيان إلا في البحر المحيط وهما شعبتان منه .

وذكر أبو حيان أن مجمع البحرين على ما يقتضيه كلام ابن عطية مما يلي بر الشام ، وقالت فرقة منهم محمد بن كعب القرظي : هو عند طنجة حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه من دبور إلى صبا ، وعن أبي أنه بافريقية ، وقيل البحران الكر والرس بأرمينية وروى ذلك عن السدي ، وقيل بحر القلزم وبحر الأزرق ، وقيل هما بحر ملح وبحر عذب وملتقاهما في الجزيرة الخضراء في جهة المغرب ، وقيل هما مجاز عن موسى والخضر عليهما السلام لأنهما بحراً علم ، والمراد بملتقاهما مكان يتفق فيه اجتماعهما ، وهو تأويل صوفي والسياق ينبو عنه وكذا قوله تعالى : { حتى أَبْلُغَ } إذ الظاهر عليه أن يقال حتى يجتمع البحران مثلاً .

وقرأ الضحاك . وعبد الله بن مسلم بن يسار { مَجْمَعَ } بكر الميم الثانية ، والنضر عن ابن مسلم { مَجْمَعَ } بالكسر لكلا الحرفين وهو شاذ على القراءتين لأن قياس اسم المكان والزمان من فعل يفعل بفتح العين فيهما الفتح كما في قراءة الجمهور { أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } عطف على { أَبْلُغُ } وأو لأحد الشيئين ، والمعنى حتى يقع إما بلوغي المجمع أو مضى حقباً أي سيري زماناً طويلاً .

وجوز أن تكون أو بمعنى إلا والفعل منصوب بعدها بأن مقدرة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا زلت أسير في كل حال حتى أبلغ إلا أن أمضي زماناً أتيقن معه فوات المجمع ، ونقل أبو حيان جواز أن تكون بمعنى إلى وليس بشيء لأنه يقتضي جزمه ببلوغ المجمع بعد سيره حقباً وليس بمراد ، والحق بضمتين ويقال بضم فسكون وبذلك قرأ الضحاك اسم مفرد وجمعه كما في «القاموس » أحقب وأحقاب ، وفي «الصحاح » أن الحقب بالضم يجمع على حقاب مثل قف وقفاف ، وهو على ما روى عن ابن عباس وجماعة من اللغويين الدهر وروى عن ابن عمر . وأبي هريرة أنه ثانون سنة ، وعن الحسن أنه سبعون ، وقال الفراء : إنه سنة بلغة قريش وقال أبو حيان : الحقب السنون واحدها حقبة قال الشاعر :

فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها*** فإنك مما أحدثت بالمجرب

اه .

وما ذكره من أن الحقب السنون ذكره غير واحد من اللغويين لكن قوله واحدها حقبة فيه نظر لأن ظاهر كلامهم أنه اسم مفرد وقد نص على ذلك الخفاجي ولأن الحقبة جمع حقب بكسر ففتح ، قال في «القاموس » : الحقبة بالكسر من الدهر مدة لا وقت لها والسنة وجمعه حقب كعنب وحقوب كحبوب ، واقتصر الراغب . والجوهري على الأول ، وكان منشأ عزيمة موسى عليه السلام على ما ذكر ما رواه الشيخان . وغيرهما من حديث ابن عباس عن أبي ابن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه سبحانه فأوحى الله تعالى إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك " الحديث ، وفي رواية أخرى عنه عن أبي أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال : أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه فقال له : نعم في عبادي من هو أعلم منك ثم نعت له مكانه وأذن له في لقيه .

وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والخطيب . وابن عساكر من طريق هارون عن أبيه عن ابن عباس قال : سأل موسى عليه السلام ربه سبحانه فقال : أي رب أي عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني قال : فأي عبادك أقضي ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى قال : وكان حدث موسى نفسه أنه ليس أحد أعلم منه فلما أن قيل له الذي يبتغي علم الناس إلى علمه قال : يا رب فهل في الأرض أحد أعلم مني ؟ قال : نعم قال : فأين هو ؟ قيل له : عند الصخرة التي عندها العين فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله تعالى .

ثم إن هذه الأخبار لا دلالة فيها على وقوع القصة في مصر أو في غيرها ، نعم جاء في بعض الروايات التصريح بكونها في مصر ، فقد أخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : لما ظهر موسى عليه السلام وقومه على مصر أنزل قومه بمصر فلما استقرت بهم البلد أنزل الله تعالى أن ذكرهم بأيام الله تعالى فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله تعالى من الخير والنعم وذكرهم إذ أنجاهم الله تعالى من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله سبحانه في الأرض وقال : كلم الله تعالى نبيكم تكليماً واصطفاني لنفسه وأنزل على محبة منه وآتاكم من كل شيء ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤن التوراة فلم يترك نعمة أنعمها الله تعالى عليهم إلا عرفهم إياها فقال له رجل من بني إسرائيل : فهل على الأرض أعلم منك يا نبي الله ؟ قال : لا فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى موسى عليه السلام فقال : إن الله تعالى يقول وما يدريك أين أضع علمي بلى إن على ساحل البحر رجلاً أعلم منك ثم كان ما قص الله سبحانه ، وأنكر ذلك ابن عطية فقال : ما يرى قط أن موسى عليه السلام أنزل قومه بمصر إلا في هذا الكلام وما أراه يصح بل المتظافر أن موسى عليه السلام توفي في أرض التيه قبل فتح ديار الجبارين اه وما ذكره من عدم إنزال موسى عليه السلام قومه بمصر هو الأقرب إلى القبول عندي وإن تعقب الخفاجي كلامه بعد نقله بقوله فيه نظر ، ثم أن الأخبار المذكورة ظاهرة في أن العبد الذي أرشد إليه موسى عليه السلام كان أعلم منه ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك .


[593]:- هو ابن فضالة ابن امرأة كعب، وقيل: ابن أخيه والمشهور الأول وهو من أصحاب أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه، وبكال قيل بضم الباء حي من اليمن. وعن المبرد البكالي بكسر الباء نسبة إلى بكالة من اليمن، وفي شرح مسلم للنووي البكالي ضبطه الجمهور بكسر الموحدة وتخفيف الكاف ورواه بعضهم بفتحها وتشديد الكاف قال القاضي: وهذا ضبط أكثر الشيوخ وأصحاب الحديث والصواب الأول وهو قول المحققين وهو منسوب إلى بنى بكال بطن من حمير وقيل: من همدان اهـ منه.
[594]:- قوله فحذف المضاف إليه كذا بخطه والأولى المضاف وهو سير الخ اهـ.